الانتخابات الاسرائيلية وانعكاسات مأزق نتنياهو!
اضحوي جفال محمد*
بعد أقل من شهرين تجرى الانتخابات الاسرائيلية العامة، ولأول مرة منذ اندلاع الطوفان لا تمنح استطلاعات الرأي نتنياهو افضلية. لقد خاض الحرب بالطريقة التي رأيناها، فحقق الكثير وخسر الكثير. ولعل أهم خساراته التي ستلاحقه تاريخياً أنه تسبب بالتحوّل الاستراتيجي داخل الرأي العام الأمريكي. فخسران أمريكا يعني في الحسابات الاسرائيلية امكانية زوال هذا الكيان غير الطبيعي.
اندفع نتنياهو في الحرب ودفعها لأقصى مدى ممكن لأسباب يشوبها العامل الذاتي لشخص باتت الحرب ملاذه الوحيد من شبح الملاحقات القضائية والسياسية التي قد تفضي به إلى السجن. فتحتَ غطائها رفض بإصرار تشكيل لجنة تحقيق في احداث السابع من اكتوبر رغم كثرة المطالبات بها فضلاً عن أنها عرف اسرائيلي متّبع بعد الاحداث الكبرى. وتحت غطائها، أعني الحرب، ظل يتهرب عن المحاكمات التي تنظر في فساده، ويماطل والحرب ذريعته الوحيدة في المماطلة. وتحت غطائها راح يؤجل القرارات التي ستؤدي إلى الصدام الداخلي مع الحريديم.
الان أقبلت الانتخابات ومعها نُذر التغيير وانقشاع الحصانة. لقد حاول ترامب مراراً التوسط له عند رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ لاصدار عفو، والان يبدو ان ترامب غير مكترث بهذا الأمر لشعوره بأن نتنياهو أوقعه في حرب خاسرة مع ايران. هكذا فكر نتنياهو بأن يصبح هو الرئيس إذا خسر رئاسة الوزراء، فيكون بذلك مثل القافز من سفينة تغرق إلى قارب نجاة، ويسلك سنّة ترامب في العفو عن نفسه. غير انه لم يستسلم حتى الان للفشل ويحاول لعب كل الأوراق الممكنة للاحتفاظ بالمركز الاول، رئاسة الوزراء. وجميع الأوراق التي أمامه خارجية، ولسوء حظ النظام السوري الجديد أنه الورقة شبه الوحيدة القابلة للاستعمال.. فغزة ولبنان استقرتا على حال لا يسمح له بالاستفادة منه. تدمير غزة إذا كان له ان يعتبره انجازاً فقد انجزه منذ زمن طويل، وإضافة مزيد من الدمار لن يؤثر على قرار الناخب الاسرائيلي. وأهم انجاز له في لبنان اختراق البيجر، واغتيال قادة المقاومة، وتلك أشياء ذهبت وتم التفاخر بها إلى درجة ان تكرارها الإعلامي شكل من الافلاس.
هنا تبرز الورقة السورية كقضية بِكر لم تأخذ حقها من الاستنزاف السياسي. وهذا ما يفسر ارتفاع حدة التحرش العسكري والإعلامي بسوريا. يريد نتنياهو مكسباً ملموساً مع سوريا يستثمره قُبيل الانتخابات لعله يضيف نقطتين او ثلاث هما الفارق بينه وبين المتقدم في استطلاعات الرأي أيزنكوت زعيم حزب (يشَر).
توجد تفاهمات مع الحكومة السورية تم التوقيع عليها في باريس قبل ثمانية اشهر. وفي حينها ارتأى الطرفان ان مضامينها أهم بكثير من التطبيل الاعلامي لها، لذلك لم يُسلط عليها الاعلام. أما الان فإن التبجح الانتخابي بها لا يقل اهمية عند نتنياهو من التفاصيل المتحققة، ويحاول إرغام الشرع على تحويلها إلى مراسم تملأ الدنيا ضجيجاً قبل السابع والعشرين من اكتوبر موعد الانتخابات.
المشكلة التي تعرقل رغبة نتنياهو ليست الشرع ذاته او حكومته، فمنذ ان انتقلت الاتصالات بين الطرفين إلى العلن لم يعد التوقيع على اي وثيقة محرجاََ لدمشق اكثر من حرج الإعلان عن اللقاءات المبكرة في باكو وباريس. لا سيما وان التفاهمات حاصلة سلفاً والثمن مدفوع. فهذا الدعم الذي تقدمه واشنطن للشرع هو ثمن التنازلات التي يتهرب عن التوقيع عليها الان في مراسم احتفالية.
الاعتراض يأتي من تركيا وليس من دمشق. فتركيا لم تقبض الثمن الذي تعتقد انها تستحقه في سوريا، لذلك تضع العصي في دواليب العجلة. والحقيقة ان اصرار إسرائيل على إقصاء تركيا كلياً عن المشهد السوري يترك في صدر اردوغان غلة يصعب تجاوزها. فالذي بقي له من كل الطبخة الشهية مجموعة فصائل مصنفة على قوائم الارهاب ويتدارس المعنيون بما فيهم الشرع أفضل الوسائل للتخلص منها.
قبل يوم من الغارة الأخيرة على مطار ابو الظهور حصل تواصل مباشر بين الشيباني ورئيس الموساد غوفمان. وأطلع الشيباني وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على فحوى حديثه مع الموساد الاسرائيلي، ولم يطلع الشرع. وكان مقدراً للأمر ان يمر بهدوء كما تمر أشياء كثيرة لولا ان غوفمان اعلن عن الاتصال بعد ان تمت الضربة، فاستشاط الشرع غضباً وربما أوجس خيفة من حصول تحركات بهذا المستوى دون علمه! وحصلت مشادة بينه وبين الشيباني. ولا نستبعد ان تؤثر تعقيدات المشهد الداخلي السوري على وجهة الاتفاق مع اسرائيل. فوزير الدفاع الاسرائيلي (يسرائيل كاتس) وقف على قمة جبل الشيخ المطلة على دمشق، بعد الغارة على ابو الظهور، وقال: نريد من الشرع كلما افاق صباحاََ وفتح النافذة ان يرى جنودنا فوقه.
هذا الضغط يراد منه الحصول على تنازل قبل الانتخابات، وهو تنازل شكلي لأن الاتفاق فاعل عملياً والمخابرات الاسرائيلية إضافة إلى الأمريكية تعمل داخل سوريا على اوسع نطاق وبتنسيق وتسهيل من السلطات في دمشق. ولأن القضية تمس مستقبل نتنياهو شخصياً فالمتوقع ان ترتفع وتيرة الضغط لابرام اتفاق ربما خلال تواجد الشرع في نيويورك بعد ثلاثة اسابيع. والا فإن الارادة التركية تكون نجحت في تعريض حياة الشرع للخطر.
( اضحوي _ 2431 )
2026-08-29