تييرى ميسان.. والثلاثاء الأسود!
مهدى مصطفى
فى الحادى عشر من سبتمبر 2001، نحو الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة صباحا بتوقيت نيويورك، انتقلت كاميرات التلفزيون العالمية إلى برجى مركز التجارة العالمى، وعلى الهواء مباشرة شاهد العالم طائرة ركاب من طراز بوينج 767 تصطدم بالبرج الشمالى، ثم، عند الساعة التاسعة، اصطدمت طائرة ثانية من الطراز نفسه بالبرج الجنوبى.
بفارق سبع ساعات تقريبا عن توقيتنا الشرقي، كان ذلك يوافق نحو الثالثة وخمس وأربعين دقيقة بعد الظهر بتوقيت القاهرة، وحسب الرواية الأمريكية جاءت طائرة ثالثة، طراز بوينج 757، لتضرب مبنى وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» عند الساعة التاسعة والنصف تقريبا، بينما تحطمت طائرة رابعة، بوينج757، رحلة يونايتد 93، فى بنسلفانيا عند الساعة العاشرة.
ساعة وربع الساعة تقريبا استغرقتها الطائرات يوم ثلاثاء أسود، لكنها كفيلة بتغيير عقارب الساعة إلى الوراء.
رفعت أمريكا شعار «أمريكا تحت الهجوم»، وسرعان ما استقرت الرواية الرسمية على أن 19 خاطفا نفذوا العملية، وأنهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة الذى كان يقوده أسامة بن لادن، وجميعهم عرب!
ابتلع العالم الرواية الأمريكية على مضض، ومع التخويف والترهيب والترغيب، دخل الإيمان فى قلب العالم دون نقاش، وقال آمنا بما يأمرنا به الباب العالى فى واشنطن.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر صفحات القصة إثارة للجدل، فقد كان بن لادن قد ظهر فى سياق «حرب المجاهدين» ضد الاتحاد السوفييتي، وهى الحرب التى شاركت فيها الولايات المتحدة بالمال والسلاح والإعلام، ودعمت خلالها مقاتلين أفغانا وعربا فى مواجهة السوفييت، وعلى رأسهم بن لادن، رجل أمريكا القديم.
بعد أشهر قليلة جاء الصحافى والباحث الفرنسى الصديق تييرى ميسان بكتابه الشهير «الخدعة الرهيبة»، الصادر فى مارس عام 2002، ليضرب فى قلب الرواية الرسمية، ولم يكتف ميسان بالسؤال عمن نفذ الهجوم، وإنما سأل سؤالا أكثر خطورة: هل جرت الأحداث بالطريقة التى قيل إنها جرت بها؟
توقف ميسان خصوصا أمام البنتاجون، وشكك فى أن تكون طائرة بوينج 757 هى التى اصطدمت بالمبنى، وطرح فرضية استخدام سلاح آخر، صاروخ داخلى مثلا، وربط ذلك بما اعتبره تناقضات فى الصور، والتصريحات، وتسلسل الأحداث، ثم وسع دائرة الشك لتشمل أجهزة الاستخبارات والدفاع والإدارة الأمريكية، وانتهى إلى أطروحة تقول إن 11 سبتمبر لم يكن مجرد عملية إرهابية، إنما عملية داخلية تم استخدامها كذريعة لشن حروب خارجية متواصلة، ولتوسيع نفوذ المجمع الصناعى العسكري.
ومن هنا اكتسب الكتاب خطورته وشهرته، فهو لم يناقش الطائرات التى ضربت نيويورك والبنتاجون، كما أرادت الرواية الرسمية، إنما انتقل إلى السؤال الأكبر: من استفاد من الكارثة؟ وما الذى جرى باسمها بعد ذلك؟ أفغانستان أولا، ثم العراق، ثم الحرب المفتوحة على الإرهاب، واتساع صلاحيات أجهزة الأمن والمراقبة، وإعادة رسم السياسة الأمريكية والعالمية.
وقد تعرض ميسان بسبب كتابه هذا إلى هجوم واسع فى الولايات المتحدة وأوروبا، وأصبح اسمه مرتبطا بكشف المؤامرة حول 11 سبتمبر، وهاجمه دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع شخصيا، فى مؤتمر صحفى، وطالب بمنعه من لمس الأراضى الأمريكية.
شخصيا، حاورت تييرى ميسان بعد صدور كتابه بفترة وجيزة، ثم التقيته مرة أخرى، وكانت مياه كثيرة قد جرت تحت الجسر، تحدثنا عن ملفات أخرى شديدة الحساسية فى المنطقة، وعن كتابه الخاص باغتيال رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق، رفيق الحريرى الذى اتهم فيه ميسان جماعة «المسألة» مباشرة، ثم أجريت معه حوارا شاملا عما يسمى «الربيع العربى»، حرب أمريكا الفريدة فى المنطقة العربية، وقد رأى ميسان فى هذا الربيع مشروعا أمريكيا واسعا لإعادة تشكيل المنطقة، وتحدث كذلك عن الصهيونية التصحيحية، ورغبة تياراتها الحارقة فى الهيمنة على الشرق الأوسط، وهو ما يجرى الآن.
وبعد ربع قرن تقريبا من 11 سبتمبر، لا تزال الأسئلة التى أثارها ميسان حاضرة وساخنة، وقد تحولت استنتاجاته إلى ما يشبه الحقائق التاريخية الدامغة.
سلاما يا تييرى ميسان أينما تكن.
فقد ذهبت رواية أمريكا الرسمية أدراج الرياح، وبقيت روايتك كالشجرة السامقة، وسط غابة أحراش من الاختلاق.
ربع قرن مر على تلك اللحظة التى استغرقت ساعة وربع الساعة، لكنها أعادت صياغة العالم للأبد.
ذهب أبطال 11 سبتمبر: بوش الابن، وديك تشينى، ورامسفيلد، ودوجلاس فايث، وبول وولفيتز، وكولن باول، وآخرون، والحبل على الجرار، بينما صمد كتاب صغير، يقع فى 235 صفحة، وقد وضع التاريخ الرسمى الأمريكي فى الزاوية.
2026-09-10