أي انتخابات في زمن إعادة تشكيل فلسطين؟
غانية ملحيس
ملخص تنفيذي
ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن النقاش الفلسطيني الدائر حول الانتخابات وإعادة بناء المؤسسات الوطنية لم يرتقِ بعد إلى مستوى التحولات التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية.
فبينما يتركز الجدل على القوانين الانتخابية، والشرعيات، وآليات التمثيل، تتعرض فلسطين، بالتوازي، لعملية إعادة تشكيل شاملة بفعل حرب الإبادة، والتطهير العرقي، والاستيطان، وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا، ضمن سياق أوسع يعيد تشكيل الإقليم وموازين القوة فيه.
ويجادل بأن الانتخابات، رغم ضرورتها، ليست نقطة البداية في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، لأن العملية الديمقراطية تفترض وجود جماعة سياسية مستقرة ومرجعيات وطنية متوافقا عليها، بينما يواجه الفلسطينيون مشروعا استعماريا استيطانيا إحلاليا يسعى إلى إعادة تعريف الشعب والأرض والتمثيل السياسي في آن واحد.
ومن ثم، فإن تجديد الشرعيات لا يكتسب معناه إلا إذا استند إلى عقد سياسي وطني سابق على الانتخابات، يحدد المرجعيات المؤسسة التي لا يجوز أن تكون محل تنافس انتخابي، وفي مقدمتها وحدة الشعب الفلسطيني، وحقه في الحياة، والحرية، والعودة، وتقرير المصير.
وانطلاقا من هذا العقد، يقترح المقال تصورا لمعمار سياسي فلسطيني يتجاوز النموذج المركزي التقليدي، ويستوعب واقع الشعب الفلسطيني الموزع داخل الوطن المحتل والشتات، من خلال بنية لا مركزية في تنظيمها، موحدة في مرجعياتها، وقادرة على تحويل التعدد الجغرافي والمؤسسي إلى مصدر قوة وطنية.
وفي هذا الإطار، تُفهم الانتخابات بوصفها إحدى أدوات هذا المعمار، لا مصدرا لشرعيته، ولا بديلا عن العقد الذي يؤسسه.
ويخلص المقال إلى أن القيمة السياسية للانتخابات لا تُقاس بإجرائها في حد ذاته، ولا في نزاهتها، بل بالسياق الذي تُمارس فيه.
فهي تصبح فعلا من أفعال التحرر عندما تُجسّد عقدا سياسيا جامعا، وتحمي وحدة الجماعة الوطنية، وتخدم المشروع التحرري الفلسطيني، أما إذا جرت بمعزل عن هذه الشروط، فقد تتحول، من حيث لا تقصد، إلى جزء من عملية إعادة تشكيل فلسطين التي تُفرض بالقوة، بدل أن تكون أداة لمقاومتها.
المقال الكامل: أي انتخابات في زمن إعادة تشكيل فلسطين؟
مقدمة
ليست المفارقة أن يناقش الفلسطينيون الانتخابات بينما تستمر حرب الإبادة؛ فالشعوب لا تستطيع تعليق السياسة حتى تتوقف الحروب، كما لا تستطيع أن تؤجل التفكير في مستقبلها إلى حين انتهاء الكوارث.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في أن النقاش الدائر حول الانتخابات يجري في لحظة تاريخية لا يُعاد فيها تشكيل النظام السياسي الفلسطيني فحسب، بل يُعاد فيها تشكيل فلسطين والإقليم بأسره.
فمنذ أكثر من ألف يوم، يتعرض قطاع غزة لحرب إبادة غير مسبوقة، تتجاوز القتل والتدمير إلى استهداف مقومات الوجود الجماعي للشعب الفلسطيني. وبالتوازي، تتعرض مخيمات وقرى الضفة الغربية لعمليات اقتحام وتدمير وتهجير وتطهير عرقي، بينما يتسارع الاستيطان والضم وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا، في محاولة لإعادة تعريف الأرض والسكان والحدود، وصولا إلى إعادة إنتاج السؤال الفلسطيني نفسه وفق الشروط التي يفرضها المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي.
وفي الوقت ذاته، يتصاعد النقاش الفلسطيني حول الانتخابات، وتجديد الشرعيات، وإعادة بناء مؤسسات التمثيل الوطني، من المجلس التشريعي إلى المجلس الوطني، ومستقبل منظمة التحرير الفلسطينية وعلاقتها بالسلطة الفلسطينية. ويبدو هذا النقاش، في ظاهره نقاشا حول آليات ديمقراطية وإجراءات مؤسسية، غير أن النظر إليه بمعزل عن السياق التاريخي الذي يجري فيه، يحجب سؤالا أكثر تأسيسا:
ماذا يعني إعادة بناء النظام السياسي في اللحظة نفسها التي يُعاد فيها، بالقوة، تشكيل الشعب الذي يُفترض أن يمثله هذا النظام؟
من هنا، لا تبدو الإبادة والانتخابات مسارين منفصلين، بل يلتقيان في عملية إعادة تشكيل فلسطين. إذ يسعى المشروع الاستعماري إلى فرض هذا التشكيل بالقوة عبر الإبادة والاقتلاع وإعادة هندسة المكان والإنسان،
فيما يسعى الفلسطينيون إلى إعادة بناء مؤسساتهم السياسية من الداخل. غير أن هذا التزامن يفرض سؤالا لا يجوز القفز فوقه:
هل يمكن أن تتحول الانتخابات، إذا جرت في غياب رؤية وطنية جامعة، إلى جزء من هذه العملية المفروضة بالقوة، بدل أن تكون أداة لمقاومتها؟
المشكلة ليست في الانتخابات في زمن الإبادة، بل في افتراض أن هناك شعبا سياسيا ثابتا يمكن إجراء انتخابات له دون أن يُعاد تعريفه بالقوة في اللحظة نفسها.
لا ينبع هذا السؤال من رفض الانتخابات، ولا من التقليل من أهمية تجديد الشرعيات، بل من الإدراك بأن الانتخابات ليست الأساس الذي يُبنى عليه النظام السياسي الفلسطيني، وإنما إحدى الأدوات التي تُجسِّد ما يُتفق عليه سلفا.
فالبداية تسبق الانتخابات نفسها، وتكمن في الاتفاق على عقد سياسي يحدد طبيعة الجماعة السياسية الفلسطينية ومرجعياتها المؤسسة، ويرسم الحدود بين ما يجوز أن يكون محلَّ اختلاف سياسي، وما يجب أن يبقى فوق كل تفاوض، وفي مقدمة ذلك وحدة الشعب الفلسطيني، وحقه في الحياة، والحرية، والعودة، وتقرير المصير.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقاش حول القانون الانتخابي، أو عدد المقاعد، أو شكل المؤسسات، ليس: كيف سننتخب؟ ولا حتى: من سينتخب؟ وإنما: أي انتخابات في زمن إعادة تشكيل فلسطين؟
وهل المطلوب إعادة إنتاج مؤسسات النظام السياسي كما هي، أم إعادة تأسيسها على عقد سياسي جديد يحمي الثوابت الوطنية من أن تتحول بدورها إلى موضوع لإعادة التشكيل، في لحظة يتعرض فيها الوجود الفلسطيني ذاته لأخطر محاولة لإعادة تعريفه منذ أكثر من قرن؟
ينطلق هذا المقال من فرضية أن النقاش الفلسطيني لم يبلغ بعد مستوى المساءلة الذي تفرضه اللحظة التاريخية الراهنة.
فقد ظل، في معظمه، محصورا في التعامل مع الانتخابات بوصفها آلية إجرائية، بينما بقي السؤال الأكثر جوهرية معلقا:
ما العقد السياسي الذي ينبغي أن تُجسِّده هذه الانتخابات؟
وما المعمار السياسي القادر على تحويل هذا العقد إلى بنية فاعلة في ظل شعب موزع بين الوطن وداخله والشتات، يواجه مشروعا استعماري استئصاليا إحلاليا ووظيفيا لا يستهدف فلسطين وحدها، بل يتجاوزها إلى إعادة تشكيل البيئة العربية والإسلامية التي تنتمي إليها؟
ولهذا، فإن القضية ليست الانتخابات بذاتها، ولا حتى شكل النظام السياسي الفلسطيني وحده، بل الشروط التاريخية والسياسية التي ستولد فيها هذه الانتخابات، والمعنى الذي ستنتجه.
فكل نقاش حول إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية يبقى ناقصا إذا لم يُدرك أنه يجري في لحظة يُعاد فيها، في آن واحد، تشكيل فلسطين والإقليم، وإعادة تعريف موقع القضية الفلسطينية داخل النظام العربي والإقليمي والدولي.
ولعل هذا ما يفسر لماذا لم يعد السؤال الفلسطيني سؤالا فلسطينيا صرفا. فالمعركة الدائرة اليوم لا تتعلق فقط بمستقبل سلطة أو منظمة أو مجلس تشريعي أو وطني، بل بمكانة فلسطين وشعبها في المعمار الإقليمي الذي يتشكل تحت ضغط القوة العسكرية، وإعادة توزيع النفوذ، وتفكك النظام الدولي الذي حكم العقود الماضية.
أولًا: الانتخابات في سياق إعادة تشكيل المنطقة لا فلسطين وحدها
قد يبدو الحديث عن انتخابات المجلسين التشريعي والوطني، للوهلة الأولى، شأنا فلسطينيا داخليا يتعلق بتجديد الشرعيات وإعادة بناء المؤسسات وإنهاء حالة الانقسام.
غير أن هذا التصور يفترض ضمنا أن البيئة الاستراتيجية المحيطة بفلسطين ثابتة، وأن ما يجري يقتصر على إعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل.
والحال أن ما تشهده المنطقة خصوصا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما أعقبه من حرب إبادة مستمرة على قطاع غزة، وما يترافق معه من اقتحامات وتدمير في مخيمات وقرى الضفة الغربية، واتساع رقعة المواجهات إلى لبنان وإيران والإقليم، وتحولات في موازين القوة، يشير إلى أننا لسنا أمام أزمة فلسطينية معزولة، بل أمام لحظة تاريخية يُعاد فيها تشكيل المشرق العربي، وربما النظام الإقليمي بأسره.
فالاستعمار الغربي الصهيوني الاستيطاني الإحلالي لم ينظر إلى فلسطين، في أي مرحلة من تاريخه، باعتبارها مجرد قطعة أرض متنازع عليها، وإنما بوصفها مركزا لإعادة هندسة المجال العربي والإسلامي المحيط بها.
ولذلك، لم تكن حرب الإبادة المتواصلة للعام الثالث في قطاع غزة ومخيمات الضفة مجرد حرب انتقامية، بل جزءا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية والديموغرافية التي تتحرك فيها القضية الفلسطينية، بما يفضي إلى ترتيبات جديدة تمتد آثارها إلى الإقليم كله.
وليست سوى المرحلة الأحدث في المسار الإلغائي للشعب الفلسطيني الذي بدأ بعد الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن العشرين لاستبداله بالكيان الصهيونى، وتكرس بعد الحرب العالمية الثانية بإنشاء إسرائيل، عبر إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية، وإعادة توزيع السكان، وإضعاف البنية الوطنية الفلسطينية الجامعة. بالتزامن مع إعادة تعريف وظائف الدول العربية والإسلامية التي استحدثتها اتفاقيات سايكس – بيكو، وإعادة توزيع موازين القوة، وبناء التحالفات، بما يعكس مسارا تراكميا نحو إنتاج إقليم شرق أوسطي جديد سياسيا وأمنيا واقتصاديا وثقافيا، تحكمه قواعد مختلفة عن تلك التي سادت طوال قرون.
ثم تكثفت وتيرته بعد انهيار الثنائية القطبية ونهاية الحرب الباردة أواخر ثمانينات ومطلع تسعينيات القرن العشرين، وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالقيادة العالمية؛ بتدمير العراق، وإجهاض ثورات الربيع العربي، ومحاصرة القوى العربية والإقليمية المقاومة للهيمنة، لإتمام إعادة صياغة الإقليم.
وفي خضم هذه التحولات التي تسارعت بوتائر عير مسبوقة بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبعد ألف يوم على حرب الإبادة، يبرز السؤال الفلسطيني بصورة أكثر إلحاحا: هل يمكن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وكأن هذه التحولات مجرد خلفية خارجية؟
أم أن أي عملية لإعادة تأسيس المؤسسات الفلسطينية يجب أن تنطلق من إدراك أن فلسطين نفسها الساحة الرئيسية لإعادة تشكيل المشرق العربي والإقليم؟ وأن النظام السياسي الذي سينشأ اليوم لن يعمل في البيئة التي عرفها الفلسطينيون خلال العقود السابقة، بل في بيئة استراتيجية جديدة ما تزال ملامحها قيد التشكل؟
إن خطورة اللحظة الراهنة لا تكمن فقط في استمرارالإبادة، وإنما في تزامنها مع محاولات إعادة إنتاج المجال السياسي الفلسطيني والعربي والإقليمي.
ولذلك، لا يمكن اختزال النقاش حول الانتخابات في القوانين والإجراءات وآليات الاقتراع، لأن هذه كلها أدوات تعمل داخل سياق تاريخي أكبر منها. أما إذا انفصلت عن هذا السياق، فقد تتحول، من حيث لا تقصد، إلى جزء من ترتيبات تُفرض في لحظة اختلال غير مسبوقة في موازين القوة.
ومن هنا، لا يصبح السؤال المركزي: كيف نُجري الانتخابات؟
بل: كيف نمنع أن تتحول إلى حلقة في عملية إعادة تشكيل تُفرض على فلسطين والمنطقة تحت وطأة القوة؟
وكيف نجعلها، بدلا من ذلك، مدخلا لإعادة بناء مشروع وطني قادر على التفاعل مع التحولات الكبرى دون أن يفقد ثوابته المؤسسة؟
إن الشعوب لا تخسر مستقبلها لأنها ذهبت إلى صناديق الاقتراع، لكنها قد تخسره عندما تذهب إليها من دون اتفاق على العقد الذي يمنح هذه الصناديق معناها.
فالانتخابات، في نهاية المطاف، ليست سوى وسيلة ديمقراطية لإدارة الاختلاف.
أما تعريف الجماعة الوطنية، وصون وحدتها، وحماية حقوقها التاريخية، فليس شأنا انتخابيا، بل شأنٌ تأسيسي يسبق كل انتخابات، ويمنحها مشروعيتها ويحدد حدودها.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يسبق كل نقاش انتخابي ليس: أي قانون انتخابي نريد؟ بل: ما هو العقد السياسي الذي ينبغي أن يحكم هذا القانون؟
فاختلاف الفلسطينيين على البرامج حق ديمقراطي مشروع،
أما اختلافهم على وجودهم الجماعي، أو على حقوقهم المؤسسة، أو على وحدة شعبهم، فليس تعبيرا عن التعددية، بل عن غياب المرجعية التي تجعل للتعددية معنى.
ثانيًا: ليست الانتخابات بداية السياسة
تكاد معظم النقاشات الفلسطينية الراهنة تنطلق من افتراض غير معلن، لكنه يحكم طريقة التفكير في الانتخابات كلها، وهو أن الانتخابات تمثل نقطة البداية التي يمكن أن يُعاد منها بناء النظام السياسي الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الانقسام والتعطل. ولهذا ينصرف الجدل في جانب كبير منه، إلى القانون الانتخابي، والإجراءات، ونسبة الحسم، وعدد المقاعد، وآليات الاقتراع، والعلاقة بين المجلسين التشريعي الوطني، وبين السلطة والمنظمة، والدعوة إلى المشاركة أو المقاطعة.
غير أن هذا الافتراض، رغم وجاهته في الدول المستقرة، يصبح إشكاليا في الحالة الفلسطينية. فالانتخابات في التجارب الديمقراطية الراسخة لا تؤسس الجماعة السياسية، بل تفترض وجودها مسبقا. وهي لا تحدد من هو الشعب، ولا حدود كيانه السياسي، ولا الحقوق التي يقوم عليها وجوده، لأن هذه الأسئلة تكون قد حُسمت تاريخيا من خلال عقد سياسي سابق على العملية الديمقراطية.
أما في الحالة الفلسطينية، فنحن أمام وضع مختلف جذريا، فالشعب الفلسطيني لا يمارس حقه السياسي داخل دولة ذات سيادة مكتملة أو حتى جزئية، بل داخل واقع استعماري استيطاني إحلالي يعمل بصورة متواصلة على تفكيك الأرض، وإعادة تشكيل السكان، وتقويض المرجعيات الجامعة، وإعادة تعريف من يملك حق التمثيل ومن يملك حق التحدث باسم الفلسطينيين.
ولهذا، فإن الانتخابات لا تجري فوق أرضية سياسية مستقرة، بل فوق أرضية يجري النزاع عليها باستمرار.
وعليه فإن أسئلة الانتخابات رغم وجاهتها، تبقى أسئلة من الدرجة الثانية، ما لم تسبقها أسئلة تأسيسية أكثر عمقا:
ما المشروع الوطني الذي ستجسده هذه الانتخابات وتستمد منه شرعيتها؟
وما المرجعية التي ستحتكم إليها المؤسسات التي ستنبثق عنها؟
وما الحدود التي لا يجوز أن تتحول إلى مجال للمساومة، مهما اختلفت البرامج والائتلافات ونتائج الاقتراع؟
فالشرعية ليست نتاج صندوق الاقتراع وحده، بل نتاج الاتفاق المسبق على الجماعة السياسية التي يجسدها هذا الصندوق، وعلى المبادئ المؤسسة التي لا تخضع للمنافسة الحزبية مهما اختلفت البرامج والائتلافات والنتائج.
وهذا ما يجعل الانتخابات في الحالة الفلسطينية نتيجة لعقد سياسي سابق عليها، لا بديلا عنه.
فقبل أن يختلف الفلسطينيون حول البرامج، ينبغي أن يتفقوا على ما لا يجوز أن يكون محل اختلاف، وقبل أن يتنافسوا على إدارة السلطة، ينبغي أن يتوافقوا على الغاية التي وُجدت السياسة الفلسطينية من أجلها.
فالتحرير، وحق العودة، وتقرير المصير، ووحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ليست برامج انتخابية يمكن أن تفوز أو تخسر، ولا شعارات تنافسية بين القوائم، بل هي المرجعية المؤسسة التي تمنح أي نظام سياسي فلسطيني مشروعيته التاريخية.
وتزداد أهمية هذا التمييز في اللحظة الراهنة، لأن الانتخابات لا تُناقش في فراغ، بل في وقت تتعرض فيه فلسطين نفسها لمحاولة إعادة تعريف شاملة. فحين تكون الأرض موضوعا لإعادة الرسم، والسكان موضوعا للتهجير، والمؤسسات موضوعا لإعادة البناء، يصبح من الضروري التمييز بين ما يجوز أن يكون موضوعا للتداول الديمقراطي، وما ينبغي أن يبقى فوق كل تداول، بوصفه تعبيرا عن الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف.
ولذلك، فإن القضية ليست في تقديم العقد السياسي بديلا عن الانتخابات، ولا في تأجيل الديمقراطية إلى أجل غير معلوم، وإنما في إعادة ترتيب العلاقة بينهما. فالانتخابات تكتسب معناها من العقد السياسي، ولا تستطيع أن تحل محله.
والعقد السياسي لا يلغي التعددية، بل يجعلها ممكنة، لأنه يحدد المجال الذي تتنافس داخله القوى السياسية، ويحمي في الوقت نفسه المرجعيات التي لا يجوز أن تتحول إلى موضوع للتفاوض تحت ضغط الاحتلال أو اختلال موازين القوى.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يسبق كل نقاش انتخابي ليس:
أي قانون انتخابي نريد؟
بل: ما هو العقد السياسي الذي ينبغي أن يحكم هذا القانون؟
فاختلاف الفلسطينيين على البرامج حق ديمقراطي مشروع، أما اختلافهم على وجودهم الجماعي، أو على حقوقهم المؤسسة، أو على وحدة شعبهم، فليس تعبيرًا عن التعددية، بل عن غياب المرجعية التي تجعل للتعددية معنى.
للمزيد ..أضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs
/95256/5/7/2026