الثقل الذي انتقل… والقضية التي بقيت من تعدد الساحات إلى معمار سياسي فلسطيني جديد!
غانية ملحيس*
ملخص تنفيذي
ينطلق هذا المقال من الحوار الذي تتابعت حلقاته حول السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، والذي تحرك تدريجيا من محاولة فهم ما كان يراه الفاعلون قبل «الزلزال»، إلى توسيع الكادر نحو السياق الإقليمي، ثم الانتقال من الحدث إلى البنية، وصولا إلى السؤال الفلسطيني الذي طرحه يحيى بركات في مقاله الأخير: «من صاحب الطاولة الفلسطينية الغائبة؟». غير أن هذا السؤال يفتح، في تقديري، سؤالا أسبق: كيف استطاعت القضية الفلسطينية أن تبقى، رغم أن ثقل الفعل الوطني لم يكن ثابتا في ساحة واحدة، ورغم تعدد الجغرافيات والتجارب والشروط السياسية والاجتماعية والقانونية التي يعيشها الفلسطينيون؟
يُظهر استعراض محطات من التاريخ الفلسطيني الحديث أن ثقل الفعل الوطني انتقل، في مراحل مختلفة، بين ساحات متعددة: من الشتات، وفي مراحله المختلفة في الأردن ولبنان، إلى الداخل الفلسطيني، ومن مناطق 1948 إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، مع بقاء أكثر من ساحة فاعلة في بعض المراحل في الوقت نفسه. ولم يكن انتقال الثقل يعني انتقال القضية معه؛ بل ربما كان هذا الانتقال أحد أسباب قدرة القضية على البقاء والاستمرار.
لكن المقال يميز بين انتقال الثقل وتراكم الثقل. فالمشكلة ليست في تعدد الساحات أو تغير مركز الفعل، وإنما في قدرة النظام السياسي الفلسطيني على حفظ ما تنتجه كل ساحة من خبرة وذاكرة وشرعية وتمثيل ومؤسسات وعلاقات وقدرة على صنع القرار، وتحويل ذلك إلى تراكم وطني تستطيع الساحات اللاحقة البناء عليه، بدل أن تضطر كل مرحلة جديدة إلى إعادة إنتاج أدواتها من البداية.
ومن هنا ينتقل المقال من التاريخ إلى سؤال المعمار السياسي. فالفلسطينيون اليوم ليسوا مجتمعا سياسيا متجانسا بالمعنى المؤسسي؛ لكل تجمع شروطه وأولوياته وتجربته، لكن هذا الاختلاف لا يلغي وحدة التاريخ والحقوق والذاكرة والمشروع الوطني. لذلك لا تتمثل الحاجة في إزالة الاختلاف، ولا في إعادة فرض مركز واحد يحتكر القرار والفعل، بل في بناء نظام سياسي يستطيع إدارة التعدد داخل إطار وطني واحد.
وعليه، فإن اللامركزية هنا ليست نقيض الوحدة، بل يمكن أن تكون شرطا لها، ووحدة الهدف لا تستلزم وحدة الأدوات. والمركز المطلوب ليس مركزا يصنع الثقل أو يحتكر الفعل، بل مرجعية وطنية تحفظ التراكم المشترك وتنسق بين مراكز الفعل المتعددة. فالتحدي ليس أن نعرف أين سينتقل الثقل الفلسطيني مستقبلًا، بل أن نبني ما يجعل انتقاله انتقالا داخل القضية، لا انتقالا للقضية نفسها.
المقال الكامل: الثقل الذي انتقل… والقضية التي بقيت
من تعدد الساحات إلى معمار سياسي فلسطيني جديد
توالت المقالات حول حدث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، بعد أن تناولت الصحافة الإسرائيلية والأجنبية تقارير حول امتلاك رئيس الوزراء وأجهزة المخابرات الإسرائيلية معلومات عن الهجوم الوشيك، وما رافق ذلك من حديث عن اتصالات ووساطات إقليمية، في سياق سياسي إسرائيلي وإقليمي شديد التعقيد، احتدم فيه التنافس الانتخابي الإسرائيلي، ودخلت أطراف دولية على خط التأثير في مآلاته، بما يرتبط بأزمة إسرائيل الاستراتيجية، ومسار التطبيع العربي والإسلامي، ومحاولات تجاوز القضية الفلسطينية.
والتقط يحيى بركات هذا المشهد ليطرح في مقاله «قبل أن يقع الزلزال … ماذا كان يرى السنوار، وماذا كان ينتظر نتنياهو؟»، سؤالا مختلفا: ماذا كان يرى كل من السنوار ونتنياهو، وماذا كان ينتظر كل منهما، قبل أن يقع الزلزال؟
وقد كان ذلك المقال هو نقطة البداية لهذا الحوار. ثم جاءت التعليقات عليه، وما أثارته من قراءات حاول بعضها التشكيك بالمقاومة عبر الخلط بين الفعل والفاعل، وتوظيف ذلك في سياق سياسي وانتخابي.
وللمفارقة، باتت الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية والأمريكية ميدانا موازيا للميدان العسكري والاستخباراتي في أهميته للتأثير السياسي وتجديد شرعية البنى السياسية القائمة المسؤولة عن الحاضر المأزوم، عبر اقتصار التغيير على الأشخاص.
وقد حفزتني هذه التعليقات على كتابة مقالي «السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ليس مشهدًا منفصلًا … قراءة نقدية في مقال يحيى بركات»، محاولة أن أوسع الكادر من «الغرفة» إلى «الخريطة»، وأن أنقل السؤال من اللحظة التي سبقت الزلزال إلى ما كان يجري حولها: إلى المسار الإقليمي، وإلى إعادة ترتيب المنطقة من حول إسرائيل، وإلى تراكم عوامل سياسية واستراتيجية لم تكن، في تقديري، مجرد خلفية بعيدة عن الحدث.
ثم جاء مقال خالد عطية «ما بين الزلزال والبنية: حين لا يكفي من رأى الانفجار»، لينقل الكاميرا مرة أخرى من الحدث إلى «البنية»، ومن لحظة الانفجار إلى الزمن الذي سبقها، وليضيف إلى النقاش سؤال الفاعل الفلسطيني وموقعه داخل هذه البنية.
وتتابعت بعد ذلك ردود يحيى بركات على القراءتين، إلى أن جاء مقاله الأخير «حين كان لكل طرف طاولته … أين كانت طاولة فلسطين؟»، فانتقل الحوار من سؤال فهم الزلزال، وما أحاط به من سياقات وبنى، إلى سؤال الوضع الفلسطيني نفسه: إذا كان لكل طرف طاولته، فأين كانت الطاولة التي تجمع الفلسطينيين؟ ومن يملك حق اتخاذ القرار الذي يترتب على الجميع؟
وهكذا تحركت الكاميرا، في هذا الحوار، من «الغرفة» إلى «الخريطة»، ومن «الخريطة» إلى «البنية»، ومن «البنية» إلى «الطاولة».
لكنني أعتقد أن هذا المسار لا ينتهي عند سؤال: «من صاحب الطاولة؟»، بل يفتح سؤالا آخر، أسبق منه من جهة التاريخ الفلسطيني، وأبعد منه من جهة المستقبل:
كيف استطاعت القضية الفلسطينية أن تبقى، رغم أن ثقل الفعل الوطني لم يكن ثابتا في ساحة واحدة، ورغم أن الفلسطينيين عاشوا، وما زالوا يعيشون، موزعين بين جغرافيات وتجارب وشروط سياسية واجتماعية وقانونية مختلفة؟
فسؤال «من صاحب الطاولة؟» لا يقود بالضرورة إلى افتراض أن المشكلة الفلسطينية بدأت مع غياب هذه الطاولة. ولا إلى البحث عن مركز واحد للقرار. فالتاريخ الفلسطيني يقول شيئا أكثر تعقيدا: إن القضية الفلسطينية استطاعت أن تستمر رغم أن الفلسطينيين أنفسهم توزعوا بين جغرافيات وتجارب سياسية واجتماعية مختلفة. ورغم أن ساحات الفعل الوطني تغيّرت، ولذلك ربما يكون السؤال الأهم ليس: أين كان مركز القضية؟
بل: كيف استطاعت القضية أن تبقى حين كان مركز ثقل الفعل يتغير من ساحة إلى أخرى؟ وما الذي جعل هذا الانتقال، في بعض المراحل، مصدر قوة واستمرار، ثم تحوّل في مراحل أخرى إلى مشكلة حين لم يعد الانتقال مصحوبا بما يكفي من التراكم الوطني؟
ففي تاريخ القضية الفلسطينية، لم يكن ثقل الفعل الوطني ثابتا في مكان واحد.
لقراءة المزيد ..اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/96967
2026-09-11