الحرب السعودية ضد الفساد: الدلالات والتداعيات علية العلاني – جامعة منوبة- تونس
تتسارع الأحداث بشكل كبير في المملكة العربية السعودية وخاصة في مجال مقاومة الفساد. وقد سبق وأن أشرنا في مقال سابق أن الإصلاحات التي أقرت في المملكة لها ما يتبعها. وها هو ولي العهد الأمير الشاب محمد بن سلمان يضرب بقوة رؤوس الفساد في المملكة، وقُدّرت الأموال التي أُهدرت نتيجة الفساد بـ 2 ترليون ريال أي ما يوازي ميزانية المملكة لثلاث سنوات، في انتظار ما سيستقر عليه الرقم الأخير. ويمكن القول أن هذه الإيقافات لم تتم فجأة بل كانت نتاج دراسة ملفات منذ فترة، مما يؤشر إلى أن هناك حاجة كبيرة ومستعجلة إلى إيقاف هذا النزيف.
مقاومة الفساد في المملكة، هل هي عملية جراحية؟
إن قرار الملك سلمان بتشكيل هيئة عليا يرأسها ولي العهد محمد بن سلمان لمقاومة الفساد يؤشر إلى أن الإرادة السياسية في معالجة هذا الملف الشائك إرادة عليا وسيذكرها التاريخ حتما، بدءا بالسماح للمرأة بقيادة السيارة مرورا بإحداث هيئة عليا لمراجعة الأحاديث النبوية وتنقيتها من كل قراءة متشددة ومتطرفة وانتهاء بفتح ملف الفساد بهذا الشكل الاستثنائي. فجُرْح الفساد أصبح غائرا، ورؤية 2030 لن تنجح إذا لم تكن بيئة الاستثمار سليمة. والملفت للنظر أن الإطاحة برؤوس كبيرة في ملف الفساد من أمراء ووزراء حاليين وسابقين ورجال أعمال وموظفين كبار بالدولة دليل على التمشّي السليم، لأن عمليات التجميل لا تحل المشكل. وأتوقع 5 نتائج من هذه الاعتقالات:
أولا: إعطاء رسالة قوية لكل من يدور في فلك الدولة أن لا أحد مستثنى من المساءلة. وما على الجميع إلا الاحتكام إلى القانون.
ثانيا: استرجاع الدولة لأموال طائلة جدا عبر الحجز وتجميد الأرصدة. وهي رسالة لكل الفاسدين مستقبلا بأن إفلاتهم من العقاب لن يكون نهائيا. وأتوقع أن الدولة، بعد استرجاعها لتلك الأموال الطائلة، ربما تجد حلولا فيما يخص العقاب الجنائي إذ يُتوقع أن يتم إبعاد هؤلاء كليا عن أي منصب سياسي وعن أي مشاركة في الصفقات مقابل تخفيف العقوبة الجزائية عنهم.
ثالثا: إعطاء رسالة قوية للمستثمرين الأجانب أن دولة القانون وانتهاج الحوكمة الرشيدة ستكون العنوان الأبرز في مجال الاستثمار بما يعود بأفضل النتائج الاقتصادية التي ستمس أوسع الشرائح في المملكة.
رابعا: أن الإفراج عن بعض الموقوفين مؤشر على التعامل مع منطق دولة القانون حيث يُعتبر المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته. وفي ذلك رسالة طمأنة للمستثمرين في الداخل والخارج بأن الشفافية في المعاملات المالية هي القاعدة لا غير.
خامسا: تهيئة المملكة للتأقلم مع الإصلاحات القادمة التي ستقطع نهائيا مع الأساليب الكلاسيكية في تنمية الثروة من خلال تعصير الإدارة ولن يتم هذا التعصير إلا بتطهير الإدارة من الفساد.
التجربة السعودية والتجربة التونسية في مقاومة الفساد: هل هي بداية لتغييرات إقليمية؟
بعد مآسي القاعدة وداعش بدأ الحكام العرب يدركون أن مقاومة الفساد لا تقل أهمية عن مكافحة الإرهاب. فما حصل في السعودية من قرارات إصلاحية على الصعيد الاقتصادي والفكري ستكون له تداعيات عربيا وإقليميا. كما أن التجربة التونسية في مقاومة الفساد لا بد أن تتواصل وتُعزز بدعم مالي وقانوني وإرادة سياسية أقوى مما نراه اليوم. إن هذا الحراك الجديد بالعالم العربي أقوى بكثير من حراك “الربيع العربي” الذي لم يكن ربيعا بالمرة. ومن أبرز ما سمعت في حوار وليّ العهد محمد بن سلمان، ما قاله ردا على أحد الأسئلة: ” ألا تخشى من رد فعل هذه الفئة المتمكنة على ما تقوم به من إصلاحات؟ فأجاب : سأطبق هذه الإصلاحات على نفسي والذي لا يرضى سيصطدم مع الشارع”.
بهذه الكلمات وضع وليّ العهد خارطة طريق واضحة ربما تتطلب مدة طويلة لاجتثاث آفة الفساد وهو ما سيكون له تأثير عميق في تجارب الإصلاح بالعالم العربي في الفترة المعاصرة.