تونس :هل اقتضت مصلحة البلاد إخفاء الملابسات الحقيقية لاغتيال الشهيد شكري بلعيد؟
بقلم أحمد الحباسى
يعدّ مفهوم الجريمة السياسية من أكثر المفاهيم القانونية غموضا و تعقيدا لذلك ظلت كثير من الاغتيالات السياسية منسوبة للمجهول و في بعض الأحيان وجهت أصابع الاتهام إلى من يعتقد أنه صاحب فكرة الاغتيال و من وفّر لها الأرضية المناسبة لتحصل و لكن هناك من يضغط على أحد الأزرار الخفية لتختفي كل الاتهامات و تذوب مع الوقت و تبقى عملية الاغتيال البشعة منسوبة للمجهول كل ذلك بداعي مصلحة الأمن القومي و البحث عن تلافى عمليات الثأر و الفوضى. تخفى الدول أسرار الجرائم السياسية مثل الاغتيالات و قتل المعارضين لحماية نفسها و ضمان استمرارها و تلتجئ الحكومات و من يملكون سلطة القرار إلى استراتيجيات معقدة و ممنهجة في محاولة متعمدة لطمس الحقائق و منع تسريبها إلى الرأي العام تحت أي ظرف . من هذه الإستراتيجية المعقدة فرض السرية التامة تحت بند الأمن القومي و هو الاتجاه الذي اعتمده الرئيس الراحل الباجى قائد السبسى عند وصوله للحكم سنة 2014 حماية لتلك العلاقة الآثمة التي لجأ إليها برعاية صديق السوء سليم الرياحى الذي نظم ما سمى بلقاء باريس بين البجبوج و مرشد الإخوان راشد الغنوشى .
بطبيعة الحال ، فعلت حركة النهضة بقيادة و تعليمات مرشدها المذكور كل شيء لوئد الخيط المتدلّى و ذلك الرباط العضوي الذي يجمع بين رئيس الحركة و من نفذوا عملية اغتيال الشهيد شكري بلعيد أمام منزله يم 6 فيفرى 2013 و تولى “قضاء نورالدين البحيرى ” بقيادة الوكيل العام للجمهورية السابق البشير العكرمى عملية إخفاء الأدلة و طمس كل خيوطها و محاولة لفت النظر عن حقيقة المسئول الأول الذي أمر بالاغتيال و هنا نتذكر ذلك ” الوثائقي ” الهجين و المقزز الذي أنجزته قناة الجزيرة تحت عنوان ” الصندوق الأسود : اغتيال شكري بلعيد ،من أراد إخفاء الحقيقة ؟” الذي حاول فيه أحد أزلام الحركة المدعو ماهر زيد توجيه أصابع الاتهام لزوجة الشهيد الأستاذة بسمة الخلفاوى بعد أن فشل ذباب الحركة على الفيسبوك في كل حملات تشويهها و النيل من سمعتها و هو تصرف بشع و قذر لا يصدر إلا على هؤلاء الملتحفين المزيفين برداء الدين و التقوى .لقد نجح البشير العكرمى في خطته لإبعاد الشبهة و الاتهام عن قيادة حركة النهضة و لم تنفع محاولة بعض الشرفاء الذين هالهم أن تطمس حقيقة الاغتيال فوضعوا جائزة مالية معتبرة قدره عشرين ألف أورو لكل من يدلى بمعلومات دقيقة تؤدى إلى مسار بحثي و قضائي جدي ينتهي بإيقاف المسئولين الحقيقيين عن الاغتيال لكن دون جدوى .
لقد ثبت بمرور الوقت أن الأمر لا يتعلق بانعدام الأدلة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد بل في تضافر الجهود القضائية و السياسية لطمس كل الأدلة المتوفرة و هنا لا بدّ من الإشارة إلى تورط وزير الداخلية السابق هشام الفوراتى في ذلك التصريح الشهير الذي نفى فيه وجود ما سمته هيئة الدفاع عن الشهيد شكري بلعيد ب ” الغرفة السوداء ” داخل الوزارة نفسها التي تم فيها إخفاء عديد الصناديق المليئة بالأدلة و القرائن و البراهين و التي تم حجزها لاحقا من أحد قضاة التحقيق الشرفاء مما أدى إلى إدانة بعض القضاة مثل البشير العكرمى و المسئولين في حركة النهضة مثل وزير العدل السابق نورالدين البحيرى و “محرر ” وثائقي الجزيرة المدعو ماهر زيد .ربما حاول قضاء حركة النهضة الإيحاء بأن حركة أنصار الشريعة بقيادة الإرهابي سيف الله بن حسين الملقب بأبو عياض هي من اتخذت لوحدها قرار اغتيال شكري بلعيد و لكن المتابعين يعلمون بحالة تبادل الأدوار بين هذه الحركة و حركة النهضة الذين يأتمرون بأوامر خارجية و يستدلون على عمق العلاقة بقيام وزر الداخلية على العريض بتمثيل مسرحية تهريب الرجل من داخل جامع الفتح وسط العاصمة في حركة بهلوانية أثارت سخرية المتابعين .
لقد تعهد الرئيس الراحل الباجى قائد السبسى في حملته الانتخابية الرئاسية سنة 2014 بكشف كافة ملابسات عملية الاغتيال و رغم تسلمه ملفا مدججا بالأدلة و الوثائق من عائلة الشهيد نفسها و رغم رئاسته لمجلس الأمن القومي و رغم كونه قد سبق له توجيه الاتهام السياسي إن لم نقل القضائي لرئيس الحركة راشد الغنوشى مباشرة و بمنتهى الوضوح في كل الاجتماعات الشعبية و رغم علمه المسبق بمدى حرقة الشعب التونسي الرافض لعملية الاغتيال و المطالب بكشف مدبريها فقد طغت الحسابات السياسية الضيقة و الأنانية الشخصية المقيتة على تصرفاته و قراراته مضيعا على الشعب فرصة تاريخية غير مسبوقة لكشف الحقيقة كاملة و إظهار الوجه التآمري الدموي التكفيري لحركة الإخوان بقيادة مرشد الشر راشد الغنوشى . ربما تحجج الرئيس الراحل بانعدام الصلاحيات لكن ذلك لم يكن مناسبا و مقبولا نظرا إلى أن تعهداته بكشف الحقيقة قد صدرت في ظل ذلك النظام الرئاسي الهجين لذلك اتهمه بعض السياسيين مثل الطاهر بن حسين بأنه فضل من باب الجبن السياسي و الأخلاقي الحفاظ على استقرار البلاد عبر التوافق و التحالفات السياسية الشيطانية مع راشد الغنوشى على خوض مواجهات كبرى محتملة مع قطيع الإخوان قد تفجر الأوضاع .
بطبيعة الحال ، لا أحد مطلقا كان ينتظر من محمد المرزوقى أو محمد الناصر أو قيس سعيد أن يفتحوا ملف الشهيد و يسعون لكشف الحقيقة كاملة و ذلك لأسباب متعددة تتعلق أساسا بأنه لا أحد منهم تهمه الحقيقة أو يجد أنها تستحق بعض العناء و المخاطرة و لعل الرئيس الراحل الباجى قائد السبسى قد اكتفى في عهده المليء بالهنّات و الشبهات بأضعف الإيمان حين خصص ساحة باسم الشهيد شكري بلعيد و أردف في خطاب تدشينها بالقول أنه يعتبر الزعيم اليساري المعارض هو زعيم الثورة التونسية و هى عبارات شعبوية جوفاء أريد منها إخفاء نكثه لوعده الانتخابي لكن التاريخ سيحفظ أن هذا الرئيس قد خان الأمانة و نكث العهد و هو الذي طالما شنّف الأسماع بكونه آخر رجال الدولة المحترمين . لقد خان الجميع الشهيد شكري بلعيد بمن فيهم كبار رفاق الدرب و بطبيعة الحال هناك منهم من يضع يده إلى اليوم مع قتلته و هنا نتذكر تلك المرثية السخيفة حين قال “الرفيق” حمة الهمامى و هو على أعتاب قبر الشهيد عبارته الشهيرة ” نم يا صديقي نم ” لتكشف الأيام كم تعرض الرجل للخيانة .
كاتب و ناشط سياسي .
2026-09-06