كل رجال بونابرت…!
مهدى مصطفى
يا إلهى، متى حدث هذا؟
يقال إن نابليون بونابرت كان يحتقر العملاء، حدث هذا أثناء حملته المشئومة على مصر 1798، قربهم فى البداية، أغدق عليهم الأموال، وضعهم فى المناصب، ثم لفظهم فى النهاية، حين انتهت الوظيفة أو تمردوا على الجاسوسية، لفظهم مثل الحيوانات الموبوءة، استنكف أن يصافحهم، طوح لهم بكيس المال فى الهواء بعيدا، ركضوا ليتلقفوه من فوق الأرض، وهم صاغرون، وعلى وجوههم ابتسامة بلهاء من فرط السعادة، وكان التاريخ يقتلعهم كأعشاب ضارة، فما بال ما يحدث الآن؟
تلك صورة كاريكاتورية للخيال الشعبي، لكنها أقرب للحقيقة.
كان لبونابرت خطابان، خطاب ينافق فيه المصريين، وآخر يرسله سرا إلى باريس، يناقض فيه ما يفعله مع أهل المحروسة، ويقول إننى أستعين بهم كماصين للغضب الشعبى، ومبررين للاحتلال، وإقناع الجماهير بجدوى الحملة المباركة التى سوف تخلصهم من العثمانيين والمماليك.
فى رسائله السرية تلك، وقد اعترضتها السفن البريطانية والتركية، يكشف عن موقفه الكاره لكل الذين تعاونوا معه، حتى أولئك الذين جعل منهم مجلس حكم انتقالى تحت عنوان “ديوان القاهرة” ثم الديوان العام، واختار لهذه الدواوين المتعددة نخبة من المصريين، منهم شيخ أزهر، ونقيب أشراف، وكبير متصوفة، ومعلمو فيالق وجامعو ضرائب، على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ عبد الله الشرقاوي، والشيخ محمد السادات، والشيخ محمد المهدي، واستعان بالمعلم يعقوب، والمعلم جرجس الجوهري، وغيرهم من الشخصيات الإقطاعية، وكان يخدعهم بأنه جاء ليحررهم من العثمانيين والمماليك، لكنه اقتحم الأزهر بالخيول بعد ثورات القاهرة المتمردة، وطارد الشيخ السادات، وهكذا فعل مع الجميع، وأوصى كليبر الذى خلفه فى حكم مصر أن ينتهج نفس الأسلوب، وأوصى خلفه الثانى مينو أن يشهر إسلامه، وقد نشرت الخطابات السرية إلى باريس، وعرف الناس ما فيها من كلام مزدوج.
بونابرت لم يتوقف عند النخبة، بل كان له حراس فى الصحارى من العربان لحماية جيشه الغازي، وله بصاصون فى الأسواق والمقاهى ينقلون له الأخبار، كما يقول عبد الرحمن الجبرتى!
رأيناهم فى غزو العراق، أقنعوا الرئيس الأمريكى جورج بوش الابن بغزو بلادهم، وهل يمكن أن ننسى كنعان مكية، ورند رحيم فرانكي، وحاتم مخلص، والثلاثة من أصول عراقية، كانوا يعيشون خارج البلاد منذ سنوات طويلة، ولم يعانوا الحصار والجوع، لكنهم من خلف مكاتبهم الأنيقة، فى عواصم غربية مترفة، دعوا إلى غزو بلاد الرافدين.
قال مكية، مؤلف كتاب “جمهورية الخوف”: إن العراقيين سوف يستقبلون القوات الغازية بالزهور والحلوى، ثم ندم عندما رأى الفوضى والخراب، وقد نكص المحافظون الجدد: ديك تشينى ورامسفيلد وبول وولفويتز بوعودهم معه، فكانوا يرغبون فى جعل العراق الولاية الـ51، بعيدا عن أحلام مكية، بينما كان لأحمد الجلبى الدور البارز فى إقناع أمريكا بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل التى ثبت أنها كذبة خرافية، وكذلك فعل إياد علاوى الذى أقنعت جماعته بريطانيا وتونى بلير بأن العراق يملك أسلحة تستطيع نشر أسلحة الدمار الشامل خلال 45 دقيقة.
رأينا أحفادهم فى 2011، فى تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، البلاد التى وضعوا أعينهم عليها بعد ثمانى سنوات من غزو العراق، وكان بوش يقول إن مدافع الديمقراطية سوف تقصف من بغداد منطقة الشرق الأوسط، وقد فعل مع تعديل المصطلح، بأن جاء خلفه باراك أوباما بما يسمى الربيع، مطبقا نظرية كوندوليزا رايس الفوضوية، ومثلما جرى فى العراق كان هناك ألف كنعان مكية فى بلاد الربيع.
وكان التاريخ يحفظ أسماءهم فى الهوامش، يستنكف أن يسجلهم فى المتن، لكن الوضع تغير الآن، صاروا يفخرون، ويسخرون من الذين يدافعون عن الثغور، بل تقدموا أميالا على أحفاد رجال بونابرت، ووصموا الذين يغرقون فى الرمال الحارة دفاعا عن الوطن بالمتخلفين.
فى كتابه “معذبو الأرض”، يفتح فرانتز فانون، عالم النفس والفيلسوف النادر، بابا عظيما لندخل منه إلى عالم هؤلاء، هم يقعون فى محبة جلادهم الأول، يتمسحون فى أعتابه، يقلدونه، كانوا ضحايا فأصبحوا جلادين، وهكذا فى رحلتى الطويلة تعرفت إلى بعضهم وقد اصطفوا مع الجلاد العالمى ضد شعوبهم.
الحق أقول إن عملاء بونابرت كانوا أكثر حياء، وقد تمرد بعضهم، أما الآن فهم يفخرون بما يفعلون، يكتنزون المال ويعرفون طريق الجاه، يتحدثون بثقة حراس المعبد، يصمون من لديه بعض التمسك بتراب الأوطان بالتخلف، يسخرون من الأناشيد التى صاغها وجدان الشعوب.
فمتى حدث هذا، وقد تناسلوا كالفطر، وتقدموا صفوف الناس؟
2026-08-21