بؤرة التغيير داخل النظام السياسي الامريكي!
اضحوي جفال محمد*
يمر النظام السياسي الأمريكي الان بإرهاصات تحوّل جوهري لم يشهده منذ ان استقر شكله الحالي قبل زمن طويل. ولا غرابة ان يقترن التحول الداخلي مع التحول الخارجي في نشوء نظام عالمي جديد، فالدول الكبرى التي تقود العالم قلما تنجو من حركته. حتى عندما تحتفظ هياكلها المؤسساتية بشكلها الظاهري يحصل التغيير في روحها وتقاليدها. فالدستور الأمريكي الحالي موجود منذ قرنين او يزيد لكن التحولات تحت غطائه حصلت اكثر من مرة، آخرها العقد المجتمعي الجديد في عهد روزفلت في مواكبة لآفاق النظام العالمي قبيل الحرب العالمية الثانية.
النظام الأمريكي القائم، نظام الحزبين، لم يتغيّر ليس لأن الحزبين قادران على استيعاب كل نشاط المجتمع بل لأن القوانين الدستورية مصاغة بطريقة لا تسمح بصعود حزب جديد. إلى درجة ان الحزبين في مرحلة ما قبل ترامب تحولا إلى حزب واحد من الناحية العملية، لا يختلفان إلا في التفاصيل غير السياسية، ومع ذلك لا يجد الناس متسعاً خارجهما للتطلعات التي يضيق عنها النظام. وفي مثل هذا الحال تبتكر الشعوب أساليب جديدة للتعبير عن مواقفها وإرادتها مع بقاء الهياكل على حالها.
لقد بشّر إيلون ماسك في العام الماضي بتأسيس حزب جديد، أطلق عليه (حزب امريكا)، مراعياً الصعوبات القانونية التي تعرقل قيام حزب جديد. يحاول ان يصبح ملاذاً لكل من يعجز الحزبان التقليديان عن استيعابه. لم يفعل ماسك ذلك لمجرد رغبته الشخصية في تصدّر السياسة الأمريكية وانما لادراكه بأن لحظة التغيير قد حانت، فقرر انتهازها كرجل أعمال تسلق سفوح الاقتصاد بانتهاز الفرص حتى بلغ القمة.
المسألة الأمريكية أعمق بكثير من وجود حزبين راسخين ويحاول من يحاول بناء حزب ثالث إلى جانبهما. انها مرحلة تحوّل تاريخية ستعيد شكل الانقسام الاجتماعي بما يقسّم الحزبين كليهما، وربما الحزب الثالث ايضاً إذا قُدّر له ان يولد. الانقسام المستجد أفقي، لا يتعلق بشكليات وثانويات الأمور. هو انقسام قيمي يطال الحزبين كليهما.
فعلى سبيل المثال لا توجد خلافات داخل الطبقة القيادية في الجمهوري والديمقراطي من إسرائيل والفلسطينيين، انهما يتنافسان على كسب رضا الصهيونية. وكان ذلك سائداً على امتداد الوسط السياسي المحصن ضد أي كلمة تنال من إسرائيل. الان ظهرت حركة داخل الحزبين معاََ ترفض علناً هذا الدعم الهائل لإسرائيل، وتدين جرائمها بحق الفلسطينيين. قد تكون اوسع داخل الحزب الديمقراطي بسبب تركّز الملونين فيه إلا انها موجودة ايضاً داخل الجمهوري إلى درجة ان نائب الرئيس راح يكرر نقده لنتنياهو ويوشك ان يجعل من هذا النقط قضية انتخابية يواجه بها منافسه في التمهيد لانتخابات الرئاسة (ماركو روبيو) وزير الخارجية.
السياسيون المخضرمون في كلا الحزبين يقفون صفاً في مواجهة حركات مستجدة داخل جمهوريهما بدأت تفرز قيادات جديدة تطرق ابواب البرلمان وتحصد التأييد الشعبي وتتسع بشكل لا يستطيع القادة التقليديون تجاهله. ولعل حركة الاشتراكيين الديمقراطيين التي يقودها السناتور بيرني ساندرز، والتي أفصحت حتى الان عن زهران ممداني وعبدول وآخرين عديدين هي المعبّر عن هذا التوجه.
عندما ظهر ترامب كمرشح لأول مرة عام 16 كان بشعبويته نشازاََ على سياقات الحزب الجمهوري. وأعلن جمهوريون كبار أنهم لن يدعموه حتى لو ترشح رسمياً عن الحزب. غير أنه فرض نفسه من خلال المؤتمرات الانتخابية للجمهوريين وبات الحزب الجمهوري ملزماً بالالتفاف حوله او منح منصب الرئاسة للديمقراطيين مجاناً.. وهكذا التفّوا حوله وفاز. وهو ما يشبه تماماً وضع عبدول السيد الديمقراطي في ميشيغان. لقد وقف قادة الديمقراطي بقوة ضد منحه بطاقة الحزب للترشح في حين وضع الآيباك كل ثقله وراء منافسته هيلي ستيفنز.. ومع ذلك نجح وفشلت، وأصبح لزاماً على الديمقراطيين الاصطفاف وراءه لأن البديل سيكون اهداء مقعد الولاية في مجلس الشيوخ للجمهوري مايك روجرز!. انها قواعد الانتخابات الأمريكية يتخللها من يجيد هذا الفن ويرغم اعداءه والكارهين له على دعمه.
عبدول تكرار لظاهرة ممداني مع فارق واحد وخطير وهو أنه يمتلك حق الترشح في انتخابات الرئاسة القادمة، وهو ما لا يتمتع به ممداني كونه مهاجراً. لهذا السبب ارتعب ترامب ونائبه جي دي فانس، وأطلقوا منذ الان حملة التشويه له، وقال فانس مستفظعاََ: ماذا لو اصبح عبدول_ لا سمح الله_ رئيساً لأمريكا بعد سنوات!!.
خطة ماسك في انشاء الحزب الثالث لا تطلب المستحيل بأن يكون له اعضاء في الكونغرس يماثلون احد الحزبين القائمين، وانما تتوقف عند حدود الحصول على بضعة اعضاء في كل مجلس ليصبحوا بيضة القبان في اصدار او منع القوانين الخلافية والتي عادةً تقر او تسقط بفارق صوت او صوتين. هذه الحالة قد يحققها الاشتراكيون الديمقراطيون قبله وخلال الانتخابات النصفية بعد 81 يوماً. فحصولهم على بضعة مقاعد في الكونغرس يضع قيادة حزبهم في ورطة، لأن عليها مراعاة موقفهم في قضايا شديدة الحساسية او الاستسلام لما يمليه الجمهوريون.
ولقد زارت المرشحة السابقة لانتخابات الرئاسة كامالا هاريس عمدة نيويورك زهران ممداني بحثاً عن دعمه لترشحها من جديد، وهذا بحد ذاته يعكس الحجم المتنامي لدور هذا التيار الصاعد في الساحة الأمريكية. ونكمل الحديث بعد انتخابات التجديد النصفي.
( اضحوي _ 2427 )
2026-08-14