الانتخابات الفرنسية، العالم العربي والتيارات الدينية علية العلاني
هل أن ما حصل في الانتخابات الفرنسية الأخيرة يؤشر إلى اهتزاز المنظومات الديمقراطية الكلاسيكية القائمة على الأحزاب التاريخية والعريقة؟ وهل سيكون لذلك تأثير على المنطقة المتوسطية وعلى عالمنا العربي؟
وكيف سيتم تعامل فرنسا مع التيارات الدينية داخل فرنسا وخارجها بعد الفوز المرتقب لماكرون في الدور الثاني؟ بركان داخل الأحزاب التقليدية
لم يكن أحد يتصور أن تخرج الأحزاب التقليدية من سباق الدور الأول لانتخابات 23 أفريل 2017 بفرنسا. فحزب اليمين وحزب اليسار أصبحا خارج اللعبة وهو ما يحصل لأول مرة في الجمهورية الخامسة. أي أن الناخب الفرنسي سئم الوعود والتجاذبات الحزبية.
وهذا الدرس يمكن أن يمتد إلى سائر الدول المتوسطية وبعض الدول العربية. وبالتالي لن يعود نجاح الأحزاب التقليدية والتاريخية أمرا مضمونا في ظل المتغيرات الحالية، وفي ظل توفر الحد الأدنى من المنافسة النزيهة.
وهذا ما سيحصل لاحقا وبدرجات متفاوتة. وبالتالي على القيادات الحزبية البارزة الشروع في تغييرات عميقة لخطابها وممارساتها وتشبيب حقيقي لقياداتها لكسب الرأي العام.
تأثير الانتخابات الفرنسية على المنطقة المتوسطية والعالم العربي
ستكون أوروبا وخاصة المنطقة المتوسطية مُقْدمة على خارطة حزبية جديدة بعد صعود اليمين بقوة في الأشهر الأخيرة.
فما حصل في فرنسا سيكبح نسبيا جماح أقصى اليمين، لكنه سيدفع تدريجيا نحو إعادة تشكل مشهد حزبي وسطي جديد يتجاوز أطر الأحزاب التقليدية.
أما في العالم العربي فإن معركة الإصلاحات الشاملة ستبدأ بشكل أكبر، وستصبح المعركة ضد الفساد والتهميش شعارا متداولا (انظر كمثال على ذلك، التحوير الوزاري الأخير بالمملكة السعودية في أفريل 2017 والذي كان من بين أسبابه حصول حالات فساد).
ويمكن القول أيضا أن الانتخابات الفرنسية فتحت وبقوة ملف الإرهاب والتشدد الديني الذي كان حاضرا في خطاب المرشحين، لكن تبعاته ستطال بعد الانتخابات التيارات الدينية داخل فرنسا وخارجها، فماكرون معروف برفضه الكامل للإسلام السياسي وللتيارات الجهادية، ويختلف في أسلوبه في التعاطي مع هذا الملف عن الإدارة الفرنسية الحالية. الانتخابات الفرنسية والتيارات الدينية لا شك أن سياسة ماكرون الدينية ستكون مخالفة لسياسة سلفه. فقد أكد على معالجة التطرف والتشدد الديني من جذوره عندما طرح فكرة تنمية الضواحي المهمشة وتعزيز اللوجستيك الأمني، بالإضافة إلى مراقبة تمويلات وبرامج التيارات والجمعيات الدينية في فرنسا.
وستقوده هذه المقاربة حتما إلى تجفيف منابع التطرف وهي منابع فكرية ومالية. وسيكتشف أن منبع التشدد يبدأ مع تيار الإسلام السياسي الذي عجز لحد الآن عن الانتقال من أحزاب شبه دينية إلى أحزب مدنية في عالمنا العربي والإسلامي.
ويمكن القول أن التجربة التونسية في الإسلام السياسي المتمثلة في حزب حركة النهضة رغم انتهاجها منهجا تصحيحيا لكنها ما تزال بعيدة عن منظومة الأحزاب المدنية الديمقراطية، فقد فشل راشد الغنوشي في مؤتمر حزبه الأخير في ماي 2016 في ترويض قاعدته التي ما يزال 60 بالمائة منها قريبين من الفكر الراديكالي، عكس المغرب الذي تفهّم الإسلاميون فيه نسبيا تخوفات الملك والمخزن وقدموا تنازلات عجز بنكيران عن تقديمها في فترة تكليفه بتشكيل الحكومة الأولى.
إن انعكاسات الانتخابات الفرنسية ستطال كذلك التيارات الليبرالية واليسارية والقومية المدعوة إلى التخلي عن فكرة الشرعية التاريخية والايديولوجية والنضالية لأنها أفكار لم تعد تستهوي الناخب حاليا. أما الإسلاميون فهم مدعوون أكثر من غيرهم إلى تقديم نقدهم الذاتي عن المآسي التي تسببوا فيها بعد 2011، والإعلان عن رفضهم الكامل الخلط بين الدين والسياسة، وتقديم برامج مقنعة وواقعية.
إن المطلوب اليوم استبدال حكومة الوحدة الوطنية في تونس مثلا بحكومة متناغمة من حيث التوجهات الايديولوجية والاقتصادية.
أما في العالم العربي فإن التسريع بالإصلاحات العميقة وخاصة في الجانب الاجتماعي والخطاب الديني سيكون إيذانا بمرحلة جديدة تقطع مع الارهاب والتهميش والراديكالية.
وهذا ما يدفعنا إلى القول أن الانتخابات الفرنسية سيكون لها ارتدادات في الحاضر وخاصة في المستقبل.
المصدر: الصباح
نيوز بتاريخ 27/04/2017 رابط المقال
http://www.assabahnews.tn/article/14891