يا صاحب السمو الملكي: ما علاقة سمك السردين الجزائري بخواء الخزينة؟
اسماعيل القاسمي الحسني
بشر صاحب السمو الملكي الشعب الجزائري بخواء خزائن الدولة من الأموال، و أنه في حيرة من أمره حيال دفع أجور موظفي السلطة بعد شهر أو اثنين، نقول صاحب السمو الملكي ليس من باب السخرية و إنما من باب احترام الواقع عند التوصيف، فالرجل يتنقل بين المناصب العليا و المؤثرة في هيكل السلطة قبل وجود الرئيس (المختطف) الحالي نفسه، من الحقائب السيادية الى رئاسة الحكومة، بل لقد تقلد المنصب الأخير أربع مرات في سابقة لم يعرفها عالم السياسية و لم تسجل في تاريخه منذ فجر تكوين المجتمعات البشرية الى يوم الناس هذا؛ نعم عرفت الأنظمة حالة مسؤول لا يغادر منصبه عقدا و عقدين و ثلاثة متواصلة، لكنها لم تشهد مسؤولا تولى منصبا أربع مرات و عزل منه ثلاث مرات؛ هذا الواقع (المسخرة) الاستثنائي ما كان ليكون لولا عبقرية فخامة رئيس الجملوكية، و لولا الهوان المتأصل في المعني؛ هذا كذلك ليس من باب الاهانة و لا من قبيل السخرية، فما هو معلوم لدى رجال السياسة عرفا و سلوكا و قيمة، أن من يتم عزله من منصب يمضي نحو أحد الخيارين، إما العمل على تولي وظيفة أرفع أو أن يغادر عالم السياسة نهائيا. لكن في الجزائر حالات غريبة من هذا القبيل، منها القبول بعد الإقالة بمنصب أقل بل هناك من رؤساء الحكومة من قايض على مسؤولية دنيا، و هناك من شغل منصب وزير خارجية ثم رئيس حكومة و حين رمي رمي ورق الكلينيكس، عمل المستحيل ليشتغل سفيرا.
قرابة ربع قرن على الأقل و صاحب السمو الملكي يحتل موقعا في دائرة صنع القرار (البائس)، منها ثمانية عشر عاما بالتمام و الكمال مع جلالة رئيس الجملوكية (المختطف حاليا)؛ و اللافت في هذه المأساة الملهاة، أنه منذ عام 1999 يقوم هو و جميع الجوقة المرافقة بما فيها المعارضة التعيسة على تنفيذ “برنامج جلالة الرئيس”؛ و هنا أفتح قوسا آخر يعكس مشهدا سرياليا في عالم السياسة، تفردت به الطبقة المتحكمة في الجزائر، و هو إجماع الأحزاب السياسية معارضة و موالاة على تجسيد برنامج الرئيس، نعم حتى المعارضة الاسلماوية تحالفت مع خصومها و دخلت الحكومة من أجل ذلكم الهدف المقدس، المضحك المبكي أننا لا نعرف في مثل هذا الواقع المتعفن و المتخلف ذهنيا، ما جدوى ادعاء الأحزاب أن شرعيتها مستمدة من قبول برنامجها لدى شريحة من الناخبين؟ بل ما ضرورة وجود أحزاب إذا الهيئة التنفيذية لا هدف لها و لا برنامج غير برنامج جلالة الرئيس؟ و بالتالي ما الحاجة أصلا للانتخابات؟ و أخيرا، أليس لهذا البرنامج المقدس من آجال؟ الصين و ماليزيا و تركيا و غيرها كان معدل برامجها النهضوية لا يزيد عن خمسة عشر عاما، أين واقع ما وصل اليه البرنامج المقس بعد ثماني عشرة سنة؟
على كل حال، بشارة صاحب السمو الملكي هي خلاصة ما حققه برنامج جلالة الرئيس، إفلاس الخزينة العامة و عجز عن دفع المرتبات، و الحل هو هدر و تبديد مزيد من ثروات الوطن هي في الأصل ملك لكل الشعب الجزائري، و هذا يعني بالضرورة الأجيال القادمة؛ و إذا كانت هذه نتائج البرنامج المقدس، فإننا نضرع الى الله سبحانه ألا يصل لبيع البلد أرضا و سماء و مستقبلا، إنه هو وحده على كل شيء قدير.
لست خبيرا في الاقتصاد، و لا متخصصا في شؤونه الدقيقة، و إنما مثلي مثل أي مواطن عربي بسيط، يعمل عقله وفق القاعدة الشهيرة: بأضدادها تميّز الأشياء؛ و على هذه القاعدة التي يقرها المنطق و العلم و لا ينكرها إلا جاهل أو مكابر، أسجل أن من بين م اكتشفت في زيارتي لتونس منذ فترة وجيزة، مثلا سمك السردين يصل للمستهلك بسعر لا يتعدى 150د.ج، في حين أنه يصل للمستهلك الجزائري بسعر لا يقل عن 600د.ج، ما يعني 400%، يقابل هذا سعر الوقود الذي تستهلكه بواخر الصيد في تونس يعدل أربعة أضعاف نظيره في الجزائر، يضاف الى ذلك أن طول شواطئ تونس يقل بقليل عن طول شواطئ الجزائر؛ إذن نحن أمام قطعة جغرافية واحدة و بحر واحد و سمك من نوع واحد؛ هل يمكن لصاحب السمو الملكي أن يفسّر لنا هذا الفارق المهول في الأسعار الذي يصل 400% ؟ في حين أن المنطق و علم الحساب يفيدان بأن سعره في الجزائر من المفترض يكون أقل بالنصف منه في تونس في أسوء حال و تقدير.
و لعلني أسهل قليلا الإجابة على صاحب السمو بتذكيره أيام كان يشغل منصب وزير العدل و الأصح اللاعدل، عام 2001، يعني مع انطلاق تطبيق البرنامج المقدس، فقد جاء على لسان رئيس ديوان وزارة الصيد حينها ما خلاصته، أن سمك السردين يباع لأباطرة يتحكمون في موانئ الجزائر من قبل الصيادين بسعر 06د.ج/كلغ ليعاد بيعه و في نفس الميناء و نفس الساعة لتجار التجزئة بمبلغ 60د.ج و يصل للمستهلك بسعر يتراوح بين 120 و 150 د.ج/كلغ. هذه المافيا ليست من عامة الناس قطعا، و لا هي خارجة عن حكم السلطة يقينا، بل هي واحدة من خراطيم أخطبوطها العديدة التي تمتص بشكل إجرامي و مقنّن جيب المواطن. هذا الاخطبوط هو من أفرغ خزينة الدولة و بأدوات و طرق مشابهة.
ختاما هذا غيض من فيض بركات البرنامج المقدس لجلالته، و لا أعتقد أني مخطئ فيما تقدم ذكره، اللهم إلا إذا كان سموّه يرى مرد فارق السعر بين تونس و الجزائر، يعود لاختلاف لون عيون سمك السردين….هنا سأسكت لأن سبب خواء خزينة الشعب يكون مركبا و أعقد بشكل أخطر.