صحَّافُ واشنطن الجديد، ترامب-كيشوت))!
حسن جمال الدين
ما زال المسكينُ ينسجُ ما بين الصحو والغفلة أشباح نصرٍ بحرية كأشباح طواحين دون كيشوت، مع كل الإعتذار للدون كيشوت على القسمة في التشبيه، وعلوجاً ينحرها بالتَّصريحاتِ كعلوج “الصحّاف” دون اعتذارٍ لهُ، ذاكَ الذي اختفى فجأة ولم يبقى من تصاريحه سوى الصدى والعلوج التي أسقطت بغداد،
ما نشهده اليوم إنما هو تجلّياتُ انهيارِ الإمبراطورية المهزومة في مياهِ الخليجِ الفارسي، حيثُ يرتدي المأزومُ فيها قناعَ المنتصرِ وتلتفُّ حبالُ الخنقِ على أعناقِ عاقديها.
هل ظننتم أنَّ “الصحّاف” قد وُوريَ الثرى؟
يا خابَ ما ظننتم إذاً؛ فنهجُ الإنكارِ المهزوم لا يموت، بل يُبعثُ اليومَ بوجهٍ أشقرَ يطلُّ من واشنطن، يبيعُ الوهمَ لمدمنيه، زاعماً أنَّ نفطَ هرمز يتدفقُ هادئاً، وأنَّ شِريانَ طهرانَ قد جفَّ وانقطع، في حين أنّ إيرانَ تبيعُ نفطها كما العادة وسعرُ البرميلِ المأسور ما زال يرتقي سلّم الإرتفاع بلا هوادة.
إنّها الكوميديا السوداء، يرادُ لها أن تسترَ عورةَ العجزِ بصخبِ التصريحات، متجاهلةً أنَّ “قواعدَ الاشتباكِ” قد نسفتها إيران من قواعدها.
إنَّ طهرانَ اليومَ لم تعد تكتفي بالتلويحِ بورقةِ الإغلاقِ العتيقة، بل ترسمُ بصواريخ التحدي خطاً نارياً يبتلعُ خطَّ الحصارِ الأميريكي، مُعلنةً منطقةً بحريةً محظورةً تبتدئُ من حيثُ انتهت أوهامُ الخنقِ الترامب-كيشوتية، في تحوّلٍ استراتيجيٍّ يقلبُ الطاولةَ على قراصنة البحار القادمين من بعيد.
لقد أرادت الإدارةُ الأميريكيةُ تحويلَ الخليجِ الفارسيّ إلى مشنقةٍ اقتصادية على فارس، فاستحالت مياهُهُ فخاً دُوَّامياً يبتلعُ هيبتَها والبوارج؛ إذ تُترجِمُ الصواريخُ الجديدةُ، لتمزيقِ المدمّرات، رسالةً “خامنائيةً” قاطعةً مفادُها أنَّ من جعلَ البحرَ سيفاً مُسلطاً على رقبة إيران، جُعلَ موجُهُ الفارسيُّ جحيماً يحرقُ أساطيلَه.
هكذا يجدُ صَحّافُ العصرِ “ترامب-كيشوت” نفسَهُ أسيراً لمعادلةٍ مُهلكة، فكلما أوثقَ عُقدةَ الحصار، اتسعت رقعةُ جَمرِ التحدّي تحتَ قدميه، لتغدو استراتيجيةُ الضغطِ الأقصى، مأزقاً أقصى يستنزفُ واشنطن وحدها، ويثبتُ يقيناً أنَّ غطرسةَ القوةِ حين تفتقرُ للرؤية والقُدرة، لا تحصدُ سوى الخيبة، وتدفعُ صاغرةً ثمنَ حماقاتِها في مياهٍ ورجالٍ لا يقبلون الترويض.
2026-09-08