”في بريطانيا تصاعدت أو اشتدت الحملة الإعلامية المهاجمة لمواقف زعيم حزب العمال اليساري جيرمي كوربين المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني وضد الحروب والمشاركة فيها، وكذلك فضح سياسات الحكومة اليمينية التي تتحالف مع سياسات الولايات المتحدة الأميركية العدوانية وخصوصا في المنطقة العربية.”
لم يعد التناقض في المواقف والتقلبات والتحولات في الانتماءات السياسية والفكرية كافية وحدها في بيع الضمائر وعطب الأخلاق، فلا بد من إثباتها بالكتابة والنشر والمحاضرة في التباكي على الامبريالية، بمعناها أو بجوهرها وليس بلفظها، وتمجيد “منجزاتها”! بشتم أو تشويه صمود اليسار، بكل صوره: في محاربته المبدئية للامبريالية والعدو الطبقي والاجتماعي، وإدانة العدوان والغزو والاحتلال، وتحميل القوى المتخادمة مع إدارات العدوان الامبريالية المسؤولية بقدر الامبرياليات وجرائمها في العالم، ومنطقتنا العربية خصوصا. ويلفت الانتباه التكالب في إبراز المهارة في الهجوم على اليسار وتشويهه بخلط الأوراق والتمعن في عرض التشابهات وفرضها بإصرار وقصد، رغم تناقضها أو اختلافها بهدف تمييع نضال اليسار وتضحياته، والدخول عمليا في خدمة المشاريع المعادية لليسار، والتي تتزعمها الدول الامبريالية وأتباعها، الممولون لتلك الأصوات النشاز، أفرادا وأجهزة وأدوات ومكاتب وخدمات. تستفيد هذه الأسماء بما يوفر لها من مساحات إعلامية، مرئية ومكتوبة ومسموعة، ومواقع ووسائل إلكترونية، فضلا عن الأجور والرواتب والمكافآت الجزيلة في التعبير عن متغيراتها أو تحولاتها أو ما يجري حولها، وتعرض ما لديها، وفي الهدف المطلوب منها، التخصص في محاربة اليسار وقيمه ومبادئه، وتشويه معارضته الحاسمة لأشكال الهوان والتواطؤ والاستغلال والحرمان وانتهاكات حقوق الإنسان وتكبيل الحريات وتزييف الديمقراطية، التي كانت أقانيمها وأغانيها أيام صدقها والتزامها الحزبي أو الفكري اليساري، الماركسي والشيوعي خصوصا، قبل التحولات المقبوضة الثمن مسبقا والإغراءات المسيلة للعاب. وهو الأمر الذي عرفته القوى اليمينية والمحافظة والرجعية، ومعلوم أنها تملك من الثروات الكثير الذي تتمكن به أن تعمل بما تقوم به، أمس واليوم، في حربها المستمرة على قوى اليسار الحقيقية والتغيير والحرية والسلام. هكذا تمتلئ تلك الوسائل، ما يفضح تحولات هؤلاء وتغيرهم الفكري والسياسي وارتباطهم في هذه المسارات المخادعة. ويحاولون طبعا إظهار قدراتهم وخلفياتهم في التعبير بكلمات وأفكار اليسار، ولكن لتصب كلها في خدمة اليمين والرجعية وأعداء الشعب والوطن. في بريطانيا تصاعدت أو اشتدت الحملة الإعلامية المهاجمة لمواقف زعيم حزب العمال اليساري جيرمي كوربين المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني وضد الحروب والمشاركة فيها، وكذلك فضح سياسات الحكومة اليمينية التي تتحالف مع سياسات الولايات المتحدة الأميركية العدوانية وخصوصا في المنطقة العربية. ولم تكتف الحملة بما يشنه عليه أعضاء من حزبه من اتباع توني بلير، واليمين الحزبي الآخر، ووسائل الإعلام اليمينية والصهيونية، والحكومة وحزبها، حزب المحافظين، الذي وجه، حسب وكالات الأنباء، انتقادات له، واتهمه بتغذية المشاعر المعادية للسامية في حزبه، وبالتقاعس عن التصدي لثقافة أدت إلى تعرض بعض نواب حزبه اليهود لتهديدات. كما سلط النقاش المشحون في البرلمان الضوء على عمق الانتقادات الموجهة لكوربين بشأن معاداة السامية. ورغم تأكيد النواب على أنهم لا يسعون لإحراز نقاط سياسية في النقاش، إلا أنهم كانوا يريدونه ويسجلون فيه استهدافهم لكوربين ومنهجه أساسا. وكان من بينهم أعضاء يهود من حزب العمال وجهت لهم إساءات حسب حديثهم. ولم يتقبل نقاده اعتذاره وتصديه لوجود ما وصفه “بجيوب” معاداة السامية في حزبه. بل وبعد كل هذا الهجوم تشارك جهات ووسائل إعلام عربية أو ناطقة بها، وتقوم بتشغيل “مرتزقة” الإعلام من اليساريين سابقا في إطار الحملة الهجومية عليه. مساهمة أو مرتبطة مع احتجاجات جماعات صهيونية بريطانية على كوربين قائلة، إنه مناصر للحقوق الفلسطينية (وهو لا يخفي ذلك) ومنتقد لإسرائيل ومتقاعس عن التصدي لمعاداة السامية. رغم توضيح آندرو جوين مسؤول المحليات في حزب العمال “مسؤوليتنا أن نظهر أننا لا نغض الطرف إطلاقا عن معاداة السامية في حزب العمال. لا مكان لمعاداة السامية في حزب العمال”. وهكذا تتصاعد الحملة الإعلامية والسياسية والبرلمانية على الزعيم اليساري في المملكة المتحدة. ومنها ما يوظف “مرتزقة” من أدعياء اليسار في تكرار تلك الانتقادات والاحتجاجات والحملة الظالمة ولكن من زوايا عربية تخصهم، ومن خلالها يمكن معرفة توجهات هؤلاء ولغتهم ولمن يريدون توجيه الخطاب، وفي نصهم وضوح لا لبس فيه عن الدوافع والمحفزات له، مما يعري كتبته، لا سيما في صمت القبور عن ظواهر أصعب، أو حالات مدانة من كل صاحب ضمير إنساني، بينما هم ينتقدون ويسمنون الحملات أو يتبعون ما يطلب منهم في هذه الشؤون. وكأنهم مكلفون بالبكاء على الامبريالية في سردهم وإعلانهم. إنها قصة مريبة حقا، كيف يلتقي هؤلاء بأولئك، في نقد الزعيم العمالي وتصويب النار عليه، هو بالذات. واقع الحال وما خفي وظهر يقود إلى التفسير، ويوضح نوعية القطيع، لا سيما إذا عرف من يوجهه، المايسترو الرئيسي والقائد الموجه. وهنا لا يحتاج السؤال: لماذا هو بالذات؟!، والجميع يعلم أن مواقفه معلنة وآراءه منشورة ومثبتة وأقواله مكررة ومعلومة. لم يغير فيها ولم يتراجع عنها، ثابت في تضامنه وصامد في مواجهته للاستبداد والظلم والاحتلال. استمرارا للقضية لا يكون غريبا طبعا قلب المفاهيم، عند هؤلاء “المرتزقة” العرب وأضرابهم، فالثورة والمقاومة عندهم فقط من ترضى عنه الامبريالية الأميركية وتشجع عليه، حتى لو كان من قبيل تنظيم “داعش” أو “القاعدة” و”النصرة” أو أية مسميات أخرى تتناسل منها. وفلسطين غابت قضيتها حتى ممن يحمل جنسيتها، وأية مواقف تساند أو تدعو إلى الثورة والتغيير والنضال الوطني والاستشهاد والممانعة والصمود والتصدي ومواجهة التحديات تتعرض لنقد هؤلاء وانطلاق قرائحهم في الردح عليها، واعتبارها من قبيل “خيانة يسار يدعم “الدكتاتور” وقصف شعبه”!، بما يختارونه دون جهد لتعريفه والتفريق بينه وبين من ينعتون أعماله ومجازره وارتكاباته القانونية وضد الإنسانية بما يستهدفون ويرغبون. فلا ترى عندهم أي اعتبار او تقييم لما يجري في اي بلد آخر حليف للامبريالية. إنها صورة مخزية لتلك الأصوات والأقلام المشبوهة اسما وكتابة ورأيا واندفاعا. والواقع هو الذي يحسم الموضوع ويسجل المصداقية لأي موقف أو رأي أو فكر سياسي أو ثقافي. في النهاية أن كل ما استطاعوا الفوز به، في البكاء على الامبريالية وتسفيه الكفاح ضدها، يوصل إلى إسقاط قناعهم وهو قناع مخجل فعلا لأنه يكشف كل ما تحته من عطب وتحلل من كل التزام بحدوده الإنسانية والأخلاقية على الأقل. إنهم مراهنون على الارتباط بالمشروع التدميري للثقافة والأمة والوطن، ولا يهمهم غير مصالحهم الذاتية والأنانية التي تنتهي في التطابق مع الأعداء في أحسن الأحوال، حتى لبعض من نواياهم حسنة، إذا ما كانت كذلك صدفة. أو أنهم بتعبيراتهم اليسارية يوقعون كيساريين مزيفين، أتباع من سموا باختيارهم “المحافظين الجدد” وهي التسمية الملائمة لهم بامتياز. ويصطفون بقصد أو بالخطأ في جانب معاداة اليسار وبانتقال كامل إلى الدفاع عن العدو وممارساته وقبولها في الوقت الذي يوجهون حرابهم على غيرهم وفق ادعاءاتهم لها. ليقدموا أو يجترحوا نوعا من ابتذال معيب وارتزاق غريب