في مقدمة كتابه “يانيس ريتسوس.. الأعمال الكاملة ـ الجزء الأول” الصادر حديثاً عن مؤسسة أروقة في القاهرة، يؤكد الكاتب جمال حيدر: “حاولت في هذا الكتاب تقديم تجربة ريتسوس الشعرية للوصول إلى مستوى الجهد الكبير الذي قدمه، والأمل الكبير الذي ظل يرافقه في كل مفارق حياته. ودراسة ريتسوس وتقديمه، في رأيي، التكريم الأفضل لتجربته.
ولأني قد تعرفت على ريتسوس وتعلمت منه وتأثرت بشخصيته وبعلاقاته مع الأشياء والأحداث، لهذا تغدو الكتابة عنه وترجمة أشعاره أكثر صعوبة.. وأوسع عسراً
يانيس ريتسوس1909ــ 1990الشاعر اليوناني الذي يعتبر الأكثر سطوعاً والأغزر نتاجاً على صعيد الشعر اليوناني المعاصر، الشاعر الذي جمع بين كفيه لعبة الزمن وبعثرها بين المنافي والمعتقلات والسجون والمصحات التي منحت عالمه مزيداً من المعرفة، وكماً غريباً من الادراك والمناعة، صانعاً من الشعر لوحات تستمد أبعادها من أزمنة عسيرة وقاسية
قدمه ريتسوس على صعيد الشعر اليوناني لا يكمن في الريادية، وأهميته لا تكمن في التعبير عن حاجات إبداعية ملحة فحسب، وإنما في الإسهام الملحوظ لبلورة تيار ثقافي ينطوي على الإقرار في البحث عن الحقيقة بوجوه ومعان عدة، على النحو الذي يضع الشعر في سياقه التاريخي، محاولاً أن يكون مختلفاً.. متفرداً، ومدافعاً عن الاختلاف
نالت قصائد ريتسوس اقصى حدود الشهرة والنجاح، إذ غدت أشعاره أغاني ترددها حناجر العمال في المصانع والطلبة في المعاهد والجامعات وساهمت في إيقاع خطى جموع المسيرات والتظاهرات، بعد أن لحنها الموسيقار الذائع الصيت ميكيس ثيوذراكيس، باعتبارها رافداً معنوياً ضد القمع والإرهاب والسجون والجور والفاقة
رشح ريتسوس مرات عدة لجائزة نوبل للآداب بشكل رسمي ابتداءً من عام 1980، لكنه لم ينلها، بسبب انتمائه اليساري في أزمنة الاستقطاب السياسي والفكري الحاد بين القطبين، وحين نالها الشاعر التشيلي بابلو نيرودا عام 1971 قال: “أعلم تماماً ان ذلك الإغريقي ريتسوس يستحقها أكثر مني”. بالمقابل كانت حياته محطاً لجوائز عالمية ومحلية عدة
تكمن وراء بساطة عوالم ريتسوس حقيقة تتبلور في الذهن المسكون بالألم الإنساني، ما يجعلنا نتعامل مع نتاجاته الشعرية بعفوية، لكننا نظل نكتشفها قراءة إثر أخرى، وزمناً بعد آخر، إذ تنهض تلك القصائد على أرض المصادفات وتتداخل الأشياء وأطيافها وتلتقي في شبكة تثير الاضطراب والدهشة في آن.
فقصيدته مساحة مفعمة بالأشياء البسيطة التي تشف عبرها، بصورة مواربة، الدلالات والرموز المتراكمة والخافية، وتكثف التفاصيل حضورها لتحل محل الوجوه والشخصيات المجهولة والغامضة والعابرة كالأطياف
بساطة ريتسوس مخادعة، وأن أكثر قصائده تمثيلاً لعمله هي تلك التي يبدو فيها الصفاء الظاهر منسجماً مع الغموض غير المتعمد النابع أصلاً من طبيعة الواقع الذي ترسمه رؤياه الذاتية. وبهذا المعنى إنه أحد أهم رواد اعتماد اليومي والسردي والتشكيل البصري الذي تصخب به قصائده، مؤسساً عبر ذلك عالمه الخاص وتراكيب لغته المميزة وأبعاد صوره الشعرية، وهو عالم يأبى التصنيف المسبق لأن عمقه الفلسفي غالباً ما يستحوذ على مداه الأفقي
في هذا الإطار تبدو نتاجات ريتسوس سهلة وبسيطة للوهلة الأولى، فثمة تجربة جوهرية عميقة تختفي وراء بساطتها الظاهرة، كما تمثل اللعبة الشعرية التي يتقن صنعها، جانباً إبداعياً معقداً رغم سهولته الظاهرة.
قصيدة ريتسوس غالباً ما تستدرج المتلقي إلى شرك محكم. مقدمة عادية لمشهد خارجي عام تفضي بالقارىء مع كل جملة إلى التورط التدريجي غير المحسوس في لعبة تغوي بالتواصل عبر تفاصيل يومية منتقاة بدقة، لتأتي المفاجأة وتحكم قبضتها عادة في المشهد الأخير.. إذن ينبغي إعادة القراءة مرة أخرى
وراء التفاصيل التي تضج بها قصيدة ريتسوس يكمن الجوهر الشعري القادر على منح الأشياء مواصفات تحررها من تناقضاتها الخارجية وتسبغ عليها ظلالاً وأطيافاً، واليومي هو العنصر الأساس في القصيدة، لذا فان البناء يعتمد حدّاً أقصى من صرامة لانتقاء.
لا مجال لزوائد أو ثرثرة إنشائية. ثمة تقنية قصوى في إيراد الضروري لتبقى القصيدة محافظة على رهافة يومياتها ومستحضرة جزئيات الحياة
يجدر القول إن ريتسوس فنان تشكيلي يرسم بريشة فائقة الدقة مفردات تخاطب البصر مثلما تخاطب الوعي.
فالتأثيرات الإيقاعية والنغمية تأتي من خلال استحضار المشاهد الصوتية بالدرجة الأولى، مضيفاً رنيناً خاصاً على فنه الكتابي لعمق صلته بالفن البصري كلوحات مركبة الأبعاد قادرة على سرد الحكاية العالقة بخطوطها
.وحواراتها
ومنذ مجموعته الأولى جرّار 1934، واصل الشاعر طرق هذا النحو المبتكر في عوالم القصيدة غير المرئية. اعترافات تتواصل ليكتمل محيط دائرة السرد الدرامي، ساعياً إلى نتاج يطرق أبواب الحلم والخيال متحرراً من كل ما يكبله ومعززاً في الوقت ذاته جوهره الإنساني
اكتسب ريتسوس ميله للغنائية من خلال مزاوجة الرثاء مع الحماس، مستلهماً ذلك من انتماء وطني عميق، دون التوقف عند ما هو عنصري أو تفوقي، ليقدم الإجابات عن الأسئلة المحيرة والقلقة إزاء موقف الشعر ودوره في المنعطفات الشاخصة في حياة الناس، متجاوزاً ما هو شخصيّ وذاتيّ ليسجل الشهادة الأهم حول علاقة الشعر بالبشر، وعلاقة البشر بالوجود، متأملاً في تحديد قيمة الشعر في إطار الثقافة الجمعية
يؤكد حيدر في مقدمة كتابه “حاولت في هذا الكتاب تقديم تجربة ريتسوس الشعرية للوصول إلى مستوى الجهد الكبير الذي قدمه، والأمل الكبير الذي ظل يرافقه في كل مفارق حياته. ودراسة ريتسوس وتقديمه، في رأيي، التكريم الأفضل لتجربته. ولأني قد تعرفت على ريتسوس وتعلمت منه وتأثرت بشخصيته وبعلاقاته مع الأشياء والأحداث، لهذا تغدو الكتابة عنه وترجمة أشعاره أكثر صعوبة.. وأوسع عسراً. مضيفاً “ اخترت في هذا العمل أربع مجموعات، هي الأقرب إلى ذائقتي الشعرية، وتمثل، باعتقادي، انعطافات شاخصة في مسيرة ريتسوس. إذ أفصحت مجموعة “إيروتيكا” 1981 عن معرفة الشاعر بجسده وقد تجاوز العقد السابع من عمره، مقدماً اعترافه الصريح: “حين يهرم الإنسان يبدأ بإدراك أهمية جسده.. الجسد كون عظيم ليست لنا القدرة على اكتشافه إلا عندما نشيخ”. ومجموعة “متأخراً.. متأخراً جداً في منتصف الليل” بالأجزاء الأربعة التي تضمها، والتي صدرت بعد رحيله، المتخمة باحساس واضح بالكهولة، وهي بذلك تتميز عن بقية مجموعات ريتسوس الشعرية الأخرى لمفعمة بالحياة. إضافة إلى مجموعة “صفير السفن” وقصيدتها الوحيدة “الصيف الأخير” باعتبارها أخر ما كتبه ريتسوس قبل رحيله
مشدداً في الوقت ذاته أن “العمل برمته يمثل خطوة أولى في مسيرة طويلة. إنه مشروع العمر الذي أعود إليه في مساحات الزمن الممكنة، وترجمة الكم الأوفر من نتاجات ريتسوس، لتصدر الأعمال الشعرية بأجزاء متعاقبة، وهذا ما يمكن تقديمه للقارىء العربي غير المتجذر الذي لم يعرف شاعراً بقامة ريتسوس، أو ذلك الذي يسعى لتعزيز معرفته بأشعاره. وسيكون الجزء الثاني من أعماله الشعرية بالاشتراك مع الصديق الشاعر عبدالكريم كاصد