ملاحظات بخصوص فيفا ودَورة كأس العالم لكرة القدم 2026!
الطاهر المعز
لا غرابة في أن يكون رئيس الإتحاد الدّولي لكرة القدم (فيفا) رجل الأعمال جياني إنفانتينو، مُقربا من الحُكّام وأصحاب السُّلْطة والنّفوذ، وفي مقدّمتهم رئيس الولايات المتحدة
بعد الحرب العالمية الثانية، حرص الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على اختيار الدول المضيفة بناءً على معايير متعددة، من بينها التوسع التجاري والجغرافي.
الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نظرياً اتحاد رياضي غير ربحي، ودوري دولي. لكنه في الواقع سرعان ما تحوّل إلى قوة سياسية، منذ انطلاق كأس العالم، إذ استضافت إيطاليا الفاشية الدورة الثانية لكأس العالم لكرة القدم سنة 1934 (واستضافت ألمانيا النّازية الألعاب الأولمبية سنة 1936) وضَغَطَ موسليني لضمان فوز المنتخب الإيطالي، فتمت رشوة الحُكّام وتهديدهم،و حلقت الطائرات العسكرية الإيطالية خلال الدور النهائي وطوّقت المليشيات الفاشية ( القُمْصان السُّود) الملعب وفاز المنتخب الإيطالي واعتبر الفاشيون إن هذا الفوز انتصار للفاشية، وأصبح استقبال التظاهرات الرياضية الدّولية عملية دعائية سياسية وأحيانا اقتصادية أيضًا…
مثّل موقف الإتحاد الدّولي لكرة القدم من الفريق الجزائري سنة 1958 موقفا استعماريا، حيث تشكل الفريق الوطني الجزائري ( تحت الإستعمار الإستيطاني الفرنسي) من اللاعبين الجزائريين المُحترفين في فرنسا، وكان ثمانية منهم في قائمة المُرشحين للمشاركة في كأس العالم بالسّويد ضمن الفريق الفرنسي، مثل مصطفى الزيتوني ورشيد المخلوفي، ولكنهم اختاروا اللعب ضمن الفريق الجزائري – بعد أن ضمنت لهم جبهة التحرير الوطني أُجُورًا مُجْزية وسكنا لائقا في الأحياء الراقية بتونس – ورفض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الاعتراف بفريق الاستقلال، بل وهدّد بطرد أي اتحاد يُشارك في مباراة ضد الجزائر، مما يؤشر على تواطؤ فيفا مع الإمبريالية الفرنسية والإمبريالية بشكل عام، ورفض الإتحاد الدولي لكرة القدم طلب الإتحاد السوفييتي ( 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1973 بعد انقلاب الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1973) نَقل مكان المباراة الفاصلة التي كان من المقرر أن تجري بين المنتخبَيْن السوفييتي والتشيلي على ملعب إستاديو ناسيونال في سانتياغو، حيث تم اعتقال واحتجاز أكثر من ثلاثين ألف شخص تعرضوا للتعذيب والقَتْل، وطلب الاتحاد السوفيتي نقل المباراة إلى دولة ثالثة، لكن الإتحاد رفض الطلب، وأعلنم فَوْز المتخب التشيلي بعد المُقاطعة السوفييتية لملعب الموت، وتأهل بذلك فريق تشيلي إلى كأس العالم 1974، كما دعم الإتحاد الدولي لكرة القدم الإنقلاب العسكري في الأرجنتين حيث تم إجراء دورة كأس العالم لكرة القدم سنة 1978، رغم إعدام نحو تسعة آلاف شخص واختفاء ثلاثين ألف ونَفْي 1,5 مليون مواطن… ولا يزال الإتحاد الدولي لكرة القدم مرتبطًا بالقوى الإمبريالية، وسمح للكيان الصهيوني بالمشاركة في تصفيات كأس العالم 20265 رغم نداءات الإقصاء بعد المجازر والإبادة في فلسطين ولبنان…
تم تأسيس الإتحاد الدّولي لكرة القدم ( فيفا) في بداية القرن العشرين، سنة 1904، قبل 122 سنة، وخلال هذه الفترة لم يتولَّ رئاسة فيفا سوى ستة رؤساء رجال، من رجال الأعمال، وتعادل أو تفوق سُلْطَتُهُم نفوذ رئيس دولة فقيرة أو متوسطة الدّخْل…
ارتفعت إيرادات الإتحاد بشكل كبير خلال رئاسة رجل الأعمال السويسري سيب بلاتر ( من 1998 إلى 2015)، من خلال الإشهار وحقوق البث التلفزيوني، واضطر إلى مغادرة منصبه بسبب فضيحة فساد ضخمة تورطت فيها شركتا أديداس وISL، وهي شركة كانت قد حصلت على حقوق التسويق الحصرية لعدة بطولات لكأس العالم، وأفلست سنة 2001 بسبب ارتفاع ديونها، وجَرّ سيب بلاتر معه في سقوطه اللاعب الدولي الفرنسي السابق ميشال بلاتيني الذي كان يطمع في خلافة ولي نعمته سيب بلاتر الذي جعل من رياضة كرة القدم وخصوصًا بطولة كأس العالم مشروعًا تجاريًا مربحًا للغاية، ويشهد نموًا متسارعًا…
تأتي إيرادات الإتحاد الدولي لكرة القدم من مبيعات تذاكر المتفرجين داخل الملاعب ومن الترخيص للتجار داخل الملاعب وحولها، ومن دعاية المؤسسات الرّاعية سواء داخل الملاعب أو بواسطة شبكات التلفزيون التي اشترت حقوق البث، ومن المراهنات الرياضية ومساحات الإعلانات، وتُساهم تظاهرات كرة القدم والرياضة بشكل عام في إنعاش حركة النقل والفنادق والمطاعم ومتاجر التذكارات…
تُمثّل حقوق البث التلفزيوني أهم مصدر لإيرادات الإتحاد الدولي لكرة القدم، وتستعيد قنوات التلفزيون المبالغ التي أنفقتها فضلا عن الأرباح الهامة من الاشتراكات والإعلانات خلال المباريات، وتابع نحو خمسة مليارات شخص كأس العالم في قطر سنة 2022، وشاهد المباراة النهائية بين الأرجنتين وفرنسا نحو 1,5 مليار شخص، واستغل الإتحاد الدولي لكرة القدم شعبية هذه الرياضة لتنظيم كأس العالم للنساء منذ سنة 1991، بعد عقود من رَفْض مشاركة النساء في رياضة كرة القدم…
كيف يستطيع مواطنو البلدان الفقيرة توفير مبلغ 15 ألف دولار للسفر إلى الولايات المتحدة، إن تمكنوا من الحصول على تأشيرة دخول وتسديد ضمانات مالية تتراوح بين خمسة آلاف و خمسة عشر ألف دولار، فضلا عن ارتفاع أسعار التذاكر والفنادق والمطاعم والمواصلات وغيرها.
كان صوت اتحادات كرة القدم في البلدان المُشاركة في الدورة الثالثة والعشرين ل كأس العالم لكرة القدم، أو كان صوتها خافتا ولم تحتج على الإجراءات التعسفية والإنتقائية الأمريكية – التي يُباركها الإتحاد الدولي لكرة القدم – لأنها تستفيد ماليا، حيث يقوم الإتحاد الدّولي لكرة القدم (فيفا) بإعادة توزيع جزء من الإيرادات على الإتحادات الوطنية، وتبلغ قيمة المكافآت تسعة ملايين دولارا للفرق المُشاركة والتي يتم إقصاؤها في الدّور الأول، ويحصل الفريق الفائز على لقب بطل العالم على خمسين مليون دولار، كما تستفيد الأندية التي تسمح للاّعبين بالمشاركة في المباريات الدّولية مثل الألعاب الأولمبية أو كأس العالم، حيث يُسدد لها الإتحاد الدولي لكرة القدم أموالا لتعويضها، ويستخدم رؤساء الإتحاد الدولي لكرة القدم إعادة توزيع هذه الأموال لضمان أصوات الإتحادات الوطنية والقارية خلال انتخابات الإتحاد الدولي، ويتوقع جياني إنفانتينوإعادة انتخابه سنة 2027.
2026-06-30