بيرنهام يتسلم مقاليد السلطة في بريطانيا
حكومة “ملك الشمال” تواجه خيارات اقتصادية وجيوسياسية حاسمة
يتسلم أندي بيرنهام المنصب التنفيذي الأهم في بريطانيا ضمن لحظة تاريخية فارقة، ساعياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وضبط الدبلوماسية الخارجية، فيما يبدو فرصة أخيرة لضمان استمرارية حزب العمل الحاكم في السلطة
سعيد محمد*
باشر أندي بيرنهام مهام المنصب التنفيذي الأهم في المملكة المتحدة خلفاً للسير كير ستارمر كسابع رئيس للحكومة منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، معلناً إطلاق مرحلة سياسية جديدة تستهدف إعادة بناء الثقة الوطنية وبث روح الأمل والعمل لتحقيق الغايات المشتركة بين المواطنين عبر برنامج حكومي يضع تخفيف أعباء المعيشة وتثبيت الاستقرار الاقتصادي في صدارة الأولويات الوطنية. وأكد بيرنهام، الذي تسميه صحف لندن ب”ملك الشمال”، في خطابه الرئاسي الأول مباشرة – من شارع داونينغ برفقة زوجته ماري فرانس فان هيل – التزامه الحاسم برؤية قائمة على التكاتف الاجتماعي والمصارحة، متعهداً باتخاذ إجراءات سريعة ومباشرة لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وضبط الإيقاع المالي للدولة بالتوازي مع الإعلان عن تشكيلة وزارية موسعة مزجت بين الخبراء المخضرمين والشخصيات المقربة منه لضمان الاستقرار وإعادة ترتيب أولويات البلاد بعد فترة من التخبط في عهد سلفه المستقيل.
وتلقى رئيس الوزراء الجديد اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهنئته وبحث آفاق الشراكة الاستراتيجية بين جانبي الأطلسي.
وشملت التشكيلة الحكومية الجديدة مفاجأة مدوية أربكت توقعات المتابعين وأعضاء حزب العمل الحاكم – يسار الوسط – والأسواق المالية، إذ تم تعيين جون هيلي وزيراً للمالية خلفاً لرشيل ريفز التي فضلت المغادرة عقب اعتذارها عن تولي حقيبة الدفاع، وهو المنصب الذي سادت التقديرات برغبة وزيرة الداخلية شبانة محمود في الاستحواذ عليه. ويمتلك هيلي رصيد خبرة تنفيذياً واسعاً في وزارة الخزانة يعود إلى فترة رئيس الوزراء الأسبق طوني بلير، إلى جانب خلفيته النقابية العريقة وتمثيله لدوائر الجدار الأحمر الانتخابية المؤيدة لحزب العمل في الشمال، ما يجعله، وفق ما يقول مؤيدو بيرنهام، شخصية متوازنة وقادرة على التوفيق بين متطلبات الانضباط المالي والضغوط المتزايدة لزيادة الموازنات العامة بما في ذلك مواقفه المعلنة قبل توليه المنصب للمطالبة بزيادة الإنفاق العسكري تلبية لتعهدات حلف شمال الأطلسي، وسد الفجوة التمويلية المقدرة بنحو خمسة مليارات جنيه إسترليني في خطط الدفاع الحالية.
وفي سياق التوازنات السياسية، تقرر إبقاء شبانة محمود في منصب وزيرة الداخلية لمواصلة تطبيق سياستها الصارمة في إدارة ملف الهجرة وإصلاح النظام الأمني، وهي التي تُعد أول امرأة مسلمة تتولى إحدى مناصب الدولة الكبرى، معتمدة على رصيدها السياسي المديد في جناح يمين حزب العمل. وفي المقابل، أُسندت وزارة الخارجية إلى إد ميليباند بعد إخفاقه في نيل حقيبة الخزانة التي رغب فيها، ليتحول نحو الدبلوماسية الدولية وهو الذي يحمل إرثاً سياسياً كبيراً كرئيس سابق للحزب وناشط بارز في مجال قضايا المناخ. وتم تعيين لويز هاي في منصب وزير دولة ودوقية لانكستر لقيادة تنفيذ السياسات الحكومية وتنسيق العمل الإداري جراء قربها الشديد من بيرنهام، توازياً مع نقل إيفيت كوبر إلى وزارة الصحة، وإجراء عملية استبعاد واسعة للوزراء الموالين للإدارة السابقة من أمثال ديفيد لامي وبيتر كايل وستيف ريد ولز كيندال وريدشارد هيرمر.
هذا، وتواجه الحكومة الجديدة تركة مالية شاقة تتسم بهشاشة حادة في الموازنات العامة وتحذيرات صريحة صادرة عن صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وهيئة رصد الموازنة من تضاؤل المساحة المتاحة للتوسع في الإنفاق العام في ظل ارتفاع مستويات الدين العام وتواصل التضخم وتوقع ارتفاع الفوائد البنكية. وحذر خبراء من انخفاض الهامش المالي المتاح أمام وزارة الخزانة إلى نحو نصف مستواه السابق المقدر بثلاثة وعشرين مليار جنيه إسترليني ما يشير إلى المخاطر العالية المتصلة بفتح صنبور الإنفاق في مرحلة لا تزال تئن تحت ظلال الأزمات المالية المستمرة منذ 2008.
وتتضاعف الضغوط على الموازنة بفعل التزامات الدفاع المتزايدة التي يطالب بها الوزير هيلي، إذ يتعين على الحكومة الجديدة التعامل مع مستهدفات رفع الإنفاق العسكري إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027 مع التطلع للوصول إلى نسبة 3% بحلول عام 2030. وتشير تقديرات محللين مختصين إلى أن الاستمرار في هذه الزيادات العسكرية بالتوازي مع دعم القطاع الصحي بمعدل 2.5% سنوياً يتطلب إجراء اقتطاعات مالية ضخمة تصل إلى عشرة مليارات وخمسمئة مليون جنيه إسترليني من وزارات وقطاعات حكومية أخرى، ما لم يتم ابتكار إيرادات ضريبية جديدة أو استغلال المرونة المتاحة ضمن الأطر القائمة.
وقد سارع بيرنهام خلال يومه الأول في السلطة إلى اتخاذ تدابير حاسمة لتخفيف أعباء المعيشة عبر إعلان إلغاء ضريبة القيمة المضافة على فواتير الكهرباء للمنازل ممولاً هذه الخطوة عبر إلغاء مشروع الهوية الرقمية لتوفير مليار وثمانمائة مليون جنيه على مدى ثلاث سنوات. في المقابل تراجع رئيس الوزراء عن فكرة إلغاء تجميد الحد الأدنى للإعفاء الضريبي الشخصي – البالغ 12,570 جنيهاً – نتيجة تكلفته المالية الباهظة موضحاً أمام مجلس الوزراء في اجتماعه الأول ضرورة إظهار الانضباط المالي والتعهد بالالتزام بالحدود الضريبية المعلنة.
لكن رئيس الوزراء أبقى الخيارات مفتوحة أمام إمكانية تعديل ضريبة أرباح رأس المال وتحصيل مبالغ إضافية من الفئات الأكثر ثراءً دون خلق انقسامات مجتمعية جديدة، وتطبيق سقوف محددة على أسعار حافلات النقل ودراسة خيارات تجميد إيجارات المساكن لتقديم فسحة تنفس مالي للعائلات المثقلة بالديون.
ويتبنى بيرنهام رؤية لتوسيع نطاق اللامركزية عبر تحويل صلاحيات واسعة للقيادات الإقليمية والمحلية، وتمكينهم من تحصيل حصص من ضرائب المبيعات والدخل لتعزيز النمو الاقتصادي المحلي وضمان توزيع الموارد بعدالة بين المناطق المختلفة. كما ويطمح إلى تدشين مشروع ضخم لبناء المساكن الحكومية المستأجرة على غرار حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية لتعزيز الأمان السكني للطبقات العاملة وتقليل التفاوت المالي المتعاظم بين العاصمة والمحافظات.
في الشؤون الدولية، تسلم إد ميليباند مقاليد وزارة الخارجية والكومونويلث معلناً التزامه برعاية التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية وتعزيز التعاون الشامل مع الاتحاد الأوروبي وترسيخ سيادة القانون الدولي. وفي طليعة التحديات التي تواجه الوزير الجديد طبيعة علاقته المحتملة تالياً مع الإدارة الأمريكية الحالية جراء تصريحاته النقدية الحادة السابقة تجاه الرئيس ترامب، إلى جانب معارضة بعض القوى السياسية لتوجهاته المناخية الصارمة التي تستهدف التحييد الكربوني لشبكة الكهرباء بحلول عام 2030، مع وجود انتقادات من لوبيات حماية (حقوق الإنسان) حول الاعتماد على سلاسل توريد الطاقة النظيفة الخاضعة للهيمنة الصينية.
ويواصل ميليباند في تصريحاته التأكيد على موقف بريطانيا الثابت في الدفاع عن أوكرانيا اعتماداً على التنسيق المباشر مع الحلفاء الأوروبيين، إلى جانب تبني سياسة براغماتية متوازنة تجمع بين حماية الأمن القومي وتأمين شبكات الاتصالات والتكنولوجيا الحديثة في التعاطي مع الصين ومواصلة تعزيز المبادلات التجارية والاقتصادية مع الهند، بالتوازي مع التحرك نحو إنهاء الصراعات في الشرق الأوسط وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز. ويحمل وزير الخارجية تاريخاً حافلاً في القرارات البرلمانية الدولية يمتد من تصويته عام 2013 لمنع التدخل العسكري في سوريا وتأييده الاعتراف بالدولة الفلسطينية عام 2014، متكئاً على إرث عائلته اليهودية اللاجئة إلى بريطانيا لتعزيز مكانة المملكة المتحدة كقوة داعمة للحقوق الإنسانية والعمل الدولي المشترك.
تضع الأوضاع الحالية في البلاد حكومة بيرنهام أمام سلسلة اختبارات حقيقية تتطلب داخلياً التوفيق بين النبرة الإيجابية الواعدة بالحد من غلاء المعيشة وبين الواقع المالي المعقد المثقل بضغوط التضخم وتراكم الديون العامة، وخارجياً إدارة العلاقات المتشابكة والمعقدة مع القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين والهند؛ إذ تُشكل هذه المرحلة المفصلية الفرصة الأخيرة أمام حزب العمل لتأكيد فعاليته السياسية وضمان بقائه في السلطة خلال الانتخابات العامة المرتقبة بعد ثلاث سنوات، بل وحتى استمرارية مشروع الحزب على المدى الطويل.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-07-24