كم هو صعبٌ أن أغني مرغمًا للرّعب الذي أحياه..!
لينا الحسيني
بين شتول الذّرة، وعلى أنغام أغنيات الحقول، نشأ وترعرع فيكتور جارا (1932- 1973) في قرية لونكوِن التشيليّة.
عاش الحرمان واليتم باكراً. فبعد انفصال والديه، فقد والدته وهو في الخامسة عشر من عمره، فترك غيابها أثراً عميقاً في نفسه دفعه إلى الإنعزال والتفكير في دراسة اللاهوت والعيش في الكنيسة، لكنه ما لبث أن غادرها.
في شمال تشيلي، بدأت رحلته مع المسرح دراسة وبعدها تدريسًا، وسرعان ما تحوّل إلى الغناء لأنه شعر أنّ الأغنية أسرع في الوصول إلى النّاس من المسرح:
“الأغنية ﻛﺎﻟﻤﺎء ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻐﺴﻞ ﺍﻟﺤﺠﺎﺭﺓ ﺑﺒﻂء، ﻛﺪﻑء ﺍﻟﻨّﺎﺭ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻴﻂ بنا ﻭﻳﻌﻴﺶ ﻓﻲ ﺩﺍﺧﻠﻨﺎ ﻟﺠﻌﻠﻨﺎ ﺃفضل”
إلتزم جارا الأغنية الثّورية، كما كان يفضل تسميتها “ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﻣﺼﻄﻠﺢ الأغنية الاحتجاجية ﺻﺎﻟﺤًﺎ ﻷﻧّﻪ ﻏﺎﻣﺾ ﻭﻗﺪ أُسيء ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻣﻪ. ﺃﻓﻀّﻞ ﺗﻌﺒﻴﺮ ﺍﻷﻏﻨﻴﺔ
ﺍﻟﺜﻮﺭﻳﺔ”.
ﻛﺎﻥ فيكتور جارا ﻣﺴﺎﻟﻤﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﺸﻴﻮﻋﻲ التشيلي ﻭﻣﺆﻳﺪًﺍ ﻗﻮﻳًﺎ لأليندي.
كان في السّبعينات ﺃﺣﺪ ﻧﺠﻮﻡ ﺍﻟﻤﻮﺳﻴﻘﻰ ﺍﻟﻜﺒﺎﺭ ﻓﻲ ﺗﺸﻴﻠﻲ وخلق حالة ثقافية خاصة، عبّرت عن هموم أبناء شعبه عبر أغنياته الثّوريّة التي تناولت قضايا إجتماعية مثل ﻋﺪﻡ ﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭمشاكل العمال والفلاحين.. ﻟﺬﻟﻚ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺍﺳﺘﻮﻟﻰ ﻧﻈﺎﻡ ﺑﻴﻨﻮﺷﻴﻪ ﺍﻟﻴﻤﻴﻨﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴّﻠﻄﺔ إثر ﺍﻧﻘﻼﺏٍ ﺩﻣﻮﻱ، كان جارا ﻣﻦ أوائل من ﺍﻋﺘُﻘﻠﻮﺍ.
في ملعب كرة القدم في سانتياغو، احتُجز جارا مع الآلاف من المعترضين على انقلاب بينوشيه، حيث تحوّلت غرف تغيير الملابس إلى غرف تعذيب. ﻭﻗﺪ ﺃُﺟﺒﺮ ﺍﻟﻤﻌﺘﻘﻠﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻠﻮﺱ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﺭﺟﺎﺕ بلا ﻃﻌﺎﻡ ولا ﻧﻮﻡ ﺣﻴﺚ ﻛﺎﻧﻮﺍ ينتظرون الموت ويُساقون ﻋﺸﻮﺍﺋﻴﺎً ﻭﻳُﻌﺪﻣﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻠﻌﺐ.
تمرّد جارا على محتجزيه، فقام بتأليف ﺍﻷﻏﺎﻧﻲ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﻭﻏﻨّﺎها لرفاقه ﺍلمحتجزين لرفع ﻣﻌﻨﻮﻳﺎﺗﻬﻢ.
دعاه ﻗﺎﺋﺪ ﺍﻟﻤﻌﺴﻜﺮ للغناء وسط الملعب أمام الجميع وأجلسوه على طاولة عليها غيتار، ﻓﻲ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺟﻠﺲ ﻓﻴﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺎﻭﻟﺔ، ﺗﻢّ تثبيته ﻓﻲ ﻣﻜﺎنه، ﺛﻢ ﻗﻄﻊ ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﺃﺻﺎﺑﻌﻪ ثمّ ﺻﺮﺥ بوجه ﻗﺎﺋﻼً:
“ﺍﻵﻥ ﻏﻨّﻲ، ﺃيّها الوغد، ﺍﻵﻥ ﻏﻨّﻲ”.
ﺭﺩﺍً ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ، وقف ﺟﺎﺭﺍ ﺑﻬﺪﻭء
واقترب من احد المدرّجات ﻭﻗﺎﻝ:
“ﺣﺴﻨًﺎ ﺃﻳّﻬﺎ ﺍﻟﺮّﻓﺎﻕ، ﻟﻨﻔﻌﻞ ما يطلبه”…
ﻏﻨّﻰ ﺑﺼﻮﺕ متهدّج، نشيد الحزب ﺍﻟﺴّﻴﺎﺳﻲ ﺍﻟﺬﻱ يجلس ﺃﻋﻀﺎﺅﻩ ﻓﻲ المدرّجات.
ﺍلمحتجزون ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻟﻢ يأكلوا ولم يناموا وﺗﻌﺮّﺿﻮﺍ ﻟﻠﺘّﻌﺬﻳﺐ، ﻧﻬﻀﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺃﻗﺪﺍﻣﻬﻢ ﻭﺑﺪﺃﻭﺍ بالغناء ﻣﻌﻪ وبعدها غنّى أغنيته ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ.
أثار المشهد حفيظة الجنود الذين انهالوا عليه ضرباً ووجّهوا رصاص رشّاشاتهم نحو المدرّجات..
في السّادس عشر من سبتمبر عُثر على جثة جارا وآخرين مرميّةً في الشّارع.
سرّب أغنيته الأخيرة أحد النّاجين.
تقول كلماتها:
نحن خمسة آلاف هنا..
في هذا المكان وحده،
عشرة آلاف يدٍ زرعت البذور
وحرّكت المصانع.
تُنتهك إنسانيتُهم،
يواجهون الجّوع والبرد والذّعر والألم،
والضغوط النّفسية والإرهاب والجنون..
لقد فقدنا ستةً منّا
كما لو أنّهم في الفضاء نجوم.
واحد مات، والثاني يُضرب!
الأربعة الآخرون أرادوا إنهاء رعبهم
أحدهم يقفز نحو العدم،
آخر يضرب رأسه بالجدار،
الكلّ بحدّقُ بالموت.
يا له من رعب يخلقه وجه الفاشية!
إنّهم ينفّذون خططهم بدقّة سكين.
لا شيء يهمهم.
بالنسبة لهم، الدّم يساوي الميداليات،
المذبحة هي عمل بطولي.
يا الله، هل هذا هو العالم العجيب
الذي عملت سبعة أيام لتخلقه؟
في هذه الجدران الأربعة،
أنت مجرّد رقم
من لم يمت
ينتظر الموت ببطء
ولكن فجأة، أستعيد وعيي
وأدرك أنّ هذا المدّ من الجنود
ليس لديه نبضات قلب،
فقط نبض الآلات..
اتركوا المكسيك وكوبا..
العالم يصرخ ضدّ هذه الفظاعة!
نحن عشرة آلاف من الأيدي
التي لا تستطيع إنتاج أي شيء.
كم بقي منّا في البلد؟
دمُ رئيسنا ورفاقنا،
سيجابه قوّة القنابل والمدافع الرّشاشة!
لذلك سوف تضرب قبضاتنا مرّة أخرى!
كم هو صعب أن أغنّي
حين أكون مرغماً على الغناء للرّعب
الرّعب الذي أعيشه،
الرّعب الذي يقتلني..
أحدّق في الجموع
وأعيش لحظات لا تنتهي،
يصير فيها الصّمت والصراخ
صدىً لأغنيتي.
#Victor_Jara
