“موسكو وواشنطن ضامنتا أمن العالم”
هل كشف بوتين حقيقته؟
عبد الحق العاني
تضيع كثيرا، بين الأخبار البائسة والبرامج التافهة ولغة المذيعين الأميين في كل قنوات التلفاز العربية، أخبار مهمة، قد تكون قصيرة لكنها عميقة أحيانا في مدلولاتها.
استوقفني صباح اليوم خبر جاءت به قناة (روسيا اليوم) بالعربية، وجدت من الحكمة التأكد من إعادته بعد ساعة، فتم. وجاء في الخبر أن الرئيس الروسي بوتن قال بان:
“موسكو وواشنطن ضامنتا أمن العالم”
وتبين من تفصيل الخبر أن تلك الجملة هي الترجمة العربية للأصل الروسي الذي اختارته القناة من رسالة التهنئة التي بعث بها الرئيس الروسي بوتين الى الرئيس الأمريكي ترمب بمناسبة العيد الوطني الأمريكي.
ويجب أن يكون للتهنئة، أية تهنئة، سبب كأن تهنئ صديقا لمولود أو نجاح. وهنا يقفز للذهن سؤال عن سبب تهنئة الشعب الأمريكي: لأي شيء تجب تهنئته! فهذا الشعب الذي تشكل من خليط غريب من شذاذ أوربا له سجل فريد في التأريخ البشري المدون. فقد قام على اغتصاب أرض وإبادة ما يقرب من مائة ألف ألف من أهلها المسالمين. ثم انتقل بعد ذلك لقتال بعضه البعض فكلفه ذلك ألف ألف من أهله. وما أن انتهى هذا الشعب من قتاله الداخلي حتى انتقل للغزو والعدوان والسرقة والغصب في كل ركن من أركان الأرض. ومن أحصى ما عمله هذا الشعب الشرير فإنه لن يجد عقدا في المائة عام المنصرمة لم يقم فيه هذا الشعب بعدوان على قوم آخرين. ثم ادعى لنفسه بعد كل ذلك لقب: “قائد العالم الحر”، وأفتخر به بقية الأوربيين.
فإن قال قائل إن اللياقة السياسية ونظام العلاقات بين الدول هي التي ألزمت بوتن بتهنئة ترمب، لقبلناها في ذلك الإطار. لكن قول بوتن بان الولايات المتحدة ذات التأريخ العدواني الأسود هي ضامن لأمن العالم هو قول قبيح وشنيع ومستخف بكل شعوب الأرض التي اعتدت عليها الولايات المتحدة منذ انتهت حربها الأهلية.
ولو أن هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها عن بوتن قول كهذا لقلنا إنه تزلف رخيص. لكن المتابع لبوتن يرى أن هذا القول هو ترجمة لسياسات بوتن وسلوكه خلال ثلاثين عاما، وهي القائمة على أساس إيمانه بأن الصهيونية، بشقيها الجرماني في غرب أوربا وأمريكا والسلافي في شرق أوربا (وهما المتحاربان اليوم)، لها الحق في الهيمنة على العالم والتصرف به كما تشاء.
وهذا هو ما قصده بوتن في رسالة اليوم في أنه يقول اليوم ما قاله وفعله خلال ثلاثين عاما سرا وجهرا. وخلاصة ذلك إيمانه بان أمن العالم الذي “تضمنه” الصهيونية الأمريكية الروسية يتم من خلال:
1. حق الصهيونية في فرض حصار الإبادة كما في العراق والذي أيده بوتن في الموافقة على قرارات مجلس الأمن.
2. حق الصهيونية في غزو العراق واحتلاله والذي أيده بوتن في الموافقة على قرارات مجلس الأمن.
3. حق الصهيونية في غزو ليبيا وتمزيقها الى دويلات قبائل وطوائف.
4. حق الصهيونية في احتلال محافظة إدلب في سورية وحماية (القاعدة) الذي شاركت فيه روسيا مع تركيا حتى تم سقوط النظام في دمشق.
5. حق الصهيونية في التوسع في اغتصاب فلسطين والذي نفذه بوتن في أرساله ألف ألف من نفايات شعبه لاستيطان المزيد من أرض فلسطين.
6. حق الصهيونية في ارتكاب الإبادة في غزة والتي شارك فيها آلاف الروس الحاملين للجنسيتين دون أن تصدر عن بوتن كلمة واحدة تدعو الروس لعدم المشاركة، في الوقت الذي يدعي فيه أن واجبه هو الدفاع عن الروس أينما كانوا في العالم.
7. حق الصهيونية في أن تحتفظ لوحدها بسلاح نووي في غرب آسيا. فبوتن الذي أيد نزع سلاح العراق وسورية بالقوة وأكد في كل مناسبة رفضه قبول إيران نووية لم يقل يوما إنه يؤمن بضرورة نزع السلاح النووي من غرب آسيا.
8. حق الصهيونية في غزو أي بلد واسر رئيسه كما حدث في فنزويلا، إذ يبدو أن هذا جزء من ضمان أمن العالم عند بوتن.
9. حق الصهيونية في اغتيال قائد أية دولة لا يعجبها كما حدث في اغتيال زعيم إيران الديني، إذ يبدو أن هذا جزء من ضمان أمن العالم الذي أشار إليه بوتن.
10. حق الصهيونية وحدها في إعادة رسم حدود الدول بالقوة. فالعراق دمر لأنه أراد تعديل الحدود التي رسمها المحتل. لكن الصهيونية يمكن لها تعديل الحدود إذا شاءت، كما في فلسطين وسورية ولبنان وأوكرانيا.
إن دولة تعتدي على العالم لا يمكن أن تضمن أمنه.
إن امتلاك السلاح النووي لا يمكن أن يكون مسوغا للدولة التي تمتلكه أن تفعل ما تشاء، بل على عكس ذلك في أن يكون السبب الذي يمنع الآخرين من العدوان. إذ بخلاف ذلك ينتفي التسويغ الأخلاقي والقانوني لمنع أية دولة من امتلاكه حيث يصبح امتلاك السلاح النووي هو الضمان الوحيد لأمنها كما فعلت كوريا الشمالية وكما أدركت إيران أخيرا.
4 تموز 2026