علي رهيف الربيعي
فلنسلم بذلك ، ولكن الا يعني أن الاعتماد على الحس الديني وحده غير كافي ؟ إن الله كرم الانسان وجعله ” خليفة ” ، هذا صحيح ، ولكن هل يكفي ذلك لردع الحاكم أو الزامه بالاعتراف بحقوق الانسان ؟ إن التاريخ نفسه خير شاهد على أن ذلك لم يكن كافيا . فالضمان الوحيد لحقوق الانسان يصبح عندئذ ضمانا إلهيا . فإذا تخلى الحاكم عن التقوى الشاملة الكاملة ، وتملكه الأطماع البشرية المألوفة ، أصبحت حقوق الانسان بلا دعامة ، بلا أساس ، بلا ضمان . ولو قيل للحاكم ” لا تضطهد رعاياك لأن فيهم روح الله مثلك ” أو ” لا تسلبهم حياتهم أو حريتهم حتى لا تغضب الله ” ، فلن يرتدع ، لأنه ابتعد منذ البداية عن طريق الايمان ، وانتخذت أفعاله ” بغض النضر عن شكليات أداء الشعائر خطا دنيويا بحتا ، بحيث لا يعود ” الأمر اللاهوتي ” السابق يمارس عليه تأثيرا . فإذا لم يوجد ضمان بشري ، تاريخي ، دستوري ، لحماية حقوق الانسان ، عندئذ يصبح الباب مفتوحا على مصراعيه لانتهاكات لا مثيل لها لهذه الحقوق ، وهو ماحدث بالفعل في التاريخ .
ومجمل القول انه ، في عالم تسوده المصالح الدنيوية ، يؤدي الاعتماد التام على الضمان الالهي لحقوق الانسان إلى اضعاف هذه الحقوق أو القضاء عليها . وما لم نكن نعيش في عالم التقوى المثالي ، الذي تفترضه النظرية الاسلامية في حقوق الانسان فإن الوسيلة الوحيدة لحماية هذه الحقوق هي إيجاد ضمانات ” انسانية ” ” وضعية ” لها .
والواقع أن قدرا كبيرا من سوء السمعة الذي يلحق بكلمة ” القوانين الوضعية ” ، في جميع الكتابات الاسلامية المعاصرة ، يرجع إلى خلط تقع فيه هذه الكتابات بين المثل الأعلى والواقع . فالنصوص الدينية مثالية ، لا تعاقب من يخالفها إلا بعذاب الآخرة ، أي أنها لا تتضمن جزاء دنيويا محددا للحاكم الذي ينتهك حقوق البشر وحتى لو كانت هناك نصوص تقضي بعزل الحاكم المسيئ ، فإن وسائل العزل وكيفيته و ” آلياته ” غير محدودة ، ومن ثم يستطيع الحاكم دائما أن يتجاهلها ويتحداها . أما القانون الوضعي فأمامه واقع يواجهه ، ويقيده ، ويفرض عليه ظروفه الخاصة . وبعبارة أخرى فالنص الديني يتحرك في مجال الحرية المطلقة ، بينما القوانين الوضعية تقيد نفسها بواقع معقد ، متغير ، متعدد الجوانب ، ومن ثم فإن المقارنة التي يعقدها الكثيرون بين الاثنين غير جائزة (١) .
إنها مقارنة بين المثل الأعلى والواقع ، بين أحكام نظرية مثالية لم تطبق بالفعل ، وأحكام لا بد لها أن تتقيد بالمتغيرات والمشكلات والصعوبات التي يفرضها الواقع .
والمشكلة الأخرى ، إلى جانب مشكلة عدم وجود ضمانات دنيوية محددة لحقوق الانسان في ظل وجهة النظر الدينية ، هي أن طابع القداسة الذي تتسم به النصوص الدينية سرعان ما تتغير طبيعته على أيدي البشر . فالنصوص الدينية ، كما قلنا مرارا ، لا تحكم بذاتها ، ولا تطبق نفسها بنفسها ، وإنما يطبقها بشر فانون ، لهم مصالحهم وأطماعهم وشهواتهم . وكثيرا ما يقال إن الابتعاد عن الطريق القويم ، الذي ترسمه الشريعة للبشر ، سببه ” التشويه ” الذي طرأ على أحكام الشريعة نتيجة لانحرافات البشر ، وكأن هناك أساسا ثابتا يمكن أن يظل على ما هو عليه ، لو لم يشوهه القائمون بالتطبيق . ولكن كل حكم ديني لا يمكنه أن يستغني عن العنصر البشري في التطبيق ، ومجرد وجود هذا العنصر البشري معناه نزع القداسة الأصلية ، وإنزال الحكم الديني من مستوى المطلق إلى مستوى النسبي والمتغير . وهكذا يكون الخلاف ، في حقيقته ، خلافا بين حكم بشري يعترف ببشريته وحكم بشري أيضا يدعي الارتكاز على أساس ديني ، وغالبا ما يكون النوع الثاني أخطر ، لأنه يتيح للحاكم أن يضع نفسه فوق مستوى النقد ، ويضفي هالة من القداسة على أفعال تحركها الأغراض البشرية المألوفة ، بينما الحكم البشري المعترف ببشريته هو ، في الوقت ذاته ، قابل للتبديل والتغير والنقد .
والواقع أن الأمر الذي سهل الخرق المستمر لحقوق الانسان ، كما أكدها الوحي طوال التاربخ الاسلامي ، هو أن الحاكم كان في الوقت ذاته ” خليفة ” للرسول يحكم بكل ثقل السلطة التي يستمدها من سلفه العظيم . وبهذا الوصف كان الحاكم هو الذي يتولى تفسير النصوص الدينية ، التي هي في الأغلب عامة إلى حد تقبل معه شتى الاتجاهات ، وكان من الطبيعي إذا استثنينا حالات قليلة أن تتحكم مصالحه الدنيوية في تحديد التفسير الذي يميل إليه .
وهكذا تظهر هنا كل المشكلات التي تترتب على وجود نص إلهي مقدس ، يقوم بتطبيقه بشر فانون ، وتثار هنا كل الصعوبات الناجمة عن التقابل بين الثابت والمتغير والمقدس والبشري ، والروحي والزمني ، والفطري والتجريبي ، والأزلي والتاريخي ، والمثالي والواقعي .
ومجمل القول أنه حين تكون حقوق الانسان مستمدة ، في المحل الأول ، من علاقة الانسان بالله ، لا من علاقة الانسان بالانسان ، فإن المجال يصبح مفتوحا أمام البشر للتحايل على هذه الحقوق ، مع ادعاء العصمة التي تنسب للنص المقدس .
(١) انظر مثلا : عثمان عبد الملك الصالح : ” حق الأمن الفردي في الإسلام ” دراسة مقارنة بالقانون الوضعي ” بحث ألقي في ” ندوة حقوق الإنسان في الاسلام ” الكويت ديسمبر ١٩٨٠ .
انتهى
2019/03/03