عن فلسفة المأزق المكانيّ في “فرومفيل”:
بلدة خارج التاريخ، أم صورة نظام العالم؟
نجح الموسم الرابع من مسلسل “فروم” في الارتقاء بالسرد إلى مستوى أكثر نضجاً وتعقيداً، ممهداً الطريق لموسم خامس يُفترض أن يكون ختامياً، في عمل تحول إلى تجربة فلسفية رفيعة تستكشف علاقة الإنسان بالخوف والسلطة والوعي
سعيد محمد*
تصعب متابعة “فروم” – أربعة مواسم بداية من 2022 – بوصفه حكاية عن النجاة من الزومبيات العقائدية، لأن البناء الدرامي الذي يؤسسه منذ حلقاته الأولى يتجاوز حدود الرعب السايكولوجي إلى تشريح مجتمع مغلق يمتلك اقتصاده الداخلي، وتقسيماته الاجتماعية، وآليات ضبطه، وصراعاته على السلطة والمعرفة. فالبلدة الأمريكية المعزولة وسط الغابة لا تؤدي وظيفة المكان الذي تدور فيه الأحداث فحسب وإنما تتحول بتقدم الأحداث إلى فضاء يعيد اختبار الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحرية والإرادة والوعي، ويضع شخصياته داخل منظومة لا تسمح لأحد بالخروج منها بقدر ما تدفع الجميع إلى إعادة اكتشاف ذواتهم تحت الضغط الدائم، لتجعل من العمل الذي أخرجه وأنتجه جاك بيندر أقرب إلى دراسة درامية في كيفية تشكل السلطة واستمرارها في الاجتماع الإنساني.
في هذه القراءة تكون البلدة نموذجاً مكثفاً لإعادة إنتاج الهيمنة. فالقادمون إليها يصلون من خلفيات اجتماعية ومهنية وثقافية متباينة، ويحمل كل منهم سيرته الخاصة وجراحه القديمة، غير أن المكان ينجح خلال وقت قصير في تجريدهم من معظم ما كانوا عليه، ويفقد الماضي سلطته على تفسير الحاضر، ليصبح البقاء المادي المعيار الوحيد الذي يحدد قيمة الإنسان ومكانته داخل الجماعة.
ومع أن هذا التحول يبدو، في ظاهره، تحرراً من النظام السابق، فإنّه يمثل في واقعه انتقالاً إلى نظام أكثر إحكاماً. فالسلطة الجديدة لا تحتاج إلى مؤسسات الدولة التقليدية، ولا إلى أجهزة الشرطة والمحاكم والسجون، لأن الخوف نفسه يؤدي هذه الوظائف جميعاً بكفاءة أعلى، فيصبح الانضباط فعلاً تلقائياً، والطاعة شرطاً من شروط البقاء.
من هذا المنظور، لا تبدو الزومبيات في “فروم” السلطة الحقيقية التي يحكم البلدة، بقدر ما هو الخوف منها وقد اكتسب شكلاً مادياً. فهي لا تندفع إلى القتل بعنف أعمى، ولا تتحرك مدفوعة بغريزة عشوائية، وإنما تمارس عنفاً هادئاً، شديد الانضباط، وكأنها تؤدي وظيفة داخل جهاز أكبر منها. حضورها الليلي المنتظم، وابتسامتها الباردة، وقدرتها على استدراج ضحاياها بالكلمات، تمنحها طابع المؤسسة أكثر مما تمنحها صفات المفترس، ولهذا تصبح جزءاً من نظام متكامل لإدارة السكان، لا محض تهديد خارجي، ويغدو الرعب، في هذه الحالة، وسيلة لإعادة إنتاج الخضوع، بينما تتكرس الحياة اليومية سلسلة متواصلة من إجراءات الحماية والانضباط، ليجد الإنسان أن خوفه أصبح أهم موارد السلطة.
الانقسام الشكلي بين البلدة و”المستعمرة” بالجوار يكتسب كذلك دلالة سياسية. فالاختلاف بين نموذج الشريف بويد ونموذج الزعيمة دونا لا يتعلق بتفضيل نسق الإدارة المركزية على اشتراكية الحياة الجماعية، بقدر ما يعكس محاولتين مختلفتين لتنظيم المجتمع داخل الشروط نفسها. ففي البلدة تحتل القواعد والانضباط والتراتبية مركز الحياة العامة، بينما يقوم بيت المستعمرة على المشاركة وتقاسم الموارد وتخفيف الحدود بين الأفراد. ومع ذلك لا ينجح أي من النموذجين في تجاوز المأزق الأساسي، لأن كليهما يتحرك داخل الحدود التي رسمها النظام المسيطر على المكان، فيبقى الخلاف بينهما محصوراً في أساليب الإدارة، بينما تظل البنية العميقة التي تنتج الخوف وتحدد شروط البقاء بمنأى عن أي تغيير.
تقودنا هذه الجدلية بين النموذجين إلى مفهوم الاغتراب. فالإنسان العالق في “فروم” لا يفقد حريته الجسدية وحدها، وإنما يفقد أيضاً علاقته الطبيعية بالعالم. الغابة التي يفترض أن تكون مصدراً للحياة تتحول إلى مساحة للموت، والبيت الذي يمثل رمز الأمان يصبح ملجأ مؤقتاً، والليل يفقد إيقاعه الطبيعي ليصبح زمناً للرعب الخالص. ومع تراكم هذه التحولات تنفصل الذات عن محيطها تدريجياً، ويغدو الإنسان غريباً عن المكان، وعن الآخرين، وعن نفسه في الوقت ذاته. وحين يصل الاغتراب بالإنسان إلى هذه الدرجة، تتبدل الأولويات كلها، فتتراجع الأحلام والمشروعات الفردية لتحل محلها غريزة الاستمرار، وكأن النظام نجح في اختزال الإنسان إلى كائن يسعى إلى تمديد بقائه يوماً إضافياً لا أكثر.
غير أن “فروم” لا يتوقف عند تصوير آثار السيطرة، بل يتتبع أيضاً الكيفية التي يبدأ بها الوعي في التشكل داخل المجتمع المحاصر. ففي المواسم الأولى يعيش السكان حالة من التشتت المعرفي حيث يحتفظ كل فرد بما اكتشفه، ويتعامل مع تجربته باعتبارها حدثاً شخصياً، الأمر الذي يسمح للنظام بالاستمرار من خلال تشظي المعرفة واقتصارها على أفراد معزولين. أما الموسم الرابع فيقدم تحولاً ملفتاً، إذ تبدأ الشخصيات في تبادل المعلومات، وربط الرؤى، وتجميع الرموز المتفرقة داخل صورة واحدة، فينتقل المجتمع من مجموع أفراد يملكون قطعاً من الحقيقة إلى جماعة / حزب يحاول إنتاج تفسير مشترك لما يحدث.
وتحمل هذه النقلة قيمة تتجاوز تطور الحبكة، لأنها تعبر عن انتقال الوعي من المستوى الفردي إلى قوة اجتماعية قادرة على تغيير موازين الصراع. لذلك تلعب شخصية (جيد) دوراً خاصاً، إذ يمثل المثقف الذي يحاول ترجمة الوقائع المتناثرة إلى بنية قابلة للفهم، بينما يجسد الشريف بويد الخبرة العملية التي راكمتها المواجهة اليومية. وعندما يلتقي التحليل بالفعل، يبدأ المجتمع في إنتاج شكل جديد من المقاومة، لا يعتمد على الشجاعة الفردية بقدر ما يعتمد على تنظيم الخبرة المشتركة.
في المقابل، يعمل النظام على إنتاج ما يمكن تسميته بالوعي الزائف. فالرموز الغامضة، والرؤى المتكررة، والقصص التي تتناقلها الشخصيات، جميعها تؤدي وظيفة مزدوجة، إذ تمنح السكان شعوراً بأنهم يقتربون من الحقيقة، بينما تدفعهم في الوقت نفسه إلى الدوران داخل متاهة لا تنتهي. ولهذا لا يبدو الصراع بين الإيمان الديني والعقل محور العمل الحقيقي، وإنما الصراع بين المعرفة التي تكشف آليات السيطرة، والمعرفة التي تكتفي بتفسير أعراضها وتساهم بإعادة إنتاج مأزق المكان في صورة جديدة.
إذا كان المكان في “فروم” ينتج الخوف، فإن الثقافة السائدة داخله تتولى مهمة تحويل ذلك الخوف إلى قَدَرٍ يبدو عصياً على التغيير. الأغنية الافتتاحية المميزة، Que Sera, Sera، – والمأخوذة عن أغنية من خمسينيات القرن الماضي – تتجاوز كونها عنصراً جمالياً في مقدمة الحلقات. فالكلمات التي ترددها عن أن “المستقبل سيأتي بما يشاء” تحمل في أصلها نزعة قدرية تدعو إلى التسليم بما هو آتٍ. غير أن توظيفها داخل العمل يمنحها معنى أكثر تركيباً. فبينما تقول الأغنية بأن الإنسان يقف عاجزاً أمام مصيره، تكشف الأحداث المتلاحقة أن كل محاولة للاستسلام تمنح النظام عمراً إضافياً، وأن الحركة الوحيدة القادرة على زعزعة البنية المغلقة تبدأ تحديداً من لحظة التخلي عن الاعتقاد بأن المأزق يمثل قانوناً أبدياً. وهكذا تكون كلمات الأغنية نقيض الدراما، إذ تردد الشخصيات، من خلال أفعالها، عكس الرسالة التي تبثها المقدمة بموسيقاها الجزيلة، وكأن المسلسل يضع الأيديولوجيا في مواجهة التجربة الحية، ليترك المشاهد يكتشف بنفسه المسافة بين الخطاب والواقع.
تتسع هذه الفكرة لتشمل الصورة البصرية في العمل. فالبلدة تبدو مألوفة إلى حد يثير الريبة: منازل خشبية، وشوارع هادئة، ومدرسة، وكنيسة، ومقهى صغير، وهي العناصر التي تمثل في الوعي الأمريكي صورة المجتمع المحلي المستقر. غير أن هذا الهدوء يخفي شبكة كاملة من العلاقات القسرية، فكأن المكان نسخة مشوهة من الحلم الأمريكي، حيث تستمر الحياة اليومية شكلياً بينما تخضع جميع تفاصيلها لقانون البقاء.
هذا التحول يبلغ ذروته في البعد النفسي للشخصيات. فالقادمون إلى البلدة لا يصلون إليها بوصفهم أفراداً متشابهين، وإنما يحمل كل منهم تاريخاً من الخسارات والصدمات والخيبات. غير أن “فروم” يمتنع عن تقديم تلك الجراح باعتبارها مجرد خلفيات درامية، ويجعلها جزءاً من آلية السيطرة نفسها. فالإنسان المثقل بالفقد يصبح أكثر استعداداً للعزلة، وأكثر ميلاً إلى الارتياب، وأقل قدرة على بناء الثقة مع الآخرين، الأمر الذي يجعل من التجربة الشخصية عنصراً فاعلاً في إعادة إنتاج النظام، حتى أننا نشك في بعض الأوقات عمّا إذا كان كل هذا الرعب نتاجاً للتصدعات التي يحملها الأفراد معهم منذ وصولهم، لا بسبب الزومبيات، وكأن هذه البلدة لا تخلق الانكسار بقدر ما تستثمره وتعيد توجيهه.
من بين الشخصيات التي تجسد هذا التحول الطفل إيثان، الذي يتطور حضوره من شاهد صغير على الأحداث إلى عنصر فاعل في تشكيل الوعي الجمعي. فالفقد الذي يتعرض له يفتح أمامه طريقاً نحو فهم أوسع لطبيعة المكان. في المقابل تؤدي دونا دوراً مختلفاً بينما تجتهد لتحافظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي وسط بيئة تتغذى على التفكك. ومن خلال هاتين الشخصيتين تُطرح فكرة بالغة الأهمية: فالمجتمع لا يستمر بفضل البطولة الفردية، وإنما بفضل تراكم الأفعال الصغيرة التي تمنح الحياة اليومية شيئاً من الانتظام، وتجعل التضامن ممارسة مستمرة أكثر منه شعاراً أخلاقياً.
يرتبط بذلك إدراك الغاية من الحضور المتزايد لشخصية الرجل ذي الرداء الأصفر. فالعمل يتجنب تقديمه باعتباره الشر المطلق، ويتركه معلقاً بين التجسيد الفردي والرمز البنيوي. فالرجل لا يكتسب قوته من قدراته الخارقة بقدر ما يستمدها من النظام الذي يحرسه، ولذلك يبدو أقرب إلى ممثل للسلطة منه إلى مصدرها الحقيقي. وتلك مسألة أساسية، لأنه من السذاجة البحث عن شخصية سريّة شريرة تفسر فساد العالم – ترامب مثلاً -، دون النظر في بنية تنتج الهيمنة باستمرار، حتى لو تغيرت الوجوه التي تتولى إدارتها. ومن هنا تتراجع أهمية الشخص نفسه أمام أهمية التركيبة الذي يسمح له بالاستمرار، لتصبح المواجهة مع النظام بأكمله أكثر إلحاحاً من القضاء على أحد ممثليه.
تزداد هذه الرؤية وضوحاً عند مقارنة المسار الأبستمولوجي ل”فروم” بمسلسل “لوست” الذي أنتجه ذات فريق العمل. فالعملان يشتركان في وجود مكان مغلق يفرض قوانينه الخاصة، كما يشتركان في توظيفهما للغموض، إلا أن الطريق الذي يسلكه كل منهما يختلف بصورة جذرية. “لوست” انتهى إلى أفق صوفي جعل الخلاص مرتبطاً بالحلول الفردية والأسئلة الميتافيزيقية، بينما يواصل “فروم” دفع شخصياته نحو اكتشاف القوانين التي تحكم العالم المحيط بها، وكأن المعرفة أداة لفهم الواقع وتغييره. ولهذا السبب تتراجع التفسيرات الغيبية تدريجياً لمصلحة البحث عن العلاقات التي تربط الأحداث بعضها ببعض، وتكون الإجابة خطوة أولى نحو الفعل.
ويأتي موضوع التقمص، الذي يربط تابيثا بميراندا وجيد بكريستوفر، ليمنح هذا التصور بعداً تاريخياً. فالعمل يطرح عودة الأرواح للتعبير عن استمرارية التجربة الإنسانية عبر الأجيال. فكل جيل يبدأ من النقطة التي انتهى إليها سابقه، ويحمل معه ذاكرة غير مكتملة لمحاولات التحرر السابقة، وكأن التاريخ لا يتحرك في خط مستقيم، بل يتقدم عبر تراكم الخبرة، وإعادة اكتشاف الأسئلة نفسها في ظروف جديدة. الرسومات التي يحتفظ بها فيكتور تكتسب في هذا السياق قيمة استثنائية، لأنها تؤدي وظيفة أرشيف يحفظ ما عجزت الذاكرة الفردية عن الاحتفاظ به، فتكون الصورة فيه وثيقة مقاومة، والتذكر فعل سياسي بقدر ما هو فعل إنساني.
لذلك يكتسب الموسم الرابع ثقلاً استثنائياً مع انتقال السؤال الأساسي من إمكانية الهروب من البلدة، إلى الكيفية التي يمكن من خلالها تفكيك النظام الذي يجعل وجودها ممكناً. وما دام السكان يكتفون بردود الفعل، فإن السلطة تحتفظ بالمبادرة. أما عندما يتحول الفهم إلى تنظيم، والتنظيم إلى فعل جماعي، تبدأ موازين القوة في التحرك للمرة الأولى.
من المرجح أن يحمل الموسم الخامس هذا الصراع إلى نهاياته المنطقية. فالمجاعة التي تلوح في الأفق، وتراجع الموارد، وتزايد معرفة الشخصيات بتاريخ المكان، جميعها مؤشرات على أن مرحلة التكيف شارفت على الانتهاء، وأن لحظة الحسم تقترب. وإذا نجح فريق العمل في الحفاظ على هذا المسار، فسوف يقدم خاتمة تكون تأملاً فلسفياً في الكيفية التي تنتقل بها المجتمعات من مجرد التعايش مع الهيمنة إلى إنتاج الشروط التي تسمح بتفكيكها، واستعادة الإنسان موقعه بوصفه صانعاً لتاريخه، لا مجرد كائن مهمش يتحرك داخل تاريخ صنعه الآخرون.
————–
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-07-18