(حشداوي يا صيت سباع)
الشهيد يوسف حسين المعموري… حين يتحول الفقد إلى حكاية خالدة
للكاتبة انتصار الماهود
ليس الخلود بطول العمر، بل بترك الأثر الطيب، وأي أثر أطيب مما يتركه الشهيد؟
أعان الله من فقد الأحبة، وما يتركونه في القلب من غصة وحزن لا يغادر الأرواح. فمن منا لم يفقد عزيزا؟ ومن منا لم يطرق الموت باب منزله؟ ومن منا لم يغرق في أحزانه، ويستسلم لليأس الذي يغشى روحه؟
بعضنا ينهار أمام الحزن وألم الفقد، ومنا من يقف كالجبل الشامخ، صابرا، مؤمنا، محتسبا، كما هو حال أم يوسف وأبيه وأخته.
عوائل الشهداء تقدم لنا دروسا عظيمة في الصبر والإيمان، والتأسي بأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام. لذلك نقص عليكم قصص الشهداء وأهلهم، لنشاركهم الصبر، ونتعلم منهم القوة، وندرك المعنى الحقيقي للتضحية من أجل الوطن والعقيدة.
تخيلوا أن فتاة في ربيع عمرها، لم تتجاوز العشرين، تتحدث معي بقوة وصلابة لم أعهدها لدى كثير من بنات جيلها، وتقص علي قصصا عن أخيها الشهيد؛ كيف نشأت معه، وكيف كبرا سويا، ماذا كان يحب وماذا كان يكره، وكيف كان تعامله مع أهله وأحبته وحتى الغرباء.
وفي كل كلمة كانت تتحدث بها، كنت أرى الحسرة والحزن الدفين، لكنها بقيت قوية. كنت أرى فتاة أسلمت أمرها لله، وتوشحت بالصبر بدل الدموع.
كانت حزينة على فراقه، نعم، لكنها في الوقت نفسه كانت فرحة لأنه نال الشهادة، تلك المنزلة العظيمة التي لا ينالها كل أحد.
ولم لا؟ فهي تربت في عائلة تعرف معنى الاستشهاد، وتعرف المنزلة العظيمة التي أعدها الله للشهيد.
أي قلب هو قلبك يا صغيرتي؟ وأي قوة تعلمتها منك؟
تسترسل أخت الشهيد يوسف في الحديث عنه بقوة وعفوية، وتحكي عن حلمها في أن تخلد اسم أخيها، ليبقى حاضرا في الذاكرة، وتظل ذكراه حية لا تطويها السنوات.
تحدثت معي لساعات عن أحلامه وآماله، وكيف كان يخطط لمستقبله، حتى شعرت أنني أعيش معها تفاصيل حياة يوسف، وكأنني أعرفه منذ سنوات.
يوسف، أو “يويو” كما تسميه استاذته في الجامعة لأنها ترى فيه ذلك الفتى المؤدب والمدلل الذي كسب قلوب الاصدقاء والزملاء في الكلية ، كان الأخ الأكبر في عائلة نشأت على تربية دينية، وكان هم أمه وأبيه أن يكبر أبناؤهما محصنين عن كل ما قد يؤثر في هذا الجيل.
كانت أمه تقرأ سورة يوسف كل يوم، وسمته تيمنا بهذه السورة المباركة. ولم تكن تضعه في حجرها لترضعه إلا وهي على طهارة، لأنها كانت تريد أن يكون ابنها مباركا، مؤمنا، صالحا.
أما أبوه، فقد زرع فيه الطيبة والشجاعة والنخوة والانضباط، ليكون سندا لعائلته، وعونا لكل من يحتاج إليه.
كان يوسف طيبا، ولم يؤذ أحدا في حياته، ولم يتأخر عن مساعدة من يحتاج إليه.
شجعه والداه على الدراسة وحب العلم، فكان من التلاميذ المتفوقين في المدرسة. أكمل تعليمه الثانوي، ونال شهادة البكالوريوس من كلية التربية الرياضية والعلوم البدنية في جامعة بغداد.
كان يهتم بلياقته وصحته، وما بين التمرين والمنزل والواجبات، كانت تمضي حياة يوسف.
نعم، لم تكن حياته صاخبة كحياة كثير من الشباب في عمره، فقد كان خجولا جدا، هادئا، وقريبا من عائلته.
لكن حلم يوسف لم يكن يتوقف عند حد معين. كان يريد أن يصبح ضابطا مثل والده، لذلك قدم أوراقه إلى الكلية العسكرية أكثر من مرة.
وكان يقول لأهله: “هذه آخر مرة أقدم، وإن لم أنجح، سأقدم أوراقي للدراسات العليا”.
وسبحان الله، شاءت الأقدار أن يقبل في آخر مرة تقدم فيها إلى الكلية العسكرية، الدورة 90.
هل تعرفون متى كان موعد التحاق يوسف بالكلية العسكرية؟
نعم، كانت صبيحة استشهاده.
وكما قرأتم، فقد قدم يوسف أوراقه مرات عديدة، ولم يحالفه الحظ في القبول، إلا في المرة الأخيرة، التي جاءت قبل استشهاده بساعات.
التحق يوسف إلى قاطع الأنبار في ثاني أيام عيد الفطر، الذي صادف يوم 22 من آذار عام 2026، وكانت تلك آخر مرة يودع فيها أمه وأباه وأخته.
وكعادته، أعد حقيبته، وأعد الحقيبة التي كان من المفترض أن يأخذها معه للمقابلة. كان على بعد يومين فقط من تحقيق حلمه الكبير.
لكن الوضع في المنطقة كان متوترا أصلا، بسبب التهديدات وتصاعد الحرب الغاشمة على إيران.
وفي ليلة استشهاده، ليلة الثلاثاء التي صادفت الرابع والعشرين من آذار عام 2026، اتصل به أحد أصدقائه، وطلب منه ألا يلتحق، قائلا إن الغد هو يوم تحقيق حلمه بأن يصبح ضابطا مثل أبيه، فما الحاجة إلى الذهاب للواجب والتعرض للخطر؟
وقال له بالحرف الواحد: “يوسف، أخاف يقصفوكم”.
كانت تلك مخاوف صديقه، أما يوسف فأخبره بأن روحه ليست أعز من أرواح رفاقه، ولا من روح عمه.
وعقب على كلامه قائلا: “شفايتلي استشهد”.
وكان فعلا لا يفارق، الشهيد القائد سعد دواي البعيجي. كان كظله الأمين، حتى في الاستشهاد، كان رفيقا لقائده.
في تلك الليلة المشؤومة، تعرض مقر الحشد الشعبي في الأنبار إلى قصف صهيوني غادر، راح ضحيته عدد من أبنائنا المجاهدين، الذين ارتقوا شهداء في سبيل الوطن والعقيدة، العقيدة التي كانوا يدافعون عنها ويتمسكون بها حتى آخر لحظات حياتهم.
وبعد القصف، ووصول الخبر إلى أهله، بين اليقين والشك خاصة بعد خبر إصابة عمه مدير أمن حشد الانبار القائد حيدر قيصر المعموري، كانت أمه تتمسك بخيط الأمل عسى أن يكون مصابا كعمه ولم يستشهد ، لكن ذلك الخيط الذي انقطع مع أول خيوط الفجر.
ومع إشراقة صباح التحاقه بالكلية العسكرية، تم العثور على جثمان يوسف بين أنقاض المقر.
ها هو يوسف يودع الدنيا، ويودع معها حلمه الذي لم يتحقق.
يوسف لم يتزوج، ولم تفرح أمه بتخرجه من الكلية العسكرية، ولم يكمل الدراسات العليا كما أحب، ولم يفرح مع أخته بنجاحها، ولم يفرح أبوه بحمل أول حفيد له.
انتهت حياته، وانطوت صفحته، كما تنطوي أوراق الكتاب، لكن حكايته بقيت مفتوحة في قلوب من عرفوه وأحبوه.
شُيع جثمان يوسف إلى مثواه الأخير في روضة الشهيد المهندس، ودُفن بجوار قائده، الشهيد سعد دواي البعيجي.
حياة بدأت في الثاني والعشرين من شباط عام 2000، وانتهت في الرابع والعشرين من آذار عام 2026.
وما بين هذين التاريخين، عاش يوسف حياة استثنائية. لم تكن صاخبة، لكنها كانت حياة معطاءة، مليئة بالمحبة والطيبة والانضباط والشجاعة.
أيام عاشها يوسف، لكنها تركت في قلوبنا بصمة جميلة لن تمحى.
رحل يوسف، لكن اسمه بقي، ورحل الحلم، لكن سيرته بقيت شاهدة على شاب اختار أن يكون سندا لأهله ورفاقه، فكان وفيا لهم حتى اللحظة الأخيرة.
سلام على يوسف يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيا مع أصحاب الحسين عليه السلام
2026-09-02