حين يتحول الإختلاف إلى إتهام .. دكتور كاظم ، الفن ليس جريمة!
بقلم : حسن درباش العامري*
عجيبٌ أمر بعض المثقفين حين يختلفون مع رأيٍ لا ينسجم مع قناعاتهم، فيتركون جوهر النقاش ويتجهون إلى التقليل من شأن صاحبه، وكأن الثقافة شهادة تمنح صاحبها حق مصادرة آراء الآخرين، أو أن الإختلاف في الرأي يستوجب التشكيك في ثقافة الإنسان ومكانته!
الدكتور كاظم المقدادي، مع كامل الإحترام لشخصهِ وحقه في إبداء رأيه، ما هكذا تُناقش الأفكار، ولا هكذا يكون ..
ألم تكن آلاء حسين فنانة عراقية متألقة قبل هذه الضجة؟ ألم تكتسب محبتها ومكانتها من خلال أعمالها الفنية التي قدمتها للجمهور؟
وما الذي تغيّر حتى تصبح ثقافتها موضع تشكيك لمجرد أنها عبّرت عن رأيها في قضية شائكة؟
علماً بأن الفنانة آلاء حسين تحمل شهادة الماجستير في تخصصها !
إن ما جرى، بحسب ما طُرح، بدأ بتكريم فنانة تقديراً لما قدمته، ثم أعقبه لقاء تلفزيوني وُجّهت إليها خلاله أسئلة، فأجابت عنها وفق فهمها وقناعاتها.
فأين إفتعال الأزمة هنا؟ وهل أصبح قبول التكريم أو إجراء لقاء تلفزيوني تهمة تستوجب كل هذا الهجوم؟ أم أن المشكلة تكمن في أن إجاباتها لم تتفق مع ما يريده البعض سماعه؟
أما إستحضار تضحيات الجيش العراقي وجها.ز مكا.فحة الإر.ها.ب والح.شد الش.عبي والشر.طة الإ.تحادية، وهي تضحيات لا ينكرها عراقي منصف، ووضعها في مواجهة رأي فنانة بشأن العلاقة بين العقيدة والوطن، فيحتاج إلى توضيح منطقي: ما العلاقة المباشرة بين تكريم فنانة وبين التقليل من تضحيات هؤلاء الأبطال؟ وهل قالت الفنانة ما يبرر إقحام هذه المؤسسات الوطنية في سجالها، أم أن الحديث عن التضحيات أُدخل في النقاش لتضخيم الخلاف وإضفاء طابع التخوين المعنوي عليه؟
إن شهد.اء العراق، بمختلف مؤسساتهم وتضحياتهم، يستحقون الوفاء والإعتزاز، لكن الوفاء لهم لا يكون بتحويل كل إختلاف فكري إلى معركة ولاءات، ولا بجعل أسماء الشهد.اء وسيلة للضغط على الآخرين أو إسكاتهم. فالوطن أكبر من سجال تلفزيوني، وتضحيات أبنائه أسمى من أن تُستحضر إنتقائياً في كل خلاف.
وأخشى أن تكون الحماسة للعقيدة، حين لا تضبطها سعة الصدر وإحترام الإختلاف، قد دفعت النقاش إلى منطقة لم يعد فيها الهدف فهم الفكرة، بل محاكمة صاحبها. وإذا كانت العقيدة تدعو إلى قيم أخلاقية وإنسانية، فإن أولى تجلياتها أن نتعامل مع المختلفين عنا بالإنصاف، لا أن ننتقص من ثقافتهم أو نحاصرهم بإتهامات لا يثبتها مجرد إختلاف الرأي.
الفنانة آلاء حسين ليست فوق النقد، والدكتور كاظم المقدادي ليس فوق النقد أيضاً. لكن النقد شيء، والتقليل من شأن الآخرين شيء آخر. ومن حق المقدادي أن يعترض على رأيها، كما أن من حقها أن تعبّر عن رأيها، ومن حق الجمهور أن يناقش الطرفين دون أن يتحول الخلاف إلى محاكمة للنوايا أو تصنيف للناس بحسب مهنهم وإنتماءاتهم.
إننا بحاجة إلى ثقافة تجمع العراقيين، لا إلى سجالات تضعهم في خنادق متقابلة. وبحاجة إلى مثقف يوسّع مساحة الحوار، لا أن يضيّقها، وإلى خطاب وطني يحترم تضحيات الشهداء، لكنهُ لا يجعل منها سلاحاً في وجه كل رأي مخالف.
وأخيراً، أقول للدكتور كاظم المقدادي: لا تحاكموا الفنانة لأنها تحدثت، بل ناقشوا ما قالت. فالفكرة لا تُهزم بالتجريح، والوطن لا يُحمى بمصادرة الآراء، والعقيدة التي تستحق الإحترام لا تحتاج إلى إهانة المختلف كي تثبت قوتها.
كاتب وناقد سياسي
2026-10-31