التاريخ بين الشاهد والشهيد .رحلتي مع المولي الصدر العظيم ..!
الدكتور سعد محمود المسعودي
أنا شاهدٌ حيّ، وتاريخٌ نسجَته المواقف والأحداث في زمن السيد الشهيد المولى المقدس آية الله العظمى محمد محمد صادق الصدر، رمز المقاومة والتنوير، وركن الإيمان، ومرجع المساكين والمستضعفين. إن حبه لعمقه التاريخي والعقائدي لا يُختزل بمقال، وقد كتبتُ عنه الكثير وذكرتُ مواقفه في كثير من المجالات، وزُيّنت خُطبه بحروف من ذهب من حيث النقل والتدقيق والتحقيق المعرفي ضمن الاختصاص، وعايشتُ الكثير من الشهداء وتضحياتهم في عصره الأنور.
كنا في نفق الخوف والظلم، وقد أضاء طريق الحق بتواضعه وجرأته، ورفع الخوف عن أهل العراق بطريقة استمال بها الملايين، وكل هذا جاء عن طريق كربلاء الطفوف، فكل ما لدينا اليوم هو من طريق كربلاء ونهج الثورة الحسينية العظيمة.
أول ما رأيته كان قرب ضريح الإمام علي (عليه السلام)، كأنه كوكبٌ دُريّ يجذب القلوب بهيبته وزهده. لامست يده الشريفة رأسي، وكان معي أخي المرحوم الفقيد أبو محمود، فوضع يده أيضاً على رأسه. كنتُ أشكو له صداعاً في رأسي لا يفارقني، فابتسم قائلاً، ورفع يده الشريفة وأشار إلى مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) بكلمة طيبة تدخل القلب بلا استئذان: “رعاكم الله وعافاكم بحق أمير المؤمنين (عليه السلام)”.
أسس الكثير من المدارس ونشر العلوم والمعارف رغم مضايقات البعثية والعفالقة والأدنياء والمنافقين ومن سار على شاكلتهم، لم يُبالِ بالموت، وله نهج كربلائي لا يُجارى.
ثم أسس جامعة الصدر، ليست مدرسة فحسب، بل منارة ثقافة وأخلاق، تجمع المثقفين ليقاوموا الطغيان بالوعي، وفيها نوع من الطلاب المميزين الثابتين على خُطاه.
ثم دعا إلى التجديد وإقامة صلاة الجمعة، فالتفّ حوله الشباب، وتحدى الإمبريالية والاستكبار العالمي من على منبر الجمعة الخالد، بكلمات اختزلت نية مذهب التشيع بأسره ومعرفة ما يدور في خلده:
*_كلا كلا أمريكا،
كلا كلا إسرائيل،
كلا كلا استعمار،
كلا كلا استكبار،
نعم نعم للإسلام._*
فلم تكن كلمات فحسب، بل كانت العقيدة الراسخة التي بنى من خلالها الجمهور الرافض للصهيو-أمريكية رعاة الإرهاب والفوضى، ورفض التطبيع بكل أشكاله وألوانه، وهو القائل: “إن أمريكا وإن زعمت سيطرتها على العالم وكأنه القرية الصغيرة كما يعبّرون، إلا أنها لن تستطيع إزالة إيمان المؤمنين”.
حضرتُ الجمعة الأولى في الناصرية وخطب بها الشيخ العَلَم الشيخ أوس الخفاجي، وباقي الجُمَع كانت في الكوفة.
وفي خطبته الأخيرة في مسجد الكوفة، في 19 شباط 1999، دعا الجميع إلى التوبة وحذّر السلطة من قتله بين المصلين، فعلمتُ أن الوداع قد اقترب.
استُشهد مع ولديه، لكنه ترك إرثاً خالداً.
سألته رضوان الله عليه يوماً عن زوال الطاغية، فأشار إلى كربلاء قائلاً: “كلنا على هذا الطريق”. وسألته عن التقليد فأجابني: “حبيبي، قلّد واسكت، فإن تقليدي رزق ساقه الله إليكم”.
يا سيد الحق، علمتني أن النور ينبع من الإيمان والعزم والمواجهة والصبر والثبات والصمود والشموخ والشجاعة، وما زلتُ سائراً على نهجك في رفض قوى الاستكبار بكل أشكالها وألوانها وأطيافها، ولن نكون للظالم عوناً، والسلام على عباد الله الصالحين.
العراق
2026-08-03