كيف تتبدى مأساة العقل السياسي العربي المستقيل؟ (3/3) د. طراد حمادة
كان الفشل في حل المسألة الوطنية المتمثلة بقضية تحرير فلسطين القضيّة المركزية الأولى للعرب والمسلمين العلامة الظاهرة البيِّنة، الوضوح لفشل النظام الإقليمي العربي في حل المسائل الأخرى المتعلقة بقدرته على تمثيل العرب في دائرة النظامين الإسلامي والعالمي، وكذلك في حل المسألة المرتبطة ببناء الدولة وقيام الحكم الرشيد وتحقيق مسار التنمية والعدالة والرفاه إلى جانب عدم اشتغاله أصلاً بمسائل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
في هذا البيان التنازلي من فشل النظام الإقليمي العربي، حصلت متغيرات، تقوم على قواعد التبعية للغرب فتهاوت أنظمة الاستبداد العربي التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، ونالت استقلالها الوطني، في ظل تجزئة فرضتها مصالح الاستعمار الأجنبي والدول التي خرجت منتصرة من الحرب، فيما لفظت السلطنة العثمانية آخر أنفاسها وتحوّلت بدورها إلى نظام علماني هجين، يستجدي الانتساب إلى أوروبا، وينخلع عن آسيا الإسلامية ويدخل من باب موقعه الجيوستراتيجي في المعسكر الأميركي – الأوروبي، وفي الحلف الأطلسي، ذي النزعة العسكرية العدوانية.
كان سقوط النظام الإقليمي العربي ذي النزعة الاستبدادية، من نتائج فشله في حل المسألة الوطنية والمسألة الاجتماعية والسياسية والتنموية، فيما تأخر سقوط الأنظمة الملكية المرتبطة بالغرب والمرتهنة لحمايته من كل ناحية، والعابثة بمقدرات الأمة، توزع مصادر القوة في ظل أنظمة العائلات المالكة التي تتوارث الحكم في الممالك والإمارات والمشيخات على قاعدة نظام الأهل والغنيمة وتحالف القبائل، يسندها نظام الجهل السياسي وتحريف الأسس الدينية عن حقائقها المعتبرة.
الوزير السابق طراد حمادة
استمدت هذه الأنظمة المنتمية إلى ابستمولوجيا العصور الوسطى، قوتها من ارتهانها الكلي للغرب الأميركي – الأوروبي ومن ثرواتها المتجمعة في أيدي العائلات الحاكمة التي تنفقها لكسب رضى الأجنبي وحماية حكمها، مع التفريط بمصالحها الحيوية والوطنية وقيمها الدينية والإنسانية.
وقد استفادت هذه الأنظمة في منطقة دول الجزيرة العربية والخليج من فشل أنظمة الاستقلال والاستبداد العربيّة، واستفادت من فشل هذه الأنظمة لتقوية موقعها في توازنات الجامعة العربية وتحوّلت إلى محرك (موتور) لآلة إشعال الفتن والحرب الأهلية في الدول العربية المحيطة بها وكذلك صناعة حركة الإرهاب وإنتاجه وتصديره إلى مناطق العالم. كانت تنتج البترول والجهل، والتكفير والإرهاب، والاستبداد والاستعباد، وتوظف، القدرات المالية، والمقدسات الدينية، والتحالفات الإقليمية الدولية، من أجل إثارة النزعات الدينية المذهبية والقومية الإثنية، وتوظف كل ما يتحرك في عالم الشر، لنشر الخراب والدمار، والتفتيت والتجزئة والفقر والاستتباع.
لم يعرف المجتمع العربي والإسلامي ظاهرة مشابهة في غلوها لدفع الإنسانية إلى هاوية التكفير والقتل، حتى في أكثر عصور الإسلام انحرافاً ودموية، من ظلم الأمويين، إلى تعسف العباسيين، إلى استبداد المماليك والعثمانيين بنيت هذه الأنظمة على أفكار منحرفة عن الإسلام، على مستوى العقائد والعبادات والمعاملات ونظم المصالح والقيم، وكانت الحركة الوهابية صورة هذا الانحراف الذي ازداد، مع الوقت، فيما يشبه المغالاة في ازدياد درجة الانحراف المشار إليه عند الوهابية بداية هذا القرن، حتى أصبح الإسلام في ديار المسلمين الخاضعة لنفوذها، والمتأثرة بها غريب لا مكانة له يبحث عنه الإنسان فلا يجد من الإسلام الحنيف أثراً في كل مناحيه الإلهية المتعددة..
ما الذي قامت به بداية هذا القرن أنظمة العقل السياسي المستقيل
1) لقد أدارت هذه الأنظمة ظهرها لقضية فلسطين، وخلقت للأمة عدواً من داخلها، استبدلت به العدو الحقيقي الذي يحتل الأرض ويطرد سكانها ويهدد مصالحها وقيمها، حاضرها ومستقبلها.
2) أنتجت حركات الإرهاب القائم على التكفير، وسلطت سيف الإرهاب والتكفير على رقاب العالمين، ثم دارت به في حركة لافتة من الخارج إلى الداخل لتجعل منه حركة معادية للإسلام والإنسانية.
3) عمدت إلى تغليب المذهبيّة على الوحدة الدينية، وهم بالأصل معادون لكل المذاهب الإسلامية السنية والشيعية والصوفية على السواء وناصبت الحركات الإسلامية السياسية العداء، عند المسلمين السنة والشيعة، وعمدت إلى استخدام المال في شراء الذمم وتحريف الأخلاق ونشر الإعلام الضار، والفاسد والكاذب، والمنافي لمبادىء الإعلام الإسلامي وقيمه.
4) نقلت الحرب من مواجهة الأعداء كحرب دفاعية وطنية إلى حرب هجومية أهلية، قاعدتها الإرهاب التكفيري، بمعنى آخر استخدمت وسائل الإرهاب في عمليات القتل الأهلي المستمرة وتعميمه على البلدان والممالك والخلائق .
5) قوّضت حركة الصحوة الإسلامية للثورات العربية، ونقلتها من حالٍ إلى حالٍ، جعلت منها مطية للحركات الإرهابية، ونشرت في مناطقها حالة الفساد في الأرض.
6) ناصبت العداء للدول الإسلامية وقلبتها على قواعد تعاونها، وعليه لا ترتضي تفاهماً بين إيران وتركيا، ولا بين تركيا ومصر، وإيران ومصر، وباكستان وإيران، وأندونيسيا وماليزيا، ولا حتى بين قطر وعمان، والبحرين وقطر، والكويت وشعب البحرين، يعني سياسة فرّق تسد، فرق الأمة، اقضي على وحدتها.
7) كانت جار السوء للجميع وفق تعبير السيد عبد الملك الحوثي، ونشرت هذا السوء نال من الجار السابع البعيد إضافة إلى الجار القريب.
8) نقلت في حربها على اليمن حرب الإرهاب من داخل الدول إلى حرب ما بين الدول، وهذه المسألة تستحق منا وقفة متأنية لاحقة في كشف حساب مآسي العقل السياسي العربي المستقيل.