بروفيسور كمال مجيد. بعد سقوط المعسكر الاشتراكي خضعت شعوب العالم لرحمة القطب الامريكي الاوحد الذي اسرع في السيطرة على العالم بشراسة مدهشة. لقد لخص وليام بلوم، الموظف الكبير في وزارة الخارجية الامريكية حتى 1967، اهداف امريكا كما يلي: 1 – لجعل الكرة الارضية مفتوحة لشركاتها العابرة للاوطان. 2 – لتعزيز ثروة الشركات المنتجة للاسلحة. 3 –لمنع قيام اي قطب أخر ينافسها او يتحدى سيادتها اللائقة بالقطب الاوحد . 4 –لنشر الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية في اوسع قدر ممكن من الكرة الارضية. (راجع كتابه Rougue State. Zed Books, London 2001. ً). استخدم القطب الامريكي القوة الغاشمة التي نال شرعيتها من الشعور بأن له حق القهر والغضب ولعدم وجود منافس اقتصادي او عسكري ليوقفه عند حده ولعدم الاكتراث برأي بقية العالم. وللتأكد من عدم نهوض روسيا ثانية ، كقطب منافس، قررت امريكا محاصرتها ، فالغت اتفاقية حظر الصواريخ الباليستية ونصبت العديد مما تملكه منها على الحدود الروسية في بولندة. شجعت امريكا الحروب ضد روسيا في جورجيا ، في ابخازيا واوسيتيا، والحرب الاهلية، داخل روسيا، مستخدمة ً منظمة القاعدة “الاسلامية” في تشيتشنيا بغية السيطرة على منابع النفط في غروزني وثم احدثت انقلابا ً فاشيا ً في اوكرانيا. وفي الشرق الاقصى عززت امريكا قواتها في ألاسكا وارسلت اساطيلها الحربية لتهديد روسيا والصين ومنعهما من النهوض اقتصاديا ً وعسكريا ً. لكن (( لكل فعل هناك رد فعل.)) فبعد موت السكير يلتسن في روسيا ظهر بوتين للدفاع عن وطنه وايقاف امريكا عند حده. فطور جيش ستالين واسلحته المجربة التي حررت روسيا من الاحتلال الهتلري. ثم اعاد حلف ستالين وماوتسي تونغ لسنة 1950 الى الوجود وفي اقل من عقد تكون القطب الجديد، الذي ادركت نجاعته شعوب العالم،من برازيل وكوبا وفنزويلا الى افريقيا الجنوبية والهند فتكونت منظمة بريكس. وبسرعة تكونت منظمة شنغهاي الاقتصادية التي انظمت اليها الهند وباكستان وتركمنستان وبقية بلدان اسيا الوسطى والتي نال مساعدتها كل من ايران وسوريا وتركيا والعديد من بلدان افريقيا. فتطورت الصين وروسيا بالشكل الذي شرحه الباحث زياد حافظ في رأي اليوم الغراء في 10/10/2019 تحت عنوان ((الصين من عملاق اقتصادي الى عملاق عسكري. )) وبخصوص الشرق الاوسط أكدت جريدة اوبزفر اللندنية اهداف امريكا الاستعمارية في 30/12/ 2001، ص 26 ، أي قبل اكثر من سنة من احتلال العراق بالقول: (( … ان امريكا وصلت اللحظة التي تستطيع، بمفردها وبقوة السلاح، في انشاء النظام الذي تريده في الشرق الاوسط. انها تؤمن بضرورة الوقوف مع العدوان العسكري الاسرائيلي، وباسقاط صدام حسين، ونقل “الحرب ضد الارهاب” الى اليمن، الى الصومال او الى السودان … )) لعبت امريكا دورا ً واضحا ً في اسقاط شاه ايران وفي الحرب العراقية الايرانية وحرب الكويت التي استخدمتها للسيطرة على المنطقة ونفطها. وبالاعتماد على نظرية الفوضى الخلاقة لكوندا ليزا رايس هشمت امريكا البنية التحتية في العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال والسودان وقتلت الملايين من سكان هذه البلدان وأجبرت الملايين الاخرى منها على اللجوء الى مختلف بلدان العالم. بين هؤلاء انحاز عدد من الفاسدين الى امريكا التي استخدمتهم لسرقة شعوبهم بحجة الدين او القومية. ان الازمة الاقتصادية والعسكرية السائدة في الشرق الاوسط هي احدى مظاهر الصراع القائم بين القطبين العملاقين ولا تستطيع شعوبنا المقهورة التخلص منها بسهولة. امريكا تقهرنا بالسلاح لأنها لا تعترف بسيادتنا، كما اكد الرئيس ترامب حين امر ملك السعوية أن (( يدفع لكونه لا يستطيع البقاء في الحكم اسبوعين دون حماية امريكا. )) فاما نخضع لها او نحاول التخلص من قطبها بالاستفادة من القطب الجديد. لقد تمكنت سوريا الحفاظ على سيادتها الوطنية، اثناء الهجمة العسكرية الامريكية الحالية، بالاستفادة من اتفاقيتها العسكرية لسنة 1986 مع روسيا. وتمكنت كوبا وفنزويلا وايران من الوقوف ضد المقاطعة الاقتصادية والتهديدات العسكرية المزمنة للقطب الامريكي بالاعتماد على القطب الجديد. بالمقابل انهار العراق وليبيا والسودان والصومال لتفوق الهجمة الامريكية، ولعدم وصول السند الصيني او الروسي في الوقت المناسب، ولاعتماد امريكا على بعض المحليين الذين اخذوا يلهون الناس بالخطر الايراني لكي ينسوا مصائبهم التي خلقها المحتل الامريكي. وفيما يخص العراق لقد سلمت امريكا حكم البلاد الى رهط فاسد بالشكل الذي تم شرحه في مقالتي تحت عنوان ((امريكا تعمل على احتكار الحكم في العراق وتفجيره من الداخل)) في 6/10/2019 في رأي اليوم. بالطبع نال الشعب الموت والحرمان بالشكل الذي لا يتحمله العراقي اليتيم او العاطل عن العمل او المحتاج الى الماء اوالكهرباء اوالمدارس والمستشفيات وحتى مجاري المياه القذرة. فلا يبقى امامه حل سوى المجازفة بحياته والخروج مع امثاله في المظاهرات، مطالبا ً بحقوقه المشروعة . تعلم امريكا هذه الحقيقة وتستطيع استخدام مرتزقتها في قيادة هذه المظاهرات نحو الاهداف التي تختارها هي وفي الوقت المناسب لها. بهذا الخصوص كتب جمال الكندي في رأي اليوم في 11/11/2019 تحت عنوان : (( مظاهرات العراق هل هي عودة لسيناريو التغيير من الخارج؟ )) يقول:- ((المظاهرات الشعبية اليوم في العراق وقبلها في مصر وسوريا واليمن والسودان والجزائر أوجدت قاعدة لم تكن في حسبان رجال السياسة في هذه البلدان وهي التغيير من الداخل بواسطة الحراك الشعبي، ولكن هذا الحراك في بعض مراحله يكون مسيراً من الخارج، والسيناريوهات التي رأيناها في سوريا وليبيا وانتهت بخلق مناخ الصدام العسكري مع السلطة لهي دليل دخول أيادي العبث الخارجي تحت ذريعة الإصلاح. … فهي الوسيلة المناسبة لتغيير سياسة العراق الخارجية مستغلة الفساد والقهر والبطالة التي يعاني منها الشعب العراقي ولتجييش هذا الشارع ضد حكومته مما يؤدي إلى الفوضى التي عن طريقها يتدخل من لا تعجبهم السياسة العراقية الحالية . )) ويختتم بالتحذير: (( على العراقيين أن يميزوا بين من يرفع صوته من أجل العراق ومن يرفعها لخراب العراق ودمارها . )) ويشير الخبير السياسي صائب خليل الى عدد من الذين عملوا على توجيه المظاهرات لخراب العراق. بينهم ايدي كوهين وانتفاض قنبر في امريكا الذي اكد على تلفزيزن روسيا اليوم على انه يأمل ان تتجه المظاهرات في المستقبل ((لمصلحة اسرائيل. )) ولهذا انحرفت المظاهرات الى (( توجيه العداء من امريكا واسرائيل نحو ايران! )) أثبتت احداث العراق المؤلمة وما رافقتها من الدعاية الاستعمارية، من قناة الحرة الامريكية، حول فساد رجال الدين في كربلا، الى التلفزيون البريطاني (بي بي سي ) حول زواج المتعة، الى اجماع تلفزيزن الشرقية والعربية ( السعودية )، اقول اثبتت على ان امريكا توقفت عن مساندة عادل عبد المهدي كرئيس للوزارة ورفعت شعار اسقاطه لأنه انحاز علنا ًالى ايران واخذ ينتقد اسرائيل في ضرب مقرات الحشد ويرفض صفقة القرن بل يذهب الى الصين للتوقيع على الصفقات الملياردية. هذه كلها وكثيرة اخرى غيرها ادلة على خذلان سياسة عبد المهدي تجاه القطب الامريكي وانحيازه، تدريجيا ً، نحو القطب الصيني. ليست قرارات امريكا مبنية على الاوهام. فلقد نشرت مؤسسة مونيتر تفاصيل سفرة عبدالمهدي الى الصين. للتوقيع على اتفاقية اقتصادية عملاقة لعشرين سنة تبلغ قيمتها الاولية حوالي 43 مليار دولار. فتحت عنوان (( العراق يعرض على الصين والهند مشروع ” النفط مقابل الاعمار” )) كتب الصحفي العراقي سلام زيدان المختص في مجال الاقتصاد في 10/10/2019 يشرح: ان ((برنامج النفط مقابل الاعمار والاستثمار، يتضمن قيام الشركات الصينية بالعمل داخل العراق مقابل الحصول على مائة الف برميل (من النفط) يوميا ً، مع العلم ان العراق يحتاج الى 88 مليار دولار لتطوير بناه التحتية المتهالكة. )) ويستطرد : (( حكومة بغداد الحالية التي يترأسها عبد المهدي، بدأت تدير ظهرها للشركات الامريكية بعد اتفاقها في مجال الكهرباء مع شركة “سيمنس” الالمانية بقيمة 15 مليار دولار لتأهيل البنى التحتية، تاركة شركة ” جنرال الكتريك” (الامريكية) … فضلا ً عن عدم التوصل الى اتفاق مع “اكسون موبيل” ( الامركية ايضا ً) لتنفيذ مشروع الجنوب المتكامل الذي تبلغ قيمته 53 مليار دولار.)) ويظيف: – (( وبدأ العراق الشروع باقرار قانون مجلس الاعمار… وسيشرف على المشاريع الكبيرة التي تبلغ قيمتها اكثر من 210 مليون دولار الامر الذي يعني ابعاد الوزارات والمحافظات عن تنفيذ هذه المشلريع لتقليل الفساد والروتين، وتسهيل عمل الشركات الصينية. )) وثم:- (( وقعت الحكومة العراقية الاتفاقات مع الصين من دون علم البرلمان. )) بغية منع المجلس من تحريف الاتفاق لصالح اعضائها الفاسيدين. ويؤكد: – (( من جهته، قال الخبير النفطي صباح علوان لـ ” المونيتور” ان العراق توجه الى الصين بضغط من ايران، وهذا الامر هو محاولة لاحراج الولايات المتحدة الامريكية التي تشهد حاليا ً صراعا ً تجاريا ً مع الصين. )) ويوضح:- (( لم يعاني العراق من ضعف في التمويل بعد عام 2003، اذ دخل اليه اكثر من ترليون دولار من ايرادات النفط، وانما يعاني من المشاريع الوهمية والابتزاز التي ابعدت الشركات العالمية …)) ان التخلص من بعض الشركات الامريكية التي تربح البلايين من الفساد المتعمق في كل المؤسسات العراقية، بما في ذلك الوزارة والبرلمان والجيش، واستبدال المصالح الامريكية باخرى صينية قد تنجح بالمساعدة الفعلية لايران والصين وروسيا. ولكن امريكا المحتل للعراق ترفض مثل هذه الخسارة بشدة. بالطبع يتمكن الجيش الامريكي المحتل، مستخدما ً عملاءه الفاسدين، في عرقلة المشاريع الصينية وافشالها بل له القابلية حتى في الغاء الدولة العراقية وتسليم كل الامور لمندوبها السامي من امثال بريمر او زلماي خليلزادة. فالعراق قد يدخل مرحلة جديدة اتعس مما يمر به الأن. فالمتوقع الكثير من المظاهرات والانقلابات العسكرية الامريكية بقيادة عبدالسلام الساعدي وامثاله. من الضروري اذا ً العمل على تشكيل منظمة جماهيرية واعية، ذاة قيادة حكيمة، تعمل على محاربة الاحتلال الامريكي وطرده ولنرجو الانتصار لشعبنا المنكوب . 2019-10-16