حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين في جبال كردستان!
من الانطلاق إلى نهاية الحركة: الأسباب، المسار، التضحيات، النتائج، الأهمية التاريخية والدروس المستخلصة
بقلم: الأستاذ الدكتور وليد الحيالي
دراسة تاريخية تحليلية
مقدمة:
تمثل تجربة الأنصار الشيوعيين العراقيين في جبال كردستان واحدة من أكثر مراحل تاريخ الحركة الوطنية العراقية في النصف الثاني من القرن العشرين تعقيداً وكلفةً إنسانية وسياسية. فهي لم تكن مجرد انتقال جماعة سياسية من العمل المدني والسري إلى حمل السلاح، بل كانت استجابة لأزمة سياسية عميقة أعقبت انهيار التحالف بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث، واتساع حملات الاعتقال والملاحقة والإعدام، ثم تشابكت لاحقاً مع الحرب العراقية–الإيرانية، والصراع الكردي مع الحكومة المركزية، والتنافس المسلح بين القوى الكردستانية نفسها، وصولاً إلى حملات الأنفال سنة 1988.
ولهذا يصعب فهم الحركة الأنصارية بمعزل عن ثلاثة مستويات مترابطة: تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وعلاقته بسلطة البعث؛ القضية الكردية ومسار المعارضة المسلحة في كردستان؛ ثم البيئة الإقليمية التي صنعتها الحرب العراقية–الإيرانية. وتكتسب التجربة أهميتها أيضاً لأنها جمعت في الجبل عراقيين من قوميات وأديان ومناطق اجتماعية مختلفة، وخلقت إلى جانب النشاط العسكري منظومة إعلامية وثقافية وطبية وتنظيمية استمرت قرابة عقد.
ومن الضروري منذ البداية الإشارة إلى مشكلة منهجية: تواريخ بداية الحركة ونهايتها، وكذلك أعداد ضحاياها، لا تتطابق تماماً في جميع المصادر. لذلك ينبغي التمييز بين الوقائع التي يمكن تثبيتها بدرجة عالية، وبين الأرقام والروايات التي تبقى تقديرية أو موضع خلاف. وهذا المنهج هو الأقدر على إنصاف التجربة بعيداً عن التمجيد الحزبي أو الإدانة السياسية المسبقة.
من الجبهة مع البعث إلى المعارضة
دخل الحزب الشيوعي العراقي خلال السبعينيات في الجبهة الوطنية والقومية التقدمية مع حزب البعث الحاكم. لكن العلاقة بين الطرفين لم تكن مستقرة، وازدادت توتراً خلال النصف الثاني من العقد. وتظهر المصادر التاريخية أن الاعتقالات والضغوط على الكوادر الشيوعية اتسعت في 1978، وأن إعدام عدد من الشيوعيين العاملين في المؤسسة العسكرية مثّل علامة فارقة في انتقال الحزب التدريجي من الشراكة إلى المعارضة.
كان لذلك أثر مباشر في حياة الآلاف من الأعضاء والمؤيدين. وجد كثير من الكوادر أنفسهم أمام خيارات محدودة: الاعتقال، أو الهجرة خارج العراق، أو الاختفاء داخل المدن، أو التوجه إلى المناطق الجبلية التي كانت أجزاء منها خارج السيطرة الحكومية المباشرة أو تحت نفوذ قوى البيشمركة.
ومن هنا لم تولد حركة الأنصار، في بدايتها، بقرار عسكري متكامل صادر في يوم واحد، بل نشأت على شكل مبادرات دفاعية ومتفرقة. وتشير الروايات الأنصارية إلى ظهور مجموعات أولى في أواخر 1978، ثم إلى تشكل مفارز منظمة خلال 1979. وتضع بعض الشهادات مسيرة أول مفرزة منظمة، قوامها نحو خمسة وعشرين نصيراً، في 21 آذار 1979 من منطقة أربيل باتجاه كويسنجق. لذلك فإن اعتبار 1979 سنة الانطلاق المنظم هو الأقرب، مع بقاء الجذور العملية للحركة ممتدة إلى النصف الثاني من 1978.
لماذا اختيرت جبال كردستان؟
لم يكن اختيار كردستان أمراً عرضياً. فقد وفرت الجغرافيا الجبلية إمكانية للحركة والاختفاء وإقامة القواعد، في وقت كانت أجهزة الدولة قادرة على مراقبة التنظيمات السياسية في بغداد والبصرة والموصل ومدن الوسط والجنوب بدرجة أكبر بكثير. كما كانت كردستان تضم قوى مسلحة كردية معارضة للحكومة المركزية، وكان للحزب الشيوعي حضور قديم بين شرائح من السكان الأكراد.
لكن اللجوء إلى الجبل لم يكن عسكرياً فقط. فقد أصبح الجبل أيضاً قاعدة لحفظ الكادر وإعادة الاتصال بتنظيمات الداخل، ومركزاً للإعلام والطباعة والاتصالات. وقد أتاحت مناطق الأنصار انتقال جانب من قيادة الحزب إلى كردستان، وساعدت على إسناد بعض التنظيمات السرية داخل البلاد.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في التجربة: الجبل أنقذ جزءاً مهماً من التنظيم من ضربة أمنية شاملة، لكنه في الوقت نفسه أبعد قسماً كبيراً من الكادر عن المدن التي كان الحزب بحاجة إلى إعادة بناء نفوذه فيها. ومع مرور الوقت أصبح التوازن بين الجبل والمدينة إحدى المعضلات الاستراتيجية التي ستظهر نتائجها لاحقاً.
من مجموعات صغيرة إلى ثلاثة قواطع أنصارية
شهدت الأعوام 1980–1982 نمواً سريعاً للحركة. فقد تزامن ذلك مع اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية في أيلول 1980، واضطرار الجيش العراقي إلى نقل جزء كبير من قواته إلى الجبهة الإيرانية. وأتاح ذلك لقوى البيشمركة، ومنها الأنصار الشيوعيون، توسيع نطاق الحركة في أجزاء من الريف الكردستاني.
انتشرت مفارز الأنصار في مناطق بهدينان وأربيل والسليمانية وكركوك وكرميان وغيرها. وبحلول سنة 1982 كانت الحركة قد نظمت ثلاثة قواطع عسكرية رئيسية، وطورت خبراتها وتسلحها، وضمّت ضباطاً وعسكريين سابقين إلى جانب الطلبة والعمال والأطباء والمهندسين والمثقفين.
ولم يكن نموذج النصير الشيوعي مطابقاً دائماً للصورة التقليدية لمقاتل الريف؛ إذ جاء عدد كبير من الأنصار من المدن والجامعات والمهن المدنية. وكانت تلك نقطة قوة من ناحية التنوع الثقافي والتقني، لكنها شكلت أيضاً صعوبة لأن كثيراً من الملتحقين لم يمتلكوا منذ البداية خبرة القتال الجبلي أو معرفة دقيقة بالجغرافيا واللغة المحلية. وقد فرضت هذه الحقيقة تدريباً متواصلاً وتعلماً ميدانياً قاسياً.
الحياة اليومية: تجربة لم تكن عسكرية فقط
من الخطأ اختزال تجربة الأنصار في البندقية والكمين والمعركة. فقد نشأت في القواعد الجبلية حياة اجتماعية وثقافية كاملة بقدر ما تسمح به ظروف الحرب. شمل النشاط الإعلام والتعليم السياسي والخدمات الطبية، وشارك أطباء وممرضون في معالجة الأنصار وسكان القرى، مع إنشاء عيادات ومستوصفات ميدانية بسيطة.
وأنتج الأنصار صحافة خاصة بهم، إلى جانب إعادة إنتاج مواد الحزب المركزية. وتشير المصادر إلى صحف ونشرات منها «نهج الأنصار» و«النصير» و«طريق النصر»، فضلاً عن إذاعة وبرامج بالعربية والكردية، ومسرح وموسيقى وفنون تشكيلية ومعارض وندوات ثقافية.
وكانت النساء حاضرات أيضاً في التجربة، في العمل السياسي والطبي والإعلامي واللوجستي والعسكري. وعلى الرغم من أن أعدادهن كانت أقل كثيراً من الرجال، فإن مشاركتهن اكتسبت أهمية اجتماعية ورمزية في سياق كانت فيه مشاركة المرأة في التنظيمات المسلحة محدودة تاريخياً.
ومن هذه الزاوية اكتسبت الحركة معنى اجتماعياً يتجاوز نتائجها العسكرية: كانت مختبراً صغيراً لاختلاط أبناء بغداد والبصرة والناصرية والموصل بالقرية الكردية، والعرب بالأكراد والكلدان والآشوريين والتركمان وغيرهم، ضمن تنظيم سياسي واحد. وهذه السمة تركت أثراً واضحاً في مذكرات الأنصار وفي أدبهم اللاحق.
بشتاشان 1983: نقطة التحول الأشد إيلاماً
لا يمكن كتابة تاريخ حركة الأنصار من دون الوقوف طويلاً عند بشتاشان. كانت المنطقة في أقصى شمال شرقي كردستان قد أصبحت قاعدة مهمة للحزب، تضم قيادات وكوادر سياسية وإعلامية وعسكرية. وفي ربيع 1983 بلغ الصراع بين القوى الكردستانية المسلحة درجة شديدة من التوتر، ولا سيما بين الاتحاد الوطني الكردستاني من جهة والقوى المتحالفة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الشيوعي من جهة أخرى.
في الأول من أيار 1983 تعرضت مواقع الحزب الشيوعي وحلفائه في بشتاشان لهجوم من قوات الاتحاد الوطني الكردستاني. وتؤكد مصادر متعددة وقوع الهجوم ومقتل عدد من أعضاء اللجنة المركزية وكوادر وأنصار الحزب، كما تتفق المصادر الحزبية على أن الصدمة البشرية والتنظيمية كانت كبيرة جداً.
لكن عدد القتلى تحديداً موضع اختلاف بين المصادر. فبعض الشهادات الشيوعية تتحدث عن قرابة سبعين إلى ثمانين من أعضاء وأنصار الحزب في الجولة الأولى، بينما ترفع مصادر أخرى الرقم عند توسيع نطاق الحساب أو جمع ضحايا أكثر من طرف ومرحلة. لهذا لا يصح تقديم رقم واحد باعتباره نهائياً من دون بيان مصدره ومنهج احتسابه.
وتكمن أهمية بشتاشان في أنها لم تكن خسارة بشرية فقط. فالمراجعات الحزبية اللاحقة أقرت بوجود أخطاء سياسية وعسكرية في اختيار الموقع، وفي تقدير موازين القوى، وفي دخول الحزب طرفاً في صراعات القوى الكردستانية. كما كشفت الأحداث ضعفاً في التحكم بالقواطع وتجميع القوات عند الحاجة، وأدت إلى خسائر في البشر والسلاح وأجهزة الإعلام وإلى خيبة أمل واسعة دفعت أعداداً من الأنصار إلى مغادرة كردستان.
ومن أكثر الاستنتاجات قسوة أن جزءاً كبيراً من الخسائر لم يقع في المواجهات مع القوات الحكومية، بل خلال الاشتباكات بين القوى المعارضة نفسها. وهو درس تاريخي شديد الأهمية: حين يتحول الخلاف السياسي داخل معسكر المعارضة إلى حرب داخلية، يمكن أن تتحول الحركة من مواجهة السلطة إلى استنزاف ذاتها.
إعادة البناء بين 1984 و1987
لم تنته الحركة في بشتاشان. فبعد مرحلة من الارتباك أعاد الأنصار تشكيل مفارزهم، وواصلوا نشاطهم في عدد من المناطق. وتسجل الروايات الحزبية نشاطات ومعارك في شهرزور وقرداغ وكرميان وقلعة دزة ودربندخان وكفري وطوزخورماتو والعمادية، إضافة إلى عمليات في مناطق أربيل وراوندوز وبهدينان بين 1984 و1987.
وعادت المفارز الصغيرة المتحركة لتصبح أسلوباً أساسياً بعد أن ظهرت مخاطر تجميع أعداد كبيرة في مقار ثابتة. لكن ميزان القوة كان يزداد سوءاً. فالطرف الحكومي امتلك الطيران والمدفعية والقوات النظامية وشبكات الاستخبارات والقوات المحلية الموالية له، بينما كان الأنصار يعتمدون على الحركة الخفيفة والدعم المحلي والممرات الجبلية.
وفي 5 حزيران 1987 تعرض مقر أنصاري في بهدينان إلى قصف جوي كيميائي، وتذكر الوثائق الحزبية إصابة نحو مئة وخمسين نصيراً. ومع أن الأرقام التفصيلية تحتاج دائماً إلى مقابلة المصادر، فإن استخدام الحكومة العراقية للأسلحة الكيميائية في كردستان خلال هذه المرحلة موثق في تقارير حقوقية دولية واسعة، وقد أصبح السلاح الكيميائي عاملاً حاسماً في تغيير طبيعة الصراع الجبلي.
الأنفال ونهاية التجربة العسكرية
كان عام 1988 فاصلاً. بعد سنوات الحرب الطويلة تحسن موقف الجيش العراقي عسكرياً، ثم قبلت إيران وقف إطلاق النار. أتاح ذلك لبغداد تركيز قوات ضخمة في كردستان. وفي الوقت نفسه كانت حملة الأنفال قد تحولت إلى عملية واسعة تستهدف القرى والمناطق الريفية التي شكلت البيئة البشرية واللوجستية للمعارضة المسلحة.
وثقت منظمات حقوق الإنسان تدمير آلاف القرى، والقتل الجماعي والاختفاء القسري، واستخدام الأسلحة الكيميائية، واعتبرت Human Rights Watch حملة الأنفال إبادة جماعية ضد الأكراد وفق تحليلها للوثائق والشهادات التي جمعتها. وقد شكلت هذه العمليات واحدة من أفظع الكوارث في تاريخ العراق الحديث.
كان لذلك أثر مباشر في جميع حركات البيشمركة، ومنها الأنصار الشيوعيون. فحرب العصابات تحتاج إلى السكان والقرى والمعلومات والغذاء والملاذات. وعندما أُخليت مساحات واسعة من سكانها ودمرت القرى وأغلقت طرق الإمداد، أصيبت البيئة التي تستند إليها الحركة في الصميم.
واللافت أن المراجعة الحزبية نفسها لم تختزل النهاية في التفوق العسكري الحكومي أو السلاح الكيميائي. فقد أقرت بأن القيادة لم تضع خطة كافية لاحتمال انتهاء الحرب العراقية–الإيرانية وتفرغ القوات الحكومية لكردستان، كما اعتبرت سنوات الاقتتال بين أطراف المعارضة عاملاً منعها من بناء قدرة مشتركة كافية لمواجهة الهجوم الواسع.
وفي أيار 1988 تقرر نقل مسؤولية الحركة بصورة أكبر إلى تنظيم إقليم كردستان وإنهاء الصيغة السابقة للمكتب العسكري المركزي. ومع هجمات الأنفال وانهيار كثير من المواقع انسحبت الوحدات عبر المناطق الحدودية. وتؤرخ بعض الروايات نهاية الحركة المنظمة في بهدينان إلى 25 آب 1988، في حين تذكر شهادات أخرى استمرار مجموعات صغيرة ومعزولة في الجبال إلى سنة 1989. لذلك فالأدق القول إن الحركة كقوة عسكرية منظمة انتهت عملياً سنة 1988، بينما امتدت بعض بقايا وجودها الميداني إلى 1989.
مقدار التضحيات والخسائر البشرية
هذه من أصعب المسائل توثيقاً. فليس هناك سجل واحد مستقل ومتكامل يجمع جميع قتلى الحركة وجرحاها ومفقوديها وأسرائها خلال سنوات النشاط. وتدور في الأدبيات تقديرات مرتفعة لعدد الشهداء، تصل في بعض الروايات إلى نحو ألف ومئتي قتيل خلال ما يقارب تسع سنوات، لكن هذا الرقم ينبغي التعامل معه بوصفه تقديراً متداولاً لا حصيلة نهائية مثبتة بوثيقة إحصائية موحدة.
ويؤكد صدور مجلدات ومواد توثيقية خاصة بـ«شهداء الحركة الأنصارية» أن الحزب وأنصاره حاولوا لاحقاً جمع السير الفردية للضحايا. إلا أن تدمير الأرشيفات والمقار خلال الأنفال، وتعدد مناطق القتال، وحوادث الاختفاء والأسر، والاختلاف في احتساب ضحايا الاقتتال الداخلي، تجعل الحصر الدقيق أكثر تعقيداً.
ولا تقاس التضحيات بالقتلى وحدهم. فقد شملت الجرحى والمصابين بالسلاح الكيميائي والأسرى والمفقودين، ومن فقدوا سنوات طويلة من حياتهم في الجبل والمنفى، إضافة إلى أسر تعرضت للملاحقة أو فقدت أبناءها ومصادر رزقها. ويضاف إلى ذلك الثمن الذي دفعه سكان القرى الكردية الذين آووا البيشمركة والأنصار أو وجدوا في مناطق نشاطهم. وهذه التضحيات المدنية ليست جزءاً حسابياً من خسائر الأنصار، لكنها جزء أساسي من السياق الإنساني للحركة.
ماذا حققت الحركة؟
لا يمكن قياس نتيجة تجربة امتدت قرابة عقد بالسؤال عما إذا كانت قد أسقطت النظام أم لا فقط. عسكرياً، لم تستطع الحركة الأنصارية إسقاط نظام البعث، ولم تكن تمتلك ميزان قوة يسمح لها بذلك منفردة. بل إن التقييمات اللاحقة للحزب أقرت بأن حركة الأنصار كانت جبهة من جبهات النضال وليست أداة قادرة وحدها على حسم الصراع مع الدولة.
لكنها حققت وظائف أخرى. فقد أبقت للحزب وجوداً منظماً بعد الضربة التي تعرض لها في المدن، ووفرت منطقة لقيادته وإعلامه واتصالاته، وحافظت على صلات ببعض تنظيمات الداخل. كما أعطت معارضة الحزب شكلاً ملموساً في وقت كانت قدرته العلنية داخل البلاد شبه معدومة.
وكانت لها وظيفة اجتماعية مختلفة: فقد جمعت أفراداً من خلفيات قومية ودينية ومناطقية متعددة في تشكيل واحد، ووسعت التواصل بين جزء من المعارضة العربية والكردية، وأقامت صلات يومية مع المجتمعات الريفية. كما خلقت تجربة ثقافية مميزة داخل ظروف الحرب؛ إذ كانت المطبعة والإذاعة والمسرح والشعر والرسم والعيادة الطبية والمدرسة السياسية جميعها جزءاً من تجربة الجبل.
لماذا لم تتحول إلى حركة جماهيرية عراقية شاملة؟
هذا السؤال طرحه الحزب نفسه لاحقاً. فعلى الرغم من توسع الحركة عدداً ونوعاً، لم تتحول إلى حركة جماهيرية تشمل قطاعات واسعة من غير الحزبيين بالقدر الذي كانت القيادة تطمح إليه. ويرتبط ذلك بعوامل موضوعية وذاتية معاً.
موضوعياً، كانت الحكومة قد بدأت منذ السبعينيات بتدمير القرى الحدودية وإنشاء أحزمة أمنية وإعادة توطين السكان في مجمعات تخضع للسيطرة الحكومية. ثم اتسعت هذه السياسة بصورة كارثية خلال الثمانينيات والأنفال. وهذا قلل البيئة البشرية المتاحة لأي حركة مسلحة مستقلة عن الدولة.
أما ذاتياً، فتشير المراجعات الداخلية إلى ضعف الربط بين النضال الجبلي والعمل السياسي داخل المدن، وإلى تركيز موارد وكوادر كبيرة في العمل المسلح على حساب إعادة بناء التنظيم المدني، إضافة إلى خلافات بين القيادات المدنية والعسكرية ونواقص في بعض جوانب العمل الأمني والاستخباري. وبعبارة أخرى، تمكن الحزب من بناء حركة أنصار قوية نسبياً في بيئة جبلية محددة، لكنه لم يتمكن من تحويل ذلك إلى حركة سياسية عراقية عامة قادرة على تغيير ميزان السلطة في عموم البلاد.
الأهمية التاريخية للحركة
الأهمية الأولى هي أنها تمثل تحولاً كبيراً في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي: من حزب كانت له صحافة وتنظيمات جماهيرية ونشاط علني نسبي في أوائل السبعينيات، إلى حزب مضطر خلال سنوات قليلة إلى العمل السري والمنفى والكفاح المسلح.
والأهمية الثانية أنها تكشف طبيعة المعارضة العراقية في الثمانينيات: لم تكن جبهة واحدة متجانسة، بل قوى مختلفة أيديولوجياً وقومياً، تتعاون أحياناً وتتصارع أحياناً أخرى، وتتأثر علاقاتها ببغداد وطهران ودمشق وأنقرة وبحسابات الحرب العراقية–الإيرانية. وهذه الحقيقة أساسية لفهم مأساة بشتاشان واستنزاف المعارضة في النزاعات الداخلية.
أما الأهمية الثالثة فهي اجتماعية وثقافية. فقد عاش في الجبل مثقفون وأطباء ومهندسون وفنانون وطلبة وعمال وفلاحون إلى جانب المقاتلين المحترفين. لذلك تركت التجربة وراءها أدباً ومذكرات وشعراً وفناً وأرشيفاً تصويرياً، لا مجرد بيانات عسكرية.
والأهمية الرابعة تتعلق بالعلاقة العربية–الكردية. فوجود عراقيين عرب ومن قوميات أخرى ضمن قوة تقاتل في كردستان إلى جانب المطالبة بحقوق الشعب الكردي قدم نموذجاً مختلفاً عن تفسير الصراع باعتباره صراعاً قومياً بسيطاً بين العرب والأكراد. وهذا الجانب يبقى من أكثر جوانب التجربة جدارة بالدراسة بعيداً عن الروايات الدعائية لأي طرف.
الدروس المستخلصة
يمكن استخلاص مجموعة من الدروس التي تتجاوز الإطار الحزبي لتلامس تجارب الحركات السياسية المسلحة عموماً:
الدرس الأول: السلاح لا يعوض السياسة: عندما يتحول العمل العسكري من وسيلة محدودة ضمن استراتيجية سياسية واجتماعية أوسع إلى مركز النشاط كله، تتعرض الحركة لخطر العزلة عن المجتمع الذي تسعى إلى تمثيله.
الدرس الثاني: وحدة القوى المعارضة مسألة استراتيجية: أثبتت بشتاشان وسنوات الاقتتال أن تحويل الخلاف السياسي إلى صراع مسلح داخل معسكر المعارضة قد تكون كلفته أكبر من كلفة المواجهة مع الخصم الرئيسي.
الدرس الثالث: ضرورة الفصل بين المقر السياسي والقاعدة العسكرية ومجال العمل الجماهيري: تجميع القيادة والإعلام والخدمات وأعداد كبيرة من الكوادر في مواقع ثابتة يجعلها أهدافاً عالية القيمة عندما يمتلك الخصم تفوقاً جوياً ومدفعياً واستخبارياً.
الدرس الرابع: التخطيط لتغير الظروف الإقليمية ضروري: اعتمدت الحركة، مثل غيرها من قوى المعارضة الكردستانية، على بيئة صنعتها الحرب العراقية–الإيرانية. وعندما توقفت الحرب تغير ميزان القوى بسرعة لم تكن الاستعدادات كافية لمواجهتها.
الدرس الخامس: حرب العصابات تحتاج إلى مجتمع لا إلى مقاتلين فقط: ارتباط المقاتلين بالقرى والمدن وشبكات التنظيم والإمداد هو الذي يمنح العمل المسلح معنى سياسياً وقدرة على الاستمرار.
الدرس السادس: الذاكرة التاريخية تحتاج إلى أرشيف مفتوح: الاختلاف في أرقام الضحايا وفي بعض روايات بشتاشان وتواريخ البداية والنهاية يبين ضرورة جمع شهادات جميع الأطراف ومقارنتها بالوثائق، بدلاً من الاكتفاء بذاكرة حزب واحد أو خصم واحد.
خاتمة
كانت حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين تجربة سياسية وعسكرية وإنسانية شديدة التعقيد. ولدت من رحم القمع السياسي وانهيار تجربة التحالف بين الشيوعيين والبعث، ووجدت في جبال كردستان مكاناً لحماية جزء من التنظيم ومواصلة المعارضة. توسعت سريعاً، وخاضت مواجهات مع القوات الحكومية، وأنشأت إلى جانب نشاطها المسلح حياة ثقافية وإعلامية وطبية وسياسية مميزة.
لكنها دفعت ثمناً باهظاً بسبب عدم تكافؤ القوة مع الدولة، وبسبب الأخطاء السياسية والعسكرية، وبصورة خاصة نتيجة التورط في الاقتتال بين القوى الكردستانية. كانت بشتاشان عام 1983 جرحاً مركزياً في تاريخها، ثم جاء التصعيد العسكري الحكومي واستخدام الأسلحة الكيميائية وحملات الأنفال ليقوض البيئة الريفية التي قامت عليها حركة الأنصار وينهي وجودها العسكري المنظم سنة 1988.
وإذا كان معيار النجاح هو إسقاط النظام، فإن الحركة لم تحقق ذلك. أما إذا كان معيار دراسة التاريخ أوسع من النتيجة النهائية، فإنها احتفظت بجزء من المعارضة السياسية العراقية حياً في واحدة من أقسى مراحل القمع، وحافظت على شبكة تنظيم وإعلام وثقافة وذاكرة مقاومة، وتركت في الوقت نفسه سجلاً ثقيلاً من الأخطاء والتضحيات يستحق الدراسة النقدية لا التمجيد المجرد ولا الإدانة المختزلة.
إن الإنصاف التاريخي للأنصار لا يعني إخفاء أخطاء قياداتهم، مثلما أن نقد تلك الأخطاء لا ينتقص من تضحيات الأفراد الذين ترك كثير منهم الجامعات والوظائف والعائلة والحياة المدنية وحملوا السلاح في ظروف شديدة القسوة. والقيمة الكبرى لهذه التجربة اليوم ربما تكمن في الجمع بين الاثنين: حفظ أسماء الضحايا وكرامتهم، وفتح التجربة في الوقت نفسه أمام النقد التاريخي الصريح.
وهكذا تبقى حركة الأنصار الشيوعيين جزءاً من تاريخ العراق الحديث، لا ملكاً لحزب واحد ولا ذاكرة خاصة بجيل واحد، بل مادة لفهم علاقة الدولة بالمعارضة، والعرب بالكرد، والعمل السياسي بالكفاح المسلح، وحدود التحالفات، والثمن الذي تدفعه المجتمعات عندما تتحول الخلافات السياسية إلى حروب مفتوحة.
مراجع وشواهد مختارة
1. وثيقة «تقييم حركة الأنصار التابعة للحزب الشيوعي العراقي 1979–1988»، وهي مراجعة نقدية داخلية لتجربة الحركة أُقرت في سياق المراجعات الحزبية اللاحقة، ومتاحة في أرشيفات إلكترونية عراقية وعربية.
2. Tareq Y. Ismael, The Rise and Fall of the Communist Party of Iraq، من المراجع الأكاديمية المهمة لتاريخ الحزب الشيوعي العراقي ومساراته السياسية.
3. Human Rights Watch / Middle East Watch, Genocide in Iraq: The Anfal Campaign Against the Kurds، تقرير توثيقي واسع عن الأنفال، مبني على وثائق حكومية وشهادات ميدانية.
4. Middle East Research and Information Project (MERIP)، دراسات وتقارير عن الأحزاب والحركات الكردية والعراقية المسلحة في الثمانينيات، ومنها علاقات الحزب الشيوعي بالقوى الكردستانية.
5. Journal of Duhok University، دراسات أكاديمية عن النشاط الثقافي والاجتماعي والإعلامي والطبي للأنصار الشيوعيين في كردستان.
6. أرشيف الحزب الشيوعي العراقي وأرشيف الحركة الأنصارية: مذكرات وشهادات وسير شهداء وصحف ونشرات مثل «نهج الأنصار» و«النصير» و«طريق النصر». ويستحسن دائماً مقابلة هذه المواد بمصادر مستقلة لأنها تمثل أيضاً ذاكرة أحد أطراف التجربة.
ملاحظة توثيقية
تختلف بعض المصادر في تحديد الأعداد الدقيقة للضحايا، وفي تفاصيل أحداث بشتاشان، وفي رسم الحد الزمني الدقيق لنهاية الحركة. لذلك صيغت الأرقام المختلف عليها في هذه الدراسة بوصفها تقديرات أو روايات منسوبة إلى مصادرها، لا حقائق إحصائية نهائية. وينبغي في أي طبعة بحثية موسعة لاحقة إحالة كل رقم واسـم وحادثة إلى وثيقة أصلية أو شهادة مدققة كلما أمكن ذلك.
2026-09-20