القسوة والغضب!
مهدى مصطفى
بلغت قسوة الولايات المتحدة الأمريكية، حدا غير مسبوق فى تاريخ الإمبراطوريات، فأمريكا لا تغزو وتحتل ثم تكتفى، لكنها تحاصر شعوبا وأمما، وتفرض عليها الموت الاقتصادى البطىء، وتعاقب بنوكا ومؤسسات وأفرادا، وتجعل من عملتها، الدولار، سيفا باترا لرقاب البلاد والعباد.
هذا يذكرنى بما ورد فى كتاب «القاتل الاقتصادى» للكاتب الأمريكى جون بركنز، الذى صدر عام 2004، بعد غزو العراق، وكشف فيه كل حروب أمريكا الاقتصادية، التى حولت أمما وشعوبا إلى أثر بعد عين، كما يقال فى الأمثال.
فى مدينتها الأثيرة – نيويورك – تعقد الدورة العامة للأمم المتحدة الـ 81 سبتمبر2026، ولأنها دولة المقر، فكان عليها أن تسمح لجميع الوفود بالدخول إلى مقر المنظمة الدولية طبقا لاتفاق المقر لعام 1947، لكنها لم تسمح لممثل فلسطين بالوصول إلى مقر المنظمة الدولية، بذريعة أنه حول القضية الفلسطينية إلى «دولية»، وأنه يشكو جماعتها المحتلة فى المحاكم «الدولية»، يا لها من نكتة سوداء، ألم تحصل جماعة المستوطنين على قرار «دولى» بالوجود والاعتراف؟
غير أن أعضاء الجمعية العمومية صوتوا لصالح فلسطين، بـ 152 دولة تعترف بأحقية فلسطين فى أن تقرأ خطابها المستحق، فيما اعترضت أمريكا نفسها، وكيانها، ودولة باراجواى، وامتنعت أربع دول صغيرة، فى موقف جماعى يعبر عن لحظة مفارقة، كيف لدولة مهما كبرت وعظمت أن تجد نفسها معزولة داخل عصرها وتاريخها، ثم تنجح فى قيادة عالم لا يرغب فى قيادتها؟ هذا أمر مستحيل.
إنها تكسب بالقوة، والنفوذ، والقسوة، لكنها تواجه الغضب المتصاعد فى كل مكان.
غرور القوة جعل جزيرة جرينلاند الدانماركية تخضع إلى رغبة الاستحواذ، تماما كما فعلت فى فنزويلا، أما فى فلسطين، فالأمر أصعب من جزيرة تخضع أو دولة تستكين، فإن العالم لن يمر هكذا، والأمم المتحدة، إذا استمرت كمنظمة دولية، وأنا أشك فى هذا، يمكن أن تنقل “المقر” إلى أى دولة تتعهد باحترام الاتفاقات والقواعد الدولية، ويمكن أن تتلاشى وتنتهى مثل عصبة الأمم السابقة عليها فى سياق عسكرى شامل.
فى اعتقادى، أن أنطونيو جوتيريش، هو آخر أمين عام للأمم المتحدة، أو الأمين العام قبل الأخير، فمن سيخلفه أو من ستخلفه فى هذا المنصب الدولى، لن تستطيع أن تكتفى بالقلق، أو التكيف، أو الصمت.
العالم يتغير بأسرع من الذين احتكروا الأمم المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فلا يمكن أن يستمر نظام حق النقض «الفيتو» لصالح خمس دول، ولا يمكن أن نتجاهل التغيير البنيوى العميق فى دول جنوب العالم، أيعقل أن يكون الحلف الغربى ممثلا بثلاث دول وحدها لها حق نقض الفيتو، وقارات كاملة محرومة من هذا الحق؟
حذر أنطونيو جوتيريش «اليسارى السابق» فى حوار صحفى شامل من إدارة مرحلة التغيير هذه، وخشى من اندلاع حرب لا تبقى ولا تذر، كما يقال، واستدعى من مخزون الذاكرة الملابسات العبثية عشية الحرب العالمية الثانية، بأن أوروبا لم تستطع إدارة الأوضاع فوقعت الحرب، وقد كتبت سابقا عن أننا نعيش حربا ما بعد عالمية بإيقاع مختلف، وإن كانت لم تشتد بعد.
ثمة دول وظيفية صغيرة، ومصطنعة فى سياق دولى معين، ترى فى الحرب مثالا فريدا لوجودها الموهوم، وفرصة للتوسع والانقضاض فى عالم يتسم بالسيولة وغياب القواعد والمعايير، ويتخلى عن الحقوق لصالح الإغارة والاندفاع والغزو، وتراهن، هذه القوة الصغيرة، على استمرار هذا الوضع، وترى فى «السلام» والهدوء والاستقرار خطرا على رهانها المؤلم، لذا لا تتوقف عن التمسح بالخرافة، هى وأتباعها الذين يعيشون بيننا يمرحون كلما وقعت مجزرة أو إبادة!
إن القسوة ستأتى بالغضب، فلم تعد الدول الكبرى كبرى، كما فى الخيال السياسى التقليدى، والأفضل أن تعترف «هذه الدول» بهزيمة فكرة الإغارة والضم والغزو، فقد تم إنهاكها فى معارك صغرى، وتعتقد أنه بالحرب وحدها تحيا وتختطف العالم، بينما التغيير يجرى دون أن تشعر به، فالغضب مكتوم، لكنه يتصاعد، وقد ينفجر فى لحظة لا ينفع فيها الندم أو القسوة.
2026-09-24