حرب الغرب على الأمة بقفازات عربية.. عن حكومة الحرب اللبنانية نتكلم
إسماعيل القاسمي الحسني
إن أخطر ما تتعرض له الأمة في هذه المرحلة الحرجة، و التي تميّزت بالاقتتال الداخلي و التشرذم، هو أن صانع القرار من حكامها في الغالب الأعم لا يعتمد في خياراته على الخبراء و مراكز الأبحاث و الدراسات الإستراتيجية، و لا قطعا على شركاء في صناعة السياسية مثلما هو معمول به في أنظمة الحكم المعاصرة مثل البرلمانات و مجالس الشيوخ و غيرهما من مؤسسات الدولة، و إنما يرتكز على العامل “الغرائزي” فقط، كما أشار الى ذلك بتفصيل أكثر الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي في دراسة تحليلية بالغة الأهمية.
و من نتائج هذا العقل الغرائزي لدى الحاكم العربي، تلكم القناعة التي تعكس نظرة بدائية و سطحية للعالم العربي في خضم الصراع الدولي، حيث يتصوّر بأن الغرب يتعامل مع مكوناته على أنها منفصلة عن بعضها البعض، و أن لا علاقة تربطها فيما بينها، بمعنى لو سئل حاكم عربي في مغربه عن متغير في المشرق، لقطع بأن الأمر لا يؤثر فيه و لا علاقة له به، و العكس صحيح تماما؛ في حين أن العقل السياسي الغربي الذي يستهدف العالم العربي منذ لا أقل من قرنين، يتعامل معه باعتباره كلاّ يجب تجزئته و تفتيته، و شل أي حركة حياة يمكن أن تعيده الى مصاف الأمم ذات السيادة و الاستقلالية، هذا العقل الغربي يرى –خلاف العقل الغرائزي لحكامنا- أن ما يحدث في اليمن مثلا يستهدف بشكل مباشر الجزائر، و أن الإضرار بسورية رهين بعمل في المغرب.
من يقرأ لكبار منظري و الخبراء الاستراتيجيين في الغرب، و منهم على سبيل المثال لا الحصر زبيغنيو بريجنسكي، سيقف على حقيقة مفزعة لكنها واقع ماثل أمام أعيننا، خلاصتها أن القرن الواحد و العشرين سيعرف صراعات على المصالح و الهيمنة بين القوى العظمى المعروفة، غير أن هذه الصراعات لن تكون على جغرافيا أي منها، و إنما على جغرافيا الأمة “الصفر”، الأمة التي لا تملك أي قدرة على التأثير فضلا عن الدفاع عن نفسها.
غامرت الولايات المتحدة بوصفها قائدة العالم الغربي بدخول الصراع على الأرض العربية مطلع هذا القرن بأبنائها، و ذلك باحتلال العراق 2003 دون أي تغطية شرعية؛ غير أنها اكتشفت سريعا بأنه من الغباء مواصلة تنفيذ مخطط تدمير العالم العربي بدمائها هي، في عام 1990 كما أشرت في مقال سابق كنا نرى أن الأمر لن يقتصر على العراق وحده، و في المقابل كان أغلب الحكام العرب و على رأسهم العاهل السعودي يؤكدون العكس، بل و يتعهدون علنا بأن الحرب على العراق لن تتوسع لتحرق كل الساحة العربية؛ الأمر أشبه بشقة في عمارة يمكن حرقها تماما دون أن يصيب الحريق بقية الشقق. هكذا كان يسوّق و يبرر القرار الكارثي.
إعلان انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011 لم يكن صدفة في تقاطعه مع تدمير ليبيا، بقرار عربي صرف و أموال عربية، بل و آلة عسكرية كذلك شاركت في تلكم الجريمة؛ لم يكن قرار تدمير ليبيا يهدف لخدمة الأمة العربية قطعا و لا استجابة لتخطيط استراتيجي لخبراء مختصين من أبناء الأمة، و إنما كان قرارا يرتكز بشكل كلي على محرّك غرائزي صرف، عنوانه الأبرز هو الانتقام و تصفية حساب شخصي لدى الحاكم، ينضح بالأحقاد و الضغائن الفردية؛ استثمر العقل السياسي الغربي في هذه الحالة البدائية القاتلة، ليصرف طاقتها الجارفة نحو سورية ثم نحو اليمن، و ها هي اليوم تستهدف بشكل مباشر لبنان.
اللافت في تدحرج كتلة التدمير النارية هذه، أنها تُدار و تدور بعقل غربي و لمصلحته، لكن بقفّازات عربية خليجية على وجه التحديد، و اللافت كذلك أنها تعتمد في تسويق مشروعيتها على ذات المفردات و الشعارات، و من المضحك المبكي، أنها تكرر دون حياء و لا خجل، بأن الدولة العربية المستهدفة ستكون هي آخر حلقة مسلسل الخراب، بداية من العراق و ها نحن أمام لبنان، مرورا بليبيا و سورية و اليمن؛ و في كل حالة يسوّق لنا بأن التدخل في هذا البلد سينهي كل مصائب الأمة و ستنطلق بعده الى البناء و الرقي، و لن تنتهي العملية الإجرامية إلا باختلاق أزمة أخرى مع بلد عربي آخر و الحبل على الجرار.
هنا يمكننا القول بأن الحرب على لبنان قد انطلقت عمليا، و أخشى ما نخشاه أن تكون بذات الأدوات التي استهدفت سورية؛ ففي لبنان كما غيره من البلاد العربية مخزون بشري يحمل العقيدة التكفيرية و الطائفية، و يمكن تحريكه بمهماز الدولار عن بعد، و إشعال فتيل فتنته الحارقة بعود ثقاب؛ و قد ذكر ذلك الرئيس الأسبق اميل لحود ليلة البارحة.
لم يعد هناك من شك بأن سياسة التدمير الممنهج هذه التي يعتمدها الغرب بقفّازات خليجية، إنما تخدم بالدرجة الأولى كيان العدو الإسرائيلي، خاصة و قد بات يعلن هذا الأخير صراحة و جهارا دعمها و ضرورة تسويقها في المحافل الدولية، و يظهر استعداده للتعاون بشأنها؛ لا نرى و الحال هذه من مخرج للمحور المقابل إلا حتمية نقل الحرب الى قلب الكيان نفسه لقلب الطاولة على عملائه.
و لنا عودة للموضوع إن كان في العمر بقية.
فلاح جزائري.
عن رأي اليوم
