مع تركيا لا حاجة لعدو !
بقلم أحمد الحباسى*
تركيا رجب أوردغان ليست مع قضايا العرب و لا مع القضية الفلسطينية و لا مع الإخوان و لا مع ما سمى بالربيع العربي ، تركيا و باختزال شديد مع نفسها و مع طموحاتها التوسعية و مع كل ما يؤدى لإضعاف الدول العربية دون استثناء و هي لم تدخل ما يسمى بإعلان مكة المتعلق بتوقيع إعلان التعاون الإستراتيجي بينها و بين نظام آل سعود و نظام الجنرالات في باكستان إلا لغايات لئيمة معينة لا تخفى على المتابعين . البداية السيئة للعلاقات التركية العربية ليست وليدة اليوم بل البداية كانت مع تبنى حزب العدالة و التنمية لما سمى بالإخوان المسلمين و دعمها المباشر لهذه الجماعات المتعطشة لسفك الدماء للوصول للحكم . الجميع أدرك فيما بعد أن التوجه التركي قد تسبب في دمار دول و رحيل أنظمة و أتساع رقعة الخراب و القتال و المثال الليبي لا يزال شاهدا على المؤامرة التركية و النزعة الاستعمارية التوسعية لحزب العدالة الذي يحكم تركيا بالحديد و النار .
ماذا نسمى هرولة تركيا لتوقيع هذا الإعلان في هذا الوقت بالذات ؟ بطبيعة الحال النوايا التركية من إبرام مثل هذا الاتفاق الصوري و الغير الواقعي و الصعب التنفيذ هو الأخذ بخاطر النظام السعودي الذي تعرضت بلاده للقصف الإيراني بداعي كونه يسمح للقواعد الأمريكية المنتصبة فيه بالهجوم على إيران ذلك أن هذا النظام قد أكتشف و لو متأخرا أن المتغطي بالأمريكان عريان و أن هذه القواعد لم تقدر لا على مواجهة عاصفة الصواريخ الإيرانية و لا حماية الدولة و ضمان استمرار تعاملها النفطي مع الخارج بما يشكل ضربة قاصمة للسياسة الاقتصادية السعودية . لقد جرى الحديث أن النظام السعودي قد فكر بجدية تامة في الدخول في حوار مع الصين في محاولة لإيجاد كيفية منطقية تحمى المملكة و تطمئن النظام على مصير بات يطرح أكثر من علامة استفهام و الظاهر أن الرئيس الأمريكي المتغطرس قد وضع حدا لهذا التمشى بإطلاق تهديدات مباشرة لولى العهد السعودي الذي طالبه الرئيس منذ فترة بأنه عليه أن يمسح له مؤخرته إذا أراد البقاء .
تدرك تركيا أن النظام السعودي يواجه مشكلة اطمئنان على مصيره من التلاشي و يدرك رجب طيب أوردغان أن هناك فرصة ذهبية للدخول إلى تحالف و لو على الورق بإمكانه أن يوفر له كثيرا من المساعدات السعودية و بالذات دعما سياسيا مباشرا لمشروعه الحلم في قضم جزء كبير من الأراضي السورية مستغلا حالة الهوان و التردي التي يعانى منها النظام السوري الذي يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه من نصّبه لخدمة بعض الأهداف القذرة تماشيا مع النيات التوسعية للكيان الصهيوني . إن النظام التركي قد بات على علم أن صمود النظام الإيراني في وجه قوتين نوويتين الولايات المتحدة الأمريكية و الكيان الصهيوني و ربما انتزاع اتفاق متوازن فى القريب قد يجعل من إيران قوة لا يستهان بها و إن مسارعته لإمضاء هذا الاتفاق قد يفهم من الجانب الإيراني على أنه محاولة ثلاثية لخلق ظروف مواتية للتفاوض و الاتفاق على شكل النظام الأمني الخليجي القادم بعيدا عن الهيمنة الأمريكية و تسهيلا للتخلص من كل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة . تركيا تدرك أن الحرب الإيرانية الأمريكية الصهيونية قد خلقت متغيرات مهمة و واقعا جديد لم يكن متوقعا و هي بإمضاء هذا الإعلان تريد أن يكون لها مكان فى هذه المتغيرات و هذا الواقع الجديد .
أين يقف الكيان الصهيوني في هذه المعادلة الغامضة و هو من كان أحد الأسباب الفاعلة في إيجادها بهذا الشكل و هو من يدرك أن ضرب القواعد الأمريكية في الخليج من طرف إيران و هي القواعد التي كانت تؤدى دورا فاعلا في حماية طرق الطاقة قد خلق واقعا جديدا ؟ . أين تقف مصر من تحالف الأوقات الصعبة الممضى في مكة و هل ستظل على الحياد رغم كل محاولات أنقرة و الرياض لضمها للمحور الثلاثي و هل لا زالت مصر تحرص على تجنب الدخول في تحالفات عسكرية بما يعنى ذلك من التزامات قد تربط قراراتها الإستراتيجية و تقيد تحركاتها بشكل كبير خاصة أن نزوات الإدارة الأمريكية قد خلقت كثيرا من المشاكل المتشعبة في منطقة تعانى أصلا من التفكك و المؤامرات و الدعوات إلى الانفصال كما يحدث في سوريا و العراق؟ . إن مصر تدرك أن تركيا و رغم ما تبديه منذ فترة من مشاعر التقرب و الود تلعب لعبة خطيرة لتطويقها خدمة للتحالف الاستراتيجي مع الكيان و الولايات المتحدة الأمريكية و تواجدها بليبيا و السودان مؤشر واضح على ذلك .
إذا سلمنا بأن النظام التركي هو وريث نزعة استعمارية توسعية وحية ساهمت بشكل كبير في زعزعة الأمن في المنطقة طيلة عقود فمن المؤكد اليوم أن الطموحات التوسعية التركية قد باتت بلا حدود و لا سقف و ما يحدث في سوريا مثال معبر و لعل رجب طيب أوردغان قد وجد في الرئيس الأمريكي المجرم دونالد ترامب الشخص الذي سيجعله ينفذ أحلام الإمبراطورية العثمانية القديمة . الواقع الذي لا يجب إغفاله اليوم أن دول الخليج التي هرولت في البداية طلبا للحماية الأمريكية بإنشاء القواعد العسكرية على أراضيها و اكتشفت الآن أنها لا تصلح ثم هرولت في اتجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني تاركة غزة تعوم في الدم لتكتشف أنها ارتكبت خطيئة بلا مقابل قد ظنت أن التحالف مع عدو تركي خبيث هو أقوم المسالك لحماية أنظمتها المترهلة لكنها ستدرك قريبا أن الفكر الاستعماري لحزب العدالة و التنمية أخبث من أن يسعى لحماية هذه الأنظمة المتكلسة خاصة أن احتقار الإدارة الأمريكية لهذه الأنظمة الفاسدة قد بات صريحا و معلنا و لذلك سينتهز الفرصة لجني أكثر ما يمكن من الغنائم من هذه البقرة الحلوب السعودية .
كاتب و ناشط سياسي .
2026-08-22