رئاسيات البرازيل: استقطاب عميق يستدعي جولة إعادة
تقدّم المرشح اليميني فلافيو بولسونارو على الرئيس الحالي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا بفارق ضئيل في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية البرازيلية، ليتأجل الحسم إلى جولة إعادة في 25 أكتوبر/تشرين أول الجاري
سعيد محمد*
مع فرز ما يقارب 99.4% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية البرازيلية، حصد فلافيو بولسونارو، ابن الرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو المسجون بتهمة التخطيط لانقلاب، نسبة 47.2% من الأصوات الصحيحة، مقابل 45% للرئيس الحالي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، وهو فارق ضئيل يعكس انقساماً يتكرّس في أكبر ديمقراطيّات أمريكا الجنوبية. وتُعد هذه النتيجة مفاجئة بمقاييس استطلاعات الرأي التي سبقت التصويت ومنحت لولا تقدماً مريحاً في الجولة الأولى ب45% على الأقل مقابل 42% لفلافيو.
وتجاوز بولسونارو الابن التوقعات بفضل أداء قوي في المناطق الجنوبية والوسطى الغربية، حيث تحظى عائلته السياسية بقاعدة دعم راسخة، بينما حافظ لولا على تفوقه في الشمال الشرقي، معقله التقليدي. وتشير النتائج إلى أن نسبة المشاركة بلغت مستويات مرتفعة، مع بقاء نحو 29 مليون ناخب خارج دائرة الاقتراع، وهي فئة ستسعى حملة الرئيس الحالي إلى استقطابها في الجولة الثانية.
وعكست نتيجة هذه الجولة انقساماً عميقاً في المجتمع البرازيلي، حيث يتنافس على السلطة مشروعان سياسيان متباعدان: الأول يمثله لولا وحزبه العمالي(PT)، الذي يركز على البرامج الاجتماعية وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية وتعزيز السيادة الوطنية، والثاني يقوده بولسونارو الابن وحزبه الليبرالي (PL)، الذي يطرح أجندة أمنية متشددة وتخفيضاً للإنفاق العام وعلاقات أوثق مع الولايات المتحدة.
ويعمّق هذا الاستقطاب إرث عائلة بولسونارو، حيث يقضي الرئيس السابق جايير بولسونارو عقوبة بالسجن لمدة 27 عاماً بتهمة التخطيط لانقلاب بعد خسارته انتخابات 2022، وهو حالياً رهن الإقامة الجبرية لأسباب صحية. وفلافيو، البالغ من العمر 45 عاماً، الابن الأكبر بين أربعة أبناء، وقد بدأ مسيرته السياسية نائباً في برلمان ولاية ريو دي جانيرو في سن 21، ثم انتخب عضواً في مجلس الشيوخ عام 2018 عن نفس الولاية.
وأعرب بولسونارو عن ارتياحه لنتيجة الجولة الأولى، واصفاً الأصوات التي نالها بأنها “تصويت بالثقة”، وقال: “أنا سعيد للغاية بهذه الثقة. هذا ما يقارب أصوات 56 مليون برازيلي. يسعدني أن أرى أن البرازيل تريد التغيير”. ويقدّم فلافيو نفسه كنسخة “أكثر اعتدالاً” من والده، مع تأكيده المستمر على أن جايير بولسونارو سيبقى “بوصلتي ونقطة مرجعيتي”.
وقد حققت سلالة بولسونارو مكاسب كبيرة في الانتخابات التشريعية التي جرت بالتزامن مع الجولة الأولى، إذ فازت ميشيل بولسونارو، زوجة الرئيس السابق، بمقعد في مجلس الشيوخ عن العاصمة برازيليا، كما فاز كارلوس بولسونارو، الابن الثاني، بمقعد في ولاية سانتا كاتارينا، ليعزز الحزب الليبرالي موقعه كأكبر قوة في مجلس الشيوخ بـ28 مقعداً من أصل 81. ويعني هذا التوزيع أن أي رئيس قادم، سواء كان لولا أو فلافيو، سيواجه برلماناً يميل بقوة نحو اليمين.
في المقابل، وصف لولا نتيجته بأنها “مفاجئة”، معترفاً بأنه كان مقتنعاً بحسم السباق من الجولة الأولى، لكنه أبدى ثقته بقدرته على الفوز في جولة الإعادة قائلاً: “المباراة بدأت للتو. نحن في الوقت الإضافي، وهناك سنقنع الشعب البرازيلي”. ودعا الرئيس البالغ من العمر 80 عاماً، والساعي إلى ولاية رابعة غير متتالية، إلى ضرورة مشاركة الممتنعين عن التصويت، مشيراً إلى أن “الوقت قد حان لإظهار الصورة الحقيقية للبرازيل”.
وثمة تفسير طبقي وعرقي واضح لهذا الانقسام الحاد بين البرازيليين. إذ تشير بيانات استطلاعات الرأي عشية الجولة الأولى إلى أن بولسونارو الابن يتقدم بين الناخبين البيض بنسبة 53% مقابل 40% للرئيس لولا، بينما يتقدم الأخير بين الناخبين السود بنسبة 59% مقابل 33%. ويتقاطع البعد العرقي مع البعد الطبقي بشكل وثيق، إذ يحظى لولا بدعم 58% من الناخبين الذين يكسبون رواتب أقل، مقابل 34% لفلافيو، بينما ينقلب هذا الاتجاه لصالح فلافيو بين من يكسبون رواتب أعلى، حيث يتقدم بنسبة 55% مقابل 40%. ويظهر التقسيم التعليمي صورة مطابقة: يتقدم لولا بين الحاصلين على التعليم الابتدائي فقط بنسبة 60% مقابل 33%، بينما يتقدم فلافيو بين الحاصلين على التعليم العالي بنسبة 52% مقابل 41%. ويتصل هذا التقسيم الطبقي بالبعد الجغرافي اتصالاً مباشراً، إذ يتركز الناخبون ذوو الدخل المنخفض والتعليم المحدود في الشمال الشرقي، حيث حقق لولا نسبة 62% مقابل 31% لفلافيو، بينما يتركز الناخبون الأكثر ثراءً وتعليماً في الجنوب والجنوب الشرقي، حيث يتقدم فلافيو بنسب تصل إلى 59% في الجنوب.
ويضيف البعد الديني مستوى آخر من الاستقطاب، إذ يحظى لولا بتأييد 55% من الناخبين الكاثوليك مقابل 38% لفلافيو، بينما يتقدم فلافيو بين الإنجيليين بنسبة 62% مقابل 32%. ويرتبط الانتشار الإنجيلي تاريخياً بالطبقات الوسطى الصاعدة في المناطق الحضرية والضواحي، ما يعزز التحالف بين التيار المحافظ دينياً والتوجه الليبرالي اقتصادياً. ويشير تقاطع هذه البيانات إلى أن الانقسام الانتخابي في البرازيل يتجاوز اختلاف البرامج السياسية، ليعبّر عن بنية اجتماعية وعرقية مركبة تعيد إنتاج نفسها منذ انتخابات 2018 على الأقل.
تالياً، تتوقع استطلاعات الرأي أن السباق في جولة الإعادة سيكون متقارباً للغاية، إذ أظهر أحدها تقدم لولا بنسبة 47% مقابل 46% لفلافيو، فيما اقتربت نتيجة استطلاع آخر من نقطة التعادل بنسبة 50.1% للرئيس لولا مقابل 49.9% لفلافيو.
وتمثل هذه الانتخابات اختباراً حاسماً أخيراً لمسار “المد الوردي” في أمريكا الجنوبية، حيث شهدت المنطقة في السنوات الأخيرة موجة من الانتصارات اليمينية في الأرجنتين، وكولومبيا، وتشيلي، وبيرو، وبوليفيا. وفي حال فوز بولسونارو الابن، فستتحول البرازيل من آخر معاقل اليسار الكبرى في القارة إلى جزء من هذا التحول اليميني، بينما سيبقى الأوروغواي، الجار الصغير إلى الجنوب، الدولة الوحيدة ذات الحكومة اليسارية في مجمل القارة.
وقد وضعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ثقلها خلف هذا التحول، إذ استخدمت الرسوم الجمركية والعقوبات وسيلة للضغط على البرازيل، حيث فرضت رسوماً بنسبة 50% على المنتجات البرازيلية في يوليو/تموز من العام الماضي، بدعوى معاقبة برازيليا العاصمة على محاكمة الرئيس السابق بولسونارو. وحوّل لولا هذه الضغوط إلى قضية سيادية، فشهدت شعبيته ارتفاعاً مع تصعيده الخطابي ضد “التدخل” الأمريكي، وكان أكدّ في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن “البرازيل ليست حديقة خلفية لأحد”.
ومع ذلك، يبقى المشهد غامضاً في ظل سلسلة من الفضائح التي تهز المشهد السياسي في برازيليا العاصمة، أبرزها فضيحة الفساد المتعلقة بالقاضي ألكسندر دي مورايس، عضو المحكمة العليا، وعلاقته بالمصرفي دانيال فوركارو المتهم في قضية احتيال بمليارات الدولارات. وقد أثرت هذه الفضيحة على ثقة الناخبين في المؤسسات القضائية، وتضيف طبقة من التعقيد إلى سباق متقارب أصلاً.
وبانتظار جولة الإعادة في 25 أكتوبر الجاري، ستشهد البرازيل ثلاثة أسابيع من حملات انتخابية صاخبة، حيث يسعى لولا إلى استعادة المبادرة واستمالة الناخبين الممتنعين، بينما يحاول فلافيو الحفاظ على زخمه وتوسيع قاعدته الانتخابية. وتظل النتيجة النهائية مرهونة بقدرة أي من المرشحين على تجاوز حدود قاعدته التقليدية واستدعاء مزيد من البرازيليين الذين امتنعوا عن المشاركة في الجولة الأولى إلى صناديق الاقتراع.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
- لندن
2026-10-06