مَن يتحكم بمضيق هرمز الآن؟
اضحوي جفال محمد*
يقول الإيرانيون ان المضيق مغلق ولن يفتح إلا بشروطهم. ويقول ترامب ان المضيق مؤمّن بواسطة البحرية الأمريكية وان عبور النفط يعود إلى معدلاته قبل الحرب. فأيهما نصدّق؟.
المؤكد ان هناك ناقلات نفط تعبر المضيق ليلاً على شكل قوافل مطفأة أنظمة التعريف الآلي، معظمها سفن صغيرة غير مؤمّن عليها، تعيد تفريغ الحمولة بعد اجتياز المضيق في ناقلات كبيرة. ونسمع بين فترة وأخرى عن استهداف سفينة بواسطة مقذوف إيراني. والسؤال الذي يطرح نفسه: الا تستطيع ايران زيادة عدد الاستهدافات بدرجة تعرقل الملاحة؟ فالذي يصيب سفينة كل اسبوع تقريباً يستطيع ان يرفع العدد إلى اصابة كل يوم!. هنا نكون أمام لغز يحتاج من المراقب أن يفك رموزه…
قبل الخوض في الجوهر لا بد من تثبيت بعض الحقائق بالأرقام لأنها الاساس الذي يرتكز عليه البحث: قبل الحرب كانت ناقلة النفط العملاقة تتقاضى أجور نقل بمعدل 33 الف دولار عن كل يوم من ايام الرحلة، وهذا يشكل قرابة الدولارين على كل برميل عن مجمل العملية. فارتفع بعد الحرب إلى مليون و300 الف دولار عن كل يوم بما يصل إلى 40 مليون دولار عن الرحلة. لقد ارتفع إلى 43 ضعفاً، فأصبحت اجرة نقل البرميل الواحد 33 دولاراً ( %27 من سعر الحمولة). وهذا يقارب معدل الزيادة التي طرأت على اسعار النفط بسبب الحرب. وكانت معدلات التأمين قبل الحرب (لا نتحدث هنا عن التأمين الأساسي على السفينة وانما التأمين الاضافي لمخاطر الحرب) نحو %0.25 من قيمة السفينة فارتفع بعد الحرب إلى ما يقارب الـ %10 من قيمة هيكل السفينة بما يساوي 40 ضعفاً. والاهم ان هذي ليست بالضرورة تكلفة سنوية، فتأمين مخاطر الحرب في المنطقة يُسعر لفترة الرحلة فقط، ويعاد تقييمه بسرعة، لذلك يمكن ان تكون فاتورة ناقلة واحدة بملايين الدولارات لمجرد عبور منطقة الخطر. ومع ذلك كله تكبدت شركات التأمين خسائر بأكثر من ملياري دولار. يضاف إلى ذلك اجور الطواقم العاملة في السفن، والتي تضخمت ايضاً بنفس المعدلات.
في ظل هذا الواقع وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة لايجاد حل يسمح بتدفق النفط. وبعد انتكاس الحل الدبلوماسي من خلال مذكرة التفاهم لجأت إلى الحل العسكري بتأمين عبور السفن تحت الحماية الأمريكية شديدة التعقيد والكلفة التي بلغت 15 مليون دولار عن كل ليلة عبور. ومع ذلك تستطيع ايران اطلاق مسيّرات على كل قافلة، فيتصدى الأمريكان لبعضها ويصيب بعضها الاخر سفناََ.. وترد امريكا بقصف اهداف ايرانية، وترد ايران على الرد، وهذا كله مفهوم. لكن أمراََ آخر طرأ على المعادلة أوجد فجوة ملحوظة بين تهديدات ايران وما تنفذه فعلاً من استهدافات، وهو ما سنوضحه كما يلي:
من تقاليد الوساطة في مجتمعنا أن يقول طالب الواسطة لصاحب الشأن ان اعتمادي كله عليك واني لا انخى أحداً غيرك.. هذا المعلن أما في الخفاء فإنه يطرق كل الابواب التي يعتقد أن في طرقها فائدة، ويدفع رشاوى للبعض كي يضمن تمشية الأمر. وحتى لو علم الواسطة الرئيسي بتلك الأمور الجانبية فإنه لا يلتفت اليها طالما أن الإنجاز في النهاية يُحسب له دون غيره، بل ربما يكون سعيداً ببعض تلك الاجراءات لأنها تُسهل عليه انجاز المهمة والمفاخرة بها منفرداً. هذا بالضبط ما يجري في هرمز. فشركات نقل النفط تخوض كل هذه المخاطرات تحت الحماية الأمريكية، ولا بأس أن يتبجح ترامب بـ (هيمنته) على المضيق، لكنهم يعلمون جيداً بعدم قدرة الأسطول الأمريكي على حماية كل سفينة، وتحوطاََ لذلك طرقوا الابواب الأخرى في الخفاء، وأولها الباب الإيراني المستعد للتغاضي عن السفن التي تدفع له المال. وهكذا أُوجد حبل سري يضمن عدم استهداف القوافل العابرة برعاية ترامب.
العملية تشبه ما يُعرف بـ (الفتوح) في قاموس المهربين. فالمهرب الذي يدفع لحرس الحدود مقابل السماح له بعبور بضاعته ليلاً لا يستطيع احتكار الطريق.. وهناك مَن يسترق السمع ليعرف نقطة العبور والتوقيت ويحشر نفسه مع العابرين دون ان يكون قد ساهم في الدفع. الذي يجري الان ان الشركات المتفقة مع ايران لا تستطيع منع آخرين لم يدفعوا، فالقافلة تتحرك بإشراف الأمريكان وهي مفتوحة للجميع. الا أن تتاح الفرصة للإيرانيين في التعرف على سفينة منفردة لم تدفع لاعتقادها ان هذا الامان كله مصدره ترامب، فيقنصونها.
هذا الحال كله مؤقت، ومحكوم بالقرار السياسي عند طرَفي الصراع. والطرفان محكومان بتوقيت الانتخابات النصفية عند الأمريكان التي يفصلنا عنها ثلاثة اسابيع فقط. والوضع الحالي لا يعود مناسباً للطرفين عشية الانتخابات. فالاسعار الحالية للوقود تهدد الحزب الجمهوري بالفشل، ويسعى ترامب جاهداً لصيغة اتفاق مع ايران تهبط بالأسعار قبل الانتخابات، الا أن ايران تتعامل مع النقطة ذاتها بشكل معاكس، وستعمل على توتير الوضع أكثر إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يخدمها، والعد التنازلي بدأ. فإما اتفاق ولو جزئي يجتاز به ترامب الانتخابات او تصعيد ايراني باستهداف السفن، والوقت يضيق بسرعة أمام المناورات السياسية. وبعد الانتخابات نصبح أمام حسابات جديدة.
( اضحوي _ 2458 )
2026-10-10