المناورات العسكرية الاسرائيلية وهواجس الهزيمة والوجود؟
نواف الزرو
في المشهد العسكري الاسرائيلي نتابع منذ سنوات بشكل عام، وفي الآونة الاخيرة على نحو خاص، ازدحاما وتعاظما فيما يسمى المناورات والتدريبات العسكرية الاسرائيلية التي تحاكي حروبا قادمة في لبنان أو في غزة الفلسطينية، بل وفي اعقاب تعاظم التقديرات الاستخبارية الاسرائيلية حول التهديدات الحقيقية الكامنة لهم في الجبهة اللبنانية والفلسطينية، أخذت القيادة العسكرية الاسرائيلية تزيد وتراكم من المناورات والتدريبات العسكرية الاستعدادية لحروب زلزالية قادمة لم ترد في حساباتهم.
ففي احدث تطورات المشهد العسكري الحربي التصعيدي الاسرائيلي في هذا السياق، كشفت صحيفة هآرتس العبرية الاحد 2018-2-4 النقاب عن “أن الجيش الإسرائيلي يستعد لإجراء أكبر مناورة عسكرية للواء المظليين بمشاركة وحدات خاصة استعدادا لسيناريوهات عسكرية للتعامل مع أحداث صعبة على خلفية التوتر الأمني على الحدود الشمالية”. وأوضحت الصحيفة “أن تلك المناورة التي تعد الأكبر والأضخم ستنفذ في منتصف العام الجاري”. مشيرةً إلى أنها “أول مناورة سيقوم بها لواء المظليين بهذا الحجم منذ عام 2012”. ومن جهة اخرى، وفي خضّم التصعيد الخطير على الجبهة الشماليّة بين إسرائيل ولبنان، أكّدت المصادر الأمنيّة الإسرائيلية أنّه سيتم إجراء تدريب عسكريّ كبير إسرائيليّ أمريكيّ يُطلق عليه اسم “خونيبر كوبرا”، والذي يُشارك فيه آلاف الجنود، وبحسب المصادر في تل أبيب، ف”إنّ التدريب سوف يبدأ خلال ايام، وسيُحاكي حربًا ضخمةً يتم خلالها مهاجمة إسرائيل بآلاف الصواريخ– من زهير أندراوس 2018-2-2”.
وكذلك كشف النقاب عن ان الجيش يدخل تحسينات على وحدة “نحال”ويتدرب على زج قوات المدفعية للقتال البري في الحروب، كما انتهى الجيش من مناورة بحرية تعتبر الأكبر منذ سنوات-الصحف العبرية-2018-02-11 -، في الوقت الذي أجرت الطواقم الطبية التابعة للواء النار المدفعي 282 مناورة عسكرية تحاكي سيناريوهات تقديم العلاج اللازم للجرحى تحت رشقات النيران في ميدان المعركة، ووفقا لموقع الجيش فإن الحديث يدور عن مناورة تعتبر الأولى من نوعها في لواء النار المدفعي 282، حيث تدرب الجنود على تقديم الإسعافات الأولية اللازمة للجرحى، علاوة على أن الهدف المركزي من المناورة يتمثل في التدرب على زج قوات المدفعية في إطار القوات المناورة المقاتلة الأخرى من المشاة والدبابات والهندسة، الأمر الذي يتدرب عليه الجيش استعدادا للمعارك المقبلة. وبحريا، ذكر موقع “واللا العبري-2018-02-11 ” بأن سلاح البحرية أجرى خلال الأسبوع الماضي مناورة بحرية تعتبر الأكبر منذ الأعوام الأخيرة، حيث شارك في المناورة كل من أسطول سفن الصواريخ وأسطول الغواصات ووحدة الكوماندوز البحري “شياتت 13”.ووفقا للموقع فإن المناورة تحاكي سيناريوهات قتالية بحرية عديدة من بينها سيناريو مواجهة أسطول بحري معاد بالإضافة إلى سيناريوهات مواجهة التهديدات البحرية من كل من تنظيمي حماس وحزب الله.
ما يعيدنا الى فتح ملفات المناورات والتدريبات العسكرية الاسرائيلية والاجندة والاهداف المبيتة وراءها، ففي الاجماع السياسي العسكري-الاستخباري الاعلامي الاسرائيلي، فان هذه المناورات العسكرية سواء تلك التي اطلق عليها”نور دغان-نسبة الى الجنرال مئير دغان-رئيس الموساد الاسبق “، والتي انطلقت تدريباتها –الاثنين-2017-9-11- على الارض الفلسطينية الشمالية المحتلة، المتاخمة للحدود اللبنانية، واستمرت عشرة ايام- وكانت الاضخم والاكبر على الاطلاق، التي يجريها الجيش الاسرائيلي، ليس منذ عشرين عاما فقط، وانما منذ نشأة ذلك الكيان، وبالاجماع الاسرائيلي، أو المناورات والتدريبات التي اجريت لاحقا، وتلك المبرمج اقامتها تباعا، فانها تأتي تتويجا لسلسلة طويلة من المناورات العسكرية المتصلة، على خلفية العبر والدروس التي استخلصها طاقم تشكل من- 29 –تسعة وعشرين جنرالا، لدراسة أسباب وعوامل الهزيمة امام حزب الله ، خلال عدوان/2006.
وهذا ليس كلاما في الاعلام أو للاستهلاك العام.
المناورات وخريطة الحروب المتدحرجة
فالواضح الموثق، انهم في ضوء كل ذلك، يربطون هناك في الكيان، ما بين هذه المناورات و التدريبات العسكرية المتواصلة المتتابعة بحساباتهم الاستراتيجية المتعلقة بخريطة الحروب والمواجهات المتدحرجة على الجبهة اللبنانية منذ نشأة تلك الدولة، وهذا ليس تنجيما اوضربا في الرمل، فالملف اللبناني- الاسرائيلي من وجهة نظر المؤسسة العسكرية الامنية السياسية الاسرائيلية لم ولن يغلق ابدا، فالذي حدث ل”اسرائيل العظمى” ول”الجيش الذي لا يقهر” في ايار/2000 ، وكذلك في تموز/2006، كاد يتسبب بانهيار شامل لذلك المجتمع الصهيوني.
ففي تلك الحرب العدوانية لم تأت حسابات الحقل على قدر حسابات البيدر في الاستراتيجية الحربية الاسرائيلية، فانقلبت الامور والاستراتيجيات والاهداف، فكان ان واجهت “اسرائيل العظمى ” اعظم اذلال عسكري في تاريخها. فهاهو ديسكين-رئيس الشاباك سابقا- يعترف: “أجهزة السلطة انهارت بشكل مطلق أثناء الحرب..” ، وشبه الاجماع العسكري والسياسي الاسرائيلي كان على: “أن الصفعة التي تلقيناها من حزب الله اضاعت قوة ردعنا”، و”ان هذه الازمة لم تشهدها اسرائيل منذ 1948 “، و”ان الحرب أعادت اسرائيل جيلا كاملا للوراء..”، واختتمها المؤرخ توم سيغف مستخلصا :” الحرب على لبنان تحتاج الى لجنة تحقيق تتألف من كبار المؤرخين “.
كما جاءت نتائج حرب تموز/2006 وبالاعترافات الاسرائيلية الغزيرة، لتقلب كل الحسابات والتقديرات العسكرية راسا على عقب…ولتتهاوى المفاهيم والنظريات الحربية بقوة مذهلة….وليتحول المشهد الاسرائيلي من حالة النشوة والثقة المطلقة بالنفس والاعتقاد الراسخ بالانتصار السريع الساحق على حزب الله ..الى حالة اليأس والاحباط والاحساس بالهزيمة الماحقة لاول مرة في تاريخ تلك الدولة، ولكن لتبقى حروب”الحساب المفتوح” بين”اسرائيل” ولبنان المقاومة والدولة قائمة ومفتوحة…!.
المناورات واستنهاض الحالة المعنوية الاسرائيلية
وما بين ذلك المشهد المشار اليه، والمشهد الراهن في سوريا ولبنان والاقليم، والذي يحقق فيه محور المقاومة انتصارات وانجازات ميدانية استراتيجية في الميدان السوري، أخذت تقلب كل الحسابات والموازين رأسا على عقب، وتحطم كل المشاريع التدميرية التفتيتية التي ارادت النيل من سوريا الدولة والوطن والجيش والشعب، ومنها على نحو خاص المشروع الصهيوني الذي راهن على تحطيم سوريا وإسقاط النظام، فقد بات واضحا تماما، ان كل هذه التدريبات البرية والجوية والبحرية التي اجرتها وتواصلها دولة الاحتلال، وفي مقدمتها سلسلة تدريبات المؤخرة او العمق التي اطلق عليها:”نقطة تحول..” على تماس مباشر بتلك الهزيمة الحارقة من جهة، وعلى تماس مباشر بالحساب المفتوح من جهته ثانية، ولكنها تؤشر من جهة ثالثة الى حالة الجبهة الداخلية الاسرائيلية التي اهتزت بعنف زلزالي في مواجهة تموز/2006، بينما هي تشير من جهة رابعة الى محاولة المؤسسة العسكرية-السياسية الاسرائيلية استنهاض الحالة المعنوية الردعية للجيش والمجتمع لديهم التي أصيبت في الصميم، في حين انها يمكن اعتبارها من جهة خامسة، مناورات استعدادية لحرب ثالثة ترجح مختلف المصادر الاسرائيلية المختلفة انها قادمة لا محالة، والمسألة بالنسبة لهم مسألة وقت وتوقيت….؟!.
ولذلك، يمكن التأكيد على ان كل هذه المناورات والتدريبات العسكرية الاسرائيلية تتواصل وتتكامل بمنتهى الجدية منذ الهزيمة عام/2006، ف”نقطة تحول” بدأت بالرقم-1- ثم تسلسلت لتصل الى الرقم-5-…فقد بدأت الاحد 2011-6-19 اضخم عملية مناورات وتدريبات عسكرية حربية صهيونية تحت اسم:”نقطة تحول-5″.
هذا ما اطلقوه عليها، للإشارة والايحاء بأن ما حصل في حرب ال/2006 لن يتكرر ، وتشكل هذه التدريبات بالنسبة لهم نقطة تحول في الاستعدادات للحرب الثالثة.
المناورات والحرب الثالثة المحتملة
الى ذلك، فهم على مستوى المؤسسة العسكرية والسياسية والاعلامية الاسرائيلية، وكذلك على مستوى الراي العام الاسرائيلي، يربطون ربطا جدليا ما بين هذه المناورات والتدريبات “المتحولة..المتسلسلة مرورا بمناورات”نبضة من القلب” التي اجريت في شباط/2012، وصولا الى هذه المناورات الاضخم والاهم بكل المعايير العسكرية الاسرائيلية حتى الآن …”، وما بين الحرب الثالثة المحتملة التي أطلق عليها بعضهم”الحرب الزلزالية”، بينما اطلق عليها البعض الآخر”الحرب المرعبة-نظرا لدخول التهديدات التدميرية و الابادية الشاملة فيها-باتت تهيمن على الخطط والقناعات والمناخات والسيكولوجيا الاسرائيلية..!.
فالاسرائيلي عموما، من الرئيس، الى رئيس الوزراء، الى الوزراء، الى كبار الجنرالات والضباط، الى الجنود في كل مكان، الى رجال الدين-الحاخامات، الى رجال الاعلام والاكاديميا، الى عصابات المستوطنين في انحاء الضفة، كلهم بالاجماع اصبحوا ينتظرون اندلاع الحرب، ويخشون نتائجها..!.
بل يبدو ان المشهد الاسرائيلي بات مثقلا بهواجس″نقاط التحول… و”النبضات…” و”نور دغان” و”خونيبر كوبرا” المقترنة بسيكولوجيا الرعب والقلق، وهواجس الوجود، من احتمالية ان ينجح حزب الله في الاجتياح والتحرير في الشمال الفلسطيني المحتل، ومن المستقبل الغامض، ومن احتمالات الانهيار الشامل..!.
2018-02-13
Nzaro22@hotmail.com