حكايات بغدادي.. !
بقلم جاسمية
حياة من التحرر والمحرمات وليست حرية
قال لي: أريد امرأة متحررة… فاكتشفت أنني أمام حياة من المحرمات
عزيزتي جاسمية،
أكتب إليك هذا الكلام ليلًا، ولا أعرف كم الساعة الآن، لكن الأرق بدأ يأكل مقلة عيني. لا أستطيع النوم، ولا أستطيع أن أكتب شيئًا، ففكرت في إرسال رسالة صوتية أحكي لك فيها عما يدور في خاطري.
أعلم أن هناك نساء يراسلنك بأسماء مستعارة، ربما لأنهن لا يستطعن الحديث عما يحدث معهن، وبصراحة أنا إحداهن. أمتلك من الجبن أكثر مما أمتلك من الشجاعة، لذلك لا أستطيع أن أقول لك اسمي، ولا أريدك أن تذكريه في مقالك. لكنني أريد أن أذكر شيئًا واحدًا: أنا امرأة ذات حظ سيئ جدًا.
أنا أرملة منذ فترة طويلة، ورفضت فكرة الزواج منذ مدة، رغم تقدم الكثير من الأشخاص لي، لأنني كنت منكبة على عملي؛ أعمل وأعمل. كبر أولادي وغادروا المنزل، ولم تبق معي سوى ابنتي المراهقة.
تعرفت إلى أحد الأشخاص عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي. لن أذكر اسمه بالتفصيل، ولا عمله، لأنه شخص معروف جدًا، لكنه جاءني في البداية بطريقة محترمة. قال إنه يريد التعرف إلي لغرض الزواج، وإنه لا يريد اللعب أو علاقة مؤقتة، بل يريد الزواج وتأسيس أسرة والاستقرار.
بصراحة، وافقت.
كان في عمر مقارب لعمري، وإن كان أصغر مني ببضع سنوات. كان يبدو وقورًا في شكله وحديثه، ومهذبًا جدًا في البداية. لكن ما إن وافقت عليه حتى بدأ الحال يتغير شيئًا فشيئًا.
بدأ الكلام يتبدل، وأصبح يسألني: متى ستأتين؟ ومتى يمكن أن تأتي والدته لرؤيتي؟ ثم أخبرني أن لديه شروطًا يجب أن أعرفها منذ البداية حتى يكون الزواج كاملًا ومتكاملًا.
قال لي أولًا إنه يقبل وضعي كما هو، ولن يقيد حريتي، بل سيمنحني الحرية المطلقة. ثم قال إنه يبحث عن امرأة «متحررة».
انتبهي، عزيزتي جاسمية، إلى كلمة «متحررة».
أنا لم أفهم يومًا أن التحرر يختلف عن الحرية. ظننت أن المصطلحين يحملان معنى واحدًا. قلت له إنني امرأة متحررة؛ فأنا لست تابعة لأحد، وتعلمت الاعتماد على النفس وأن يضع أهلي ثقتهم بي. أنا حرة، وقراري بيدي، وعملي بيدي، ومنزلي بيدي، ولا أحد من أهلي أو أقاربي يفرض علي ما لا أريد.
لذلك، عندما قال إنه يبحث عن امرأة متحررة، ظننت أنه يبحث عن امرأة قوية، صاحبة قرار، لا تكون تابعة لأحد.
لكن طبعه بدأ يتكشف شيئًا فشيئًا.
وبصراحة، كنت ذكية بما يكفي لأصبر. قلت في نفسي: الدنيا تجارب، وهذه تجربة، وأنا لا أريد أن أخرج منها خاسرة. لا أريد أن أعطيه شيئًا، لكنني أريد أن أفهم أكثر عن طباع البشر.
تخيلي يا عزيزتي جاسمية، أنا الإنسانة التي أظن أنني أستطيع قراءة الناس جيدًا، تصنعت الغباء كي أفهم قصته أكثر.
وما سأقوله لك كان صادمًا جدًا.
بدأ يخبرني عن أمور شخصية وصادمة تتعلق بحياته السابقة ورغباته وعلاقاته، ثم كشف لي عن سلوكيات جنسية شاذة ومحرمة، وعن علاقات غير مشروعة، بل وادعى وجود علاقات محرمة داخل أسرته.
كنت أستمع إليه وأنا أحاول استيعاب ما يقول.
قال إنه مطلق وليس لديه أولاد، وإن زواجه استمر ثلاث سنوات فقط. وأخبرني أنه ينتظر والدته وأخته للقدوم من تركيا كي ترياني ونتفق على أمور الزواج المبدئية.
سألته: لماذا لا تأتي أنت أولًا إلى عمي؟ من الأفضل أن تأتي وتجلس ونتحدث عن أساسيات الزواج.
قال إنه موافق على كل شروطي، وإن المنزل سيكون باسمي والسيارة باسمي، وإنه مستعد لتوفير كل ما أريده.
وربما ظن أن هذه الأمور ستغويني.
لكنه خلال تلك الفترة بدأ يتقرب مني بكلام معسول، ثم أصبح الكلام يأخذ منحى جنسيًا. أراد علاقة قبل الزواج، لكنني رفضت بشكل قاطع، وقلت له إن أي علاقة لن تحدث قبل إتمام العقد.
كان يتحدث عن المال والجاه والمكانة، لكنني كنت أبحث عن شيء آخر تمامًا.
كنت أسأل نفسي: هل هذا الرجل مؤتمن؟ هل يمكن أن أضع شرفي وسمعتي وحياتي بين يديه؟
وحين قال إنه يريد امرأة «متحررة»، سهرت معه ذات ليلة حتى الفجر لأفهم ماذا يقصد تحديدًا.
سألته: ماذا تعني بكلمة متحررة؟
عندها بدأ يكشف لي حقيقة مختلفة تمامًا عما فهمته في البداية.
أخبرني عن ممارسات جنسية شاذة وعن علاقات متعددة، وقال إنه اعتاد السفر إلى أربيل لقضاء عدة أيام والدخول في علاقات جنسية هناك، ثم كشف لي عن أمور أكثر صدمة تتعلق بأسرته.
قال إن والدته تعرف بطبيعة حياته، وإن أخته تعرف أيضًا، وإنهما تتقبلان الأمر.
سألته: كيف تعرف والدتك بكل هذا وتتقبله؟
وكانت إجابته صادمة إلى درجة أنني لم أصدق ما أسمعه، إذ ادعى وجود علاقات محرمة داخل أسرته.
هنا شعرت أنني أمام مطب كبير.
رجل يريد الزواج بي، بينما يكشف لي عن حياة مليئة بالعلاقات المحرمة والسلوكيات التي لا يمكنني قبولها.
هل تدركين الصدمة يا عزيزتي جاسمية؟
أي صدمة هذه، وأي واقع سقطت فيه؟ شعرت كأنني وقعت في بئر لا أعرف كيف أخرج منه.
واصل الحديث، وقال إن هذا بالنسبة إليه أمر عادي، وإنه يريد مني أن أتركه يعيش بحرية، وأن همه الأول ليس بناء أسرة بالمعنى الذي فهمته أنا، وإنما الحفاظ على حياته الخاصة ورغباته، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بصورته الاجتماعية أمام الناس.
وقال لي أيضًا إنني عندما أسافر معه أستطيع أن أخلع حجابي، وأن أعيش بالطريقة التي أريدها، بل وطرح علي أفكارًا تتعلق بعلاقات جنسية مع آخرين.
هل تتخيلين الوضع؟
كنت أسمع وأصمت.
نعم، كنت صامدة، لأن الحياة علمتني أنني لا أسقط بسهولة. كلما سقطت وقفت على قدمي، وكلما تعرضت لتجربة عدت أقوى وأكثر حذرًا.
صحيح أنني بحاجة إلى رجل، بحاجة إلى عطف رجل واهتمامه، لكن هل من المعقول أن أورط نفسي في زواج من رجل يحمل كل هذه الأفكار والسلوكيات؟
بالتأكيد لا.
بدأت أتحجج عليه، وأقول له تارة إنني أريد وتارة إنني لا أريد، لأنني بصراحة لم أكن لأضع نفسي في مثل هذا الموقف في أي يوم من الأيام.
أنا مصدومة.
والمشكلة أنني أعطيته موافقتي قبل أن أعرف حقيقة ظروفه، لكنه اطمأن إلي جدًا. شعر بالأمان معي، ولذلك بدأ يفتح قلبه ويكشف كل ما يخفيه.
أما أنا، فوصلت إلى مرحلة من الاشمئزاز جعلتني أكره الرجال جميعًا.
هل من المعقول أن تخفي تلك الواجهات الاجتماعية والشخصيات المعروفة خلفها مثل هذه الأمور؟
إلى أي مرحلة وصلنا؟
هل وصلنا إلى مرحلة يضحي فيها الإنسان بدينه وأخلاقه وتربيته من أجل إشباع غرائزه؟
لا أعلم.
لكنني أعلم شيئًا واحدًا: لقد أنقذني الله بأعجوبة من هذه العائلة.
الحمد لله أنني ابتعدت عنه نهائيًا، وحظرته من جميع مواقع التواصل الاجتماعي ومن رقم هاتفه، حتى لا يتصل بي مرة أخرى. وأخبرته بصراحة أنني لا أريده.
لم أعد أريد سماع المزيد.
قال لي إنه «متحرر»، فأخبرته أنني لم أفهم أن التحرر الذي يقصده هو العلاقات المحرمة والسلوكيات التي كشفها لي. لم أكن أعرف أن الكلمة التي استخدمها تعني بالنسبة إليه شيئًا مختلفًا تمامًا عما أفهمه أنا.
أنا لا أروي لك قصتي لأفضحه، ولا أفكر يومًا في التشهير به، وإنما أرويها لتكون عبرة للفتيات والنساء الأخريات.
حين يتقدم إليك شخص، لا بأس أن تتحدثي معه لتعرفي طباعه، لكن لا تتعجلي. اسألي عنه، وتحققي من شخصيته، وتحدثي معه مرات ومرات، ولا تجعلي المظهر أو المال أو المنصب الاجتماعي يخدعك.
اسألي نفسك قبل أن تقولي «نعم»: هل هذا الإنسان أستطيع أن أكمل معه بقية حياتي؟ هل أستطيع أن أضع ثقتي وأماني ومستقبلي بين يديه؟
لا تنخدعي بالمال، ولا بالمظهر الاجتماعي، ولا بالجاه، ولا بالمنصب.
فكل هذه الأشياء قد تصنع صورة جميلة أمام الناس، لكنها لا تكشف حقيقة الإنسان عندما تغلق الأبواب ولا يبقى بينك وبينه إلا الصدق.
أما أنا، فقد خرجت من هذه التجربة بدرس لن أنساه: أحيانًا يكون رفض الزواج نجاة، ويكون الابتعاد عن شخص نريده في البداية هو الرحمة التي لم نفهمها إلا بعد فوات الأوان.
الحمد لله الذي كشف لي الحقيقة قبل أن أصبح زوجته، وقبل أن أدفع ثمنًا أكبر.
وهذه حكايتي يا جاسمية؛ امرأة كانت تبحث عن الأمان، فاكتشفت أن أهم أمان يمكن أن تحافظ عليه هو أن تعرف متى تقول: لا، هذا الإنسان لا يصلح أن يكون شريك حياتي.
2026-09-15