تونس وجدان العرب!
ابو زيزوم الغري.
فاز برئاسة تونس امس أستاذ جامعي غير متحزب وغير مدعوم من جهة خارجية او مؤسسة مالية . أدار حملته الانتخابية بإمكانيات متواضعة فصوت له التوانسة بأغلبية كبيرة . وكان منافسه رجل اعمال مرموق لديه حزب كبير ومال وفير ومع ذلك سقط سقوطا مدويا .
قيس سعيّد الرئيس التونسي المنتخب معروف بنظافة اليد واستقلال الفكر وأسباب اخرى عديدة ساهمت في نجاحه الكاسح في مقدمتها موقفه من قضية فلسطين . وبذلك أثبت ابناء تونس ان التشويش الكثيف الذي حاولت الردة بكل قواها ان تنشره على وعي الأمة ليس الا غشاءً واهياً ينقشع مع اول اختبار جدي .
تحتل تونس المركز الاول عربيّاً في مضمار الديمقراطية وفقاً لجميع التصنيفات الدولية المعتمدة . فالنتيجة الانتخابية فيها تعبير أمين عن موقف شعبها . ولو أتيح للشعوب العربية الاخرى ان تفصح عن ذاتها لما اختلفت النتيجة . فمحاولات التطبيع مع الصهيونية ورغم كل الطاقات التي استثمرت فيها لم تؤثر على قناعة الانسان العربي الحر . وعلى الذين توهموا ان أولويات امتنا قد تبدلت ان يراجعوا أنفسهم في ضوء الاستفتاء التونسي الساطع كالشمس .
تونس اليوم هي رائدة الأمة العربية بجدارة واستحقاق ، وجذوة أمل للباحثين عن السبيل السوي . ونجاحها في إنجاز هذا العرس الانتخابي الشفاف هزيمة موجعة للثورة المضادة التي يقودها الصهاينة العرب . وأكبر المهزومين محمود عباس وحكومته الشوهاء . فسلطة أوسلو في رام الله وصلت الى طريق مسدود بفضل رفض الشعب الفلسطيني التنازل عن حقوقه . كانت حجتها الدائمة لإركاع شعبها ان العرب تخلوا عنّا وعن قضيتنا .
وهذا هو اول شعب عربي تتاح له حرية التعبير السياسي عن موقفه يبايع بما يشبه الإجماع رجلا يرفع لواء فلسطين عالياً ليسقط بذلك تلك الحجة البالية من يد عباس ويعيد الأمور الى نصابها .
بقي القول ان قيمة هذه الانتخابات لا تنحصر في ذهاب الجمهور الى أستاذ جامعي طاعن في السن والإعراض عن الطبقة السياسية برمتها وانما أيضا في استعداد الاستاذ الجامعي للنزول الى الشارع والخروج من الصومعة الأكاديمية التي تحولت عند العرب الى رهبانية معزولة عن الواقع . فتجربة بطرس غالي على رأس الامم المتحدة لم تكسر ذلك السياق الشاذ لأن غالي اختير أممياً لقيادة المنظمة الدولية ولم ينزل الى الشارع ولم يحاول قيادة الناس .
وفي الختام نحيي تونس ورئيسها الجديد ، الشيخ الذي أجمع عليه الشباب ، المعادي لإسرائيل في زمن شح فيه معادوها بين الحكام العرب .
لقد وضع اهل تونس بلادهم في مواجهة الردة الكبرى وسيُستهدفون بقوة . لكنهم ابناء ابي القاسم الشابي القائل وكأنه يقولها اليوم :
اذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
( ابو زيزوم _ 723 )
2019-10-16