سيدي أبو العباس السبتي وبركات العطاء والتسامح في النفس المراكشية!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
لم تكن مراكش في تاريخها مدينةً من حجرٍ وأسوارٍ وأسواقٍ فحسب، بل كانت مدينة روحٍ وذاكرةٍ وبركةٍ اجتماعيةٍ عميقة، صاغت وجدان أهلها عبر قرون طويلة. فهي مدينة اختلط فيها العلم بالتصوف، والتجارة بالإحسان، والعمران بالذاكرة، حتى أصبحت واحدة من المدن التي لا تُقرأ من ظاهرها وحده، بل من عمقها الروحي والاجتماعي والإنساني.
ومن بين الأسماء التي تركت أثراً لا يُمحى في هذه الذاكرة يبرز اسم سيدي أبي العباس السبتي، أحد رجالات مراكش السبعة، والرجل الذي تحوّل في الوعي الشعبي من عالمٍ ومتصوفٍ وصالحٍ إلى رمزٍ للعطاء والتسامح ومواساة الفقراء. لقد أصبح اسمه في النفس المراكشية مرادفاً للجود، حتى قيل إن مذهبه كان يقوم على أن الوجود يتحرك بالجود، وأن الإنسان لا يكتمل بما يملك، بل بما يمنح.
ولد أبو العباس السبتي في مدينة سبتة، ونشأ في بيئة علمية وروحية كان لها أثر واضح في تكوينه، ثم ارتبطت حياته بمراكش التي احتضنته، واحتضنها هو بفكره وروحه وسلوكه. ولم يكن حضوره في المدينة حضور رجل دين تقليدي فحسب، بل حضور مصلح اجتماعي رأى أن صلاح الإنسان لا يتحقق بالعبادة وحدها، إذا لم تتحول هذه العبادة إلى رحمة بالناس، وإحسان إلى المحتاجين، وتخفيف عن الفقراء والمنكسرين.
إن الحديث عن سيدي أبي العباس السبتي ليس حديثاً عن ضريحٍ يزار، أو حكايةٍ تروى، أو اسمٍ يردده الناس في المواسم والمناسبات؛ بل هو حديث عن منظومة قيمية كاملة أسهمت في تشكيل الشخصية المراكشية، وجعلت من الإحسان سلوكاً يومياً، ومن الصدقة ثقافة اجتماعية، ومن التسامح طريقة في العيش، ومن القرب من الفقراء علامة على صفاء القلب وسمو الروح.
لقد أدرك أبو العباس السبتي أن الإنسان لا يكتمل بكثرة ما يملك، بل بقدر ما يمنح. فالمال، في نظره، لا تكون له قيمة أخلاقية إلا حين يتحول إلى جسر بين الغني والفقير، وبين القادر والمحتاج، وبين الفرد ومجتمعه. ومن هنا ارتبط اسمه بمبدأ عظيم مفاده أن العطاء ليس نقصاً في المال، بل زيادة في المعنى؛ وأن البخل ليس مجرد امتناع عن الإنفاق، بل انغلاق في النفس، وقسوة في القلب، وقطيعة مع المجتمع.
ومن أهم القيم التي أسس لها أبو العباس السبتي في النفس المراكشية قيمة الجود. فالجود عنده لم يكن ترفاً أخلاقياً، ولا فعلاً موسمياً، بل كان أصلاً من أصول الحياة. ولهذا بقيت مراكش، في كثير من مظاهرها الشعبية، مدينة مفتوحة على الضيف، قريبة من الفقير، مألوفة العطاء في الزوايا والأسواق والأحياء والمناسبات الدينية والاجتماعية. فالناس فيها لا ينظرون إلى مساعدة المحتاج بوصفها عملاً عابراً، بل بوصفها امتداداً لذاكرة روحية عميقة.
أما القيمة الثانية فهي الصدقة بوصفها علاجاً للنفس والمجتمع. فالصدقة في فكر أبي العباس ليست مجرد إعطاء مال لمحتاج، وإنما هي تطهير للنفس من الشح، وترميم لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان. حين يعطي الإنسان، فإنه لا ينقذ الفقير وحده، بل ينقذ نفسه أيضاً من القسوة واللامبالاة. ولهذا بقيت ثقافة الصدقة حاضرة في الوجدان المراكشي، لا بوصفها واجباً دينياً فقط، بل بوصفها عادة اجتماعية تعبر عن الرحمة والكرم وحسن الجوار.
والقيمة الثالثة هي التسامح. فقد علّم أبو العباس، بسيرته وروحه، أن الإنسان لا يستطيع أن يكون محسناً وهو يحمل قلباً ضيقاً مليئاً بالحقد. فالعطاء الحقيقي يحتاج إلى قلب متسامح، يرى في الناس إخوة في الضعف والحاجة، لا خصوماً في المصالح والاختلافات. ومن هنا نشأت في مراكش روح اجتماعية تميل إلى قبول الآخر، وإكرام الغريب، والتخفيف عن المنكسر، والتعامل مع الحياة بشيء من اللين والمرونة والابتسامة.
والقيمة الرابعة هي نصرة الضعفاء. لقد جعل أبو العباس من الفقير مركزاً للرؤية الأخلاقية، لا هامشاً من هوامش الحياة. فالمدينة التي تهمل فقراءها تفقد بركتها، والمجتمع الذي ينسى ضعفاءه يفقد إنسانيته. ولذلك ظل اسمه مقترناً بالمرضى والمحرومين والمساكين وذوي الحاجة، حتى صار حضوره في الذاكرة الشعبية نوعاً من النداء الدائم إلى ألا يترك الإنسان أخاه وحيداً أمام الفقر والوجع والانكسار.
والقيمة الخامسة هي تحويل التصوف إلى فعل اجتماعي. فالتصوف عند أبي العباس لم يكن عزلة عن الناس، ولا هروباً من مشكلاتهم، بل كان نزولاً إلى الحياة من أجل تهذيبها. فالروحانية عنده ليست كلمات تقال، بل خبز يعطى، ودمعة تمسح، وحاجة تقضى، وقلب يطمئن. وبذلك جعل من العبادة معنى اجتماعياً، ومن التقوى مسؤولية تجاه الإنسان، ومن القرب من الله طريقاً يمر عبر الرحمة بعباده.
ومن القيم التي بقيت متداولة أيضاً بين الناس إلى يومنا هذا قيمة البركة المرتبطة بالإحسان. فالمراكشي البسيط قد لا يشرح هذه الفكرة بلغة الفلاسفة، لكنه يعيشها في يومه: من أعطى بورك له، ومن سامح ارتاح قلبه، ومن أطعم محتاجاً فتح الله له باباً من السكينة. وهذه ليست خرافة اجتماعية، بل حكمة أخلاقية عميقة؛ لأن المجتمع الذي يتبادل أفراده العون يصبح أكثر قوة، وأكثر أمناً، وأكثر قدرة على مقاومة القسوة والأنانية.
كما أسس أبو العباس لقيمة التكافل، وهي من أجمل ما بقي في الوجدان المغربي والمراكشي خاصة. فالتكافل يعني أن الإنسان لا يعيش وحده، ولا ينجو وحده، ولا يفرح وحده. في الأفراح والأحزان، في المرض والحاجة، في المواسم والزيارات، يظهر هذا المعنى بوضوح: الناس يقتربون من بعضهم، يمدون اليد، يتقاسمون الطعام، يواسون، يدعون، ويشعرون أن للمدينة روحاً واحدة مهما تعددت أحياؤها ولهجاتها وطبقاتها.
ولعل من أعمق ما يضيء شخصية أبي العباس السبتي علاقته الرمزية والفكرية بالفيلسوف الكبير ابن رشد، قاضي القضاة وفيلسوف الأندلس والعالم الإسلامي. فابن رشد كان يمثل سلطة العقل والبرهان والاجتهاد الفقهي والفلسفي، بينما كان أبو العباس يمثل سلطة القلب والجود والتصوف العملي. ومع ذلك لم يكن بين العقل والروح تعارض في مراكش، بل كان بينهما تكامل عميق. فقد روي أن ابن رشد، حين اطّلع على مذهب أبي العباس في العطاء، قال عبارته الدالة: «هذا رجلٌ مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود».
وهذه العبارة، إذا تأملناها، تكشف أن ابن رشد لم ينظر إلى أبي العباس بوصفه رجلاً صالحاً فحسب، بل رأى في مذهبه تصوراً عميقاً للعلاقة بين الإنسان والوجود. فالجود عند أبي العباس ليس فضيلة أخلاقية عابرة، بل قوة اجتماعية وروحية تغير الواقع، وتلين القلوب، وتعيد التوازن إلى المجتمع. وكأن ابن رشد، بعقله الفلسفي، أدرك أن أبا العباس كان فيلسوفاً من نوع آخر؛ لا يكتب فلسفته في الكتب، بل يزرعها في الأسواق والطرقات وقلوب الناس.
وتكتسب هذه العلاقة بين أبي العباس السبتي وابن رشد دلالة أعمق حين تذكر بعض الروايات أن أبا العباس دُفن في الموضع نفسه الذي كان قد دُفن فيه ابن رشد أولاً بمراكش، قبل أن يُنقل جثمان الفيلسوف لاحقاً إلى قرطبة. وسواء أخذنا هذه الرواية بمعناها التاريخي الدقيق، أم قرأناها بوصفها إشارة رمزية، فإنها تكشف عن معنى بالغ الجمال: مراكش احتضنت في زمن واحد عقل ابن رشد وروح أبي العباس؛ الأول مثّل قوة البرهان والفلسفة والاجتهاد، والثاني مثّل قوة الجود والتصوف العملي وخدمة الفقراء.
وكأن المكان الواحد جمع بين عقلٍ يبحث عن الحقيقة، وقلبٍ يبحث عن الرحمة. فابن رشد علّم أن العقل نورٌ يهدي الإنسان إلى الفهم، وأبو العباس علّم أن العطاء نورٌ يهدي الإنسان إلى المحبة. وبين العقل والرحمة، وبين البرهان والجود، تشكّلت في مراكش واحدة من أجمل صور الحضارة المغربية، حيث لا تنفصل المعرفة عن الأخلاق، ولا ينفصل التصوف عن المجتمع، ولا تنفصل البركة عن خدمة الإنسان.
وهكذا يصبح ذكر ابن رشد في سيرة أبي العباس السبتي ليس مجرد تفصيل تاريخي، بل علامة على أن مراكش لم تكن مدينة الأولياء وحدهم، ولا مدينة العلماء وحدهم، بل مدينة جمعت بين الفلسفة والتصوف، بين الحكمة والبركة، وبين الفكر والعمل. وإذا كان ابن رشد قد ترك أثره في تاريخ العقل الإنساني، فإن أبا العباس السبتي ترك أثره في الضمير الاجتماعي، فبقيت قيم العطاء والتسامح والتكافل حية في النفس المراكشية إلى يومنا هذا.
إن بركة سيدي أبي العباس السبتي ليست في الحكايات وحدها، بل في القيم التي ظلت حية بعده. فكل يد تمتد إلى فقير، وكل قلب يسامح، وكل بيت يفتح بابه لضيف، وكل إنسان يعطي مما عنده ولو كان قليلاً، إنما يواصل، بوعي أو بغير وعي، ذلك الدرس الأخلاقي العظيم الذي زرعه أبو العباس في تربة مراكش: أن الإنسان لا يسمو بما يأخذ، بل بما يعطي.
واليوم، في زمن كثرت فيه المصالح، واشتدت فيه الأنانية، وتراجعت فيه العلاقات الإنسانية أمام حسابات الربح والخسارة، تبدو الحاجة ماسّة إلى استعادة روح أبي العباس السبتي؛ لا بوصفه اسماً من الماضي، بل بوصفه رسالة حية للمستقبل. فالمجتمعات لا تنهض بالمال وحده، ولا بالعمران وحده، بل تنهض بالقيم التي تحفظ كرامة الإنسان، وتصون الضعيف، وتردع البخل، وتربي الأجيال على أن العطاء قوة، والتسامح شجاعة، والإحسان حضارة.
نستنتج أن سيدي أبا العباس السبتي لم يؤسس زاوية روحية فحسب، بل أسس مدرسة أخلاقية واجتماعية ما زالت آثارها متداولة بين الناس إلى يومنا هذا. فقد جعل من العطاء فلسفة حياة، ومن التسامح لغة للقلوب، ومن التكافل أساساً لسلام المجتمع. ولذلك ظل اسمه حاضراً في مراكش لا باعتباره ذكرى من الماضي، بل بوصفه روحاً مستمرة في وجدان المدينة، وبركةً تتجدد كلما انتصر الإنسان للرحمة على القسوة، وللجود على البخل، وللمحبة على الأنانية
2026-07-01