السياسات والحقوق والدولة: يوم في حضانة اسكندنافية
أسامة مصالحة.
عندما أراد ميشيل فوكو دراسة علاقة السلطة بالمعرفة والخطاب، قام بدراسة السجون، وخرج بكتابه الشهير “المراقبة والعقاب، ولادة السجن”. على نفس المنوال، لربما كان على من يرغب بدراسة السياسات والحقوق وطبيعة الدولة وفلسفتها في المجتمعات الاسكندنافية، أو دول الشمال، أن يقضي يوماً في إحدى الحضانات الفنلندية ، ذلك أنه لن يتسن له دراسة “السجن”، فالسجون إما اختفت وأما في طريقها الى الاختفاء. وفي حال وجود بعض منها، فالإقامة فيها تعادل الإقامة في فندق ثلاثة أو أربعة نجوم.
لكن، لماذا الحضانة؟ لأنه ليس هناك مكان أكثر قدرة على كشف طبيعة الدولة وسياساتها الاجتماعية من الحضانة، فهي كقطرة الماء، تعكس محيطها كاملاً.
الحضانة هي اللبنة الأولى والحجر الأساس الذي تُبنى عليه الدولة والسياسة في دول الشمال. فحول هذا الفضاء البريء والجميل، الذي يضم الأطفال الصغار حصراً، تدور عجلة السياسة و الفلسفة والاقتصاد والفن والإبداع. ترتبط الحضانة بنظام تعليمي وصحي أشمل، يبدأ منذ أن يكون المرء جنيناً في بطن أمه وحتى يبلغ سن الرشد.
يبدأ يوم الطفل غالباً عند الساعة الثامنة صباحاً حيث يقدم له إفطاراً فاخراً وصحياً، يراعى في الطعام المقدم للطفل ديانة أولياء أمره. وفي كل الشؤون الأخرى، يؤخذ بعين الاعتبار الاختلافات الثقافية وتُحترم الأعياد الدينية على أنواعها، ولكل حضانة تُخصص حديقة ألعاب متميزة وآمنة حيث يقضي الأطفال فترة صباحية وأخرى مسائية. و ينهض النظام على نموذج “التعلم عبر اللعب”، وهو نظام تربوي وتعليمي متطور جداً يهدف الى إنشاء الطفل تنشئة متوازنة من كل النواحي. وتقوم الدولة بدفع راتب شهري للطفل، وتمنح الأم فترة ثلاث سنوات “أمومة” ويصرف لها راتب مجز، وتحتفظ بحقوقها كاملة في مكان العمل إذا كانت عاملة.
ولا يمكن فهم نظام الحضانة إلا بعلاقته بنظام “الرعاية الصحية ” للطفل. فهذا النظام الأخير متخصص في متابعة الوضع الصحي والنفسي والعقلي للطفل بشكل أسبوعي وشهري ودوري، وترفع الحضانة تقاريرها الدورية ل”الرعاية الصحية” وتعقد اللقاءات الدورية بين الجهتين واولياء الامر لمتابعة تطور الطفل بشكل دائم. و
يخيل لاولياء الأمور الذين يحضرون تلك اللقاءات أنهم يشاركون في جلسة من جلسات مجلس الأمن الدولي، ذلك أن الدولة تمنح تلك اللقاءات أهمية استثنائية، كما تغطي الدولة تكاليف أخرى كثيرة لامجال لسردها هنا، كحق الطفل في تعلم آلة موسيقية أو طلب “تاكسي” خاص في حال عدم تمكن والديه من ايصاله الى الحضانة، أو الدخول الى المسابح مجاناً وغيرها.
تستثمر الدولة في الإنسان مبالغ فلكية، فعلة وجود الدولة ووظيفتها الأولى هي حماية المواطن، رعايته وفتح الآفاق أمامه ليحقق ذاته ويبدع. هذه هي، بإيجاز شديد، الحضانة الفنلندية.
إن الدولة، ماهيتها وعلة وجودها، بل ما يطلق عليه ميشيل فوكو تسمية” نظام الحقيقة” ذاته، يتكشف أكثر ما يتكشف في تلك المؤسسات الصغيرة كالحضانة والمدرسة والسجن والمصحة النفسية والمستشفى وعلاقتها بمنظومة القوانين السائدة، ولا يتكشف في الخطاب الرسمي البليغ الذي يسعى لإنتاج “حقيقة” تزيف الحقائق.
*كاتب فلسطيني يقيم في فنلندا
2019-10-16