اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (11)!
اعداد وتقديم: كاظم الموسوي
عدن وصنعاء واتفاقية القاهرة
بعد انقطاع، وكتابة صفحات عن همومه العراقية، يعود الراحل عامر عبد الله الى زيارته لليمن ودوره في ايجاد حلول للازمات السياسية، ضمن وفد عراقي، وكان قد سجل صفحات منها، فيكتب مكملا: بعد الاتفاق الذي انجزناه في يوم واحد، التقينا على العشاء في دار عبد الفتاح اسماعيل، وكان هناك علي ناصر محمد، وسالم ربيع علي، وخمسة اخرون، واذ بدأنا نتسامر بعد العشاء ونتحدث بامور عامة، خطر لي ان اسأل فيما اذا كان البيان قد اذيع، فدهشت، انه لم يكن قد اذيع مع ان الساعة قد جاوزت العاشرة مساء، وهنا قلت لهم بنبرة احتجاج، اننا سنسافر غدا الى بغداد مباشرة، ما دمنا لم نفلح في مهمتنا، وسوف لن نضيع وقتا في السفر الى صنعاء، لاننا لا ندري ماذا سنقول لهم، ازاء ذلك نهض ثلاثتهم وتحدثوا على انفراد ثم عادوا واخبرونا بان نص البيان سيذاع بعد دقائق، وقد اذيع بالفعل.
توجهنا بعد ذلك الى صنعاء، حيث مقر رئيس الوزراء (محسن العيني) واركان الحكومة،، واذ بدأت الطائرة تحوم طويلا فوق صنعاء، استدعينا الطيار وسالناه عن السبب، فقال:
– لا يوجد غير مدرج، مرصوف بالرمل والحصى، لان المطار الجديد لم يكتمل بناؤه، وثمة خطر في الهبوط.
نظرت من شباك الطائرة، وتبينت مدرجا اعتياديا كما يبدو من الجو، وطلبت منه المخاطرة بالهبوط.
وكان على حق، فما ان بدأت الطائرة تحط على المدرج وتندفع فوقه بسرعة، حتى استحدثت عاصفة هوجاء من الغبار، فضلا عن ارتطام العجلات بارض وعرة، وضربات بالحجارة المتناثرة على جسم الطائرة.
لم يكن هناك اي مطار باي معنى، اذ كان المستقبلون لنا على مقربة من احد الشوارع المتاخمة للمدرج، بانتظارنا مع سياراتهم التي اقلتنا الى الفندق.
بعد استراحة قصيرة، التقينا في بهو الفندق عصرا مع رئيس الوزراء (محسن العيني) وعدد كبير من الوزراء ومسؤولي الدولة، الذين يبدون من خلال ملابسهم، بانهم شيوخ قبائل، ولكنهم في الحق كانوا اذكياء ومحنكين، وقادة سياسيين، بادرت بعرض نسخة من البيان المذكور على محسن العيني، وقلت له:
– لم نفعل شيئا في عدن، وجدنا الجماعة هناك قد سبقونا الى هذه المبادرة ونحن موافقون عليها، ولا نرى بديلا من اجل تجاوز الازمة وافتتاح الطريق الى المصالحة والاتفاق.
قال:
سمعنا امس ليلا هذا البيان من الاذاعة، ولكني اقسم بالله بانهم غير جادين ولا صادقين.
قلت له ببرود واستهجان:
– نحن لا نتعامل بالنوايا، وانما بالوقائع والملموسيات، هل لديكم اعتراض على مضمون او نص هذا البيان؟.
اجاب:
المهم هي النوايا، وللتوثق فيها، يجب ان نلتقي معهم باشرافكم في بغداد.
قلت له:
بغداد لا تصلح حاليا لهذا اللقاء، الافضل ان تلتقوا في مصر، فاذا كنتم موافقين فسنبلغ الاخوان في عدن.
حاول البعض ان يجادل – ابو لحوم، وابو سنان ..الخ- من الحاضرين، فقررت مع نفسي ان التزم الحزم وان احسم النقاش.
طلبوا مهلة للتداول، واللقاء مرة اخرى بعد العشاء، ولكني طلبت من عبد الخالق ان يكون متشددا معهم، وان يخبرهم بانني متوعك الصحة، ولا استطيع حضور الاجتماع، كما انه ليس لدينا سوى ان نطلب موافقتهم او عدم موافقتهم، على هذه الوثيقة، التي سنعتبرها اساسا للمصالحة والتفاهم ومن ثم الوحدة بين شطري اليمن، كما ان المرحلة الثالثة لترجمة هذه الوثيقة الى ميثاق تستلزم لقاء الطرفين في القاهرة باسرع وقت ممكن، وهذا كل شيء.
حضروا بعد العشاء، وابلغهم عبد الخالق السامرائي، بموقفنا واعتذر لهم عن غيابي، واتفق معهم على اعتبار بيان عدن اساسا صالحا للوفاق والتعاون، ولا بد ان اذكر هنا، ان معرفتي بمزاج وميول رئيس الوزراء محسن العيني الى جانب عقيدة البعث، كانت من بين دوافعي للتغيب، وبالتالي ايكال مسألة انتزاع موافقة قادة اليمن الشمالية لعبد الخالق السامرائي، وهذا ما حصل، حيث صعد الى غرفتي في الليل واخبرني بانه انتهى مع محسن العيني الى اتفاق كامل وبضمنه لقاء القاهرة بين الطرفين. ولم يبق لنا الا ان نعود الى بغداد غدا، ومن هناك نخبر الاخوان في عدن عما اتفقنا عليه.
وهذا ما تم في فترة قصيرة لاحقة، حيث اصبح هذا البيان الذي صنعناه في عدن اساسا (لاتفاق القاهرة) المعروف باتفاقية الوحدة بين شطري اليمن، والتي لا تزال سارية المفعول.
في زيارة ثالثة لليمن، اصطحبت معي مدير العلاقات الاقتصادية في وزارة الخارجية الى جانب السكرتير الخاص (صاحب الحميري) وكان اللقاء الاول مع علي ناصر، رئيس الوزراء، و عبد العزيز عبد الولي، وزير الاقتصاد، ثم مع سالم ربيع علي. وبعد انتهاء المصورين من مهمتهم، طلبت من مرافقي تركنا للحديث منفردين، فتحدثنا في امور عديدة، ومنها وضع مسودة اتفاقية لتاسيس شركة مشتركة لصيد الاسماك، بتمويل عراقي يقرب من 30 مليون دولار، كما اذكر، واستعداد العراق لتنفيذ الاتفاق السابق حول تقديم عدد من التراكتورات والشاحنات والمعدات بصورة هدية. وكان العراق من قبل قد اخذ على عاتقه مهمة تطهير ميناء عدن، الذي استغرق العمل فيه نحو ثلاث سنوات.
ويلاحظ هنا، ان مواقف الحكم في العراق من مساعدة اليمن الديمقراطية، والتطوع لاقامة بعض المشاريع الصغيرة في الشمال، لم تكن بدافع التضامن القومي الصرف، فقد كان الجانب اليمني مرتابا، ومطامع النظام في العراق كانت واضحة، وهذا ما اكده لي عبد الفتاح اسماعيل عندما التقينا في دار الضيافة، حيث تطرق الى الحاح العراق بالسماح لعدد من الزوارق الحربية العراقية، بزيارة ميناء عدن، وقال:
ان مقاصد هذه الزيارة مشبوهة ولن يسمحوا لها، وكنت في بغداد قد سمعت من احد قادة البعث، ثم من اخر غيره، عبارة حول الطائرات البعيدة المدى من نوع تو 22 التي جهز بها الاتحاد السوفييتي العراق انذاك، حيث كرر كلاهما القول: بان مدى هذه الطائرات يمنحها القدرة على الوصول الى باب المندب!.
هذا فضلا عن نشاط رجال السفارة العراقية في اوساط الطلبة والشبيبة، ومحاولتهم بناء تنظيم حزبي في اليمن الديمقراطية، وفي اليمن الشمالية ايضا. ولذا لم تكن العلاقات بين البلدين ودية او طبيعية، وقد تبينت ذلك من مماطلة الحاكمين في العراق عن المساهمة بتجهيز مصفى عدن، بعد تأميمه، بكميات من النفط العراقي الخام، رغم الحاحي عليه وطلباتي المتكررة بضرورة ان يكون العراق المقتدر ماليا واقتصاديا اكثر عونا لهذا البلد الشقيق المفتقر الى الموارد. ولكن كل ما قدمه العراق كان شحيحا بالقياس الى قدرات العراق المالية، والى ما كان يقدمه الى بلدان اسيوية وافريقية، كالصومال مثلا، الذي انشا فيه مصفاة مشتركة، صادف ان قمت باعداد وتوقيع الاتفاقية الخاصة بها، عندما كنت وزيرا للنفط وكالة.
جدير بالذكر، على خلفية ما وقع من فواجع في اليمن، ان اشير الى اني حتى هذا التاريخ، كنت ارى القادة اليمنيين، يعملون بروح عالية من التصافي والتضامن والاخوة، لا يلمس المرء في واحد منهم اثرة او انانية، فقد كانوا من شعبهم ولشعبهم.. وليسوا لانفسهم.
2026-07-06