فرقة ( المرجئة)!
إعداد وتقديم : علي رهيف الربيعي
اثار الاتهام بالكفر ، الذي كثيرا ما كان الخصوم السياسيون يلجأون إليه ، اهتمام المؤمنين المخلصين الذين كانوا يعارضون إنزال العقوبات الدينية بالمؤمنين بسبب الاختلاف في الآراء السياسية. فدعوا إلى الاعتدال ونادوا بفصل المسائل الدينية عن الخصومات السياسية.
في ظل هذه الظروف اتسع الشعور بضرورة وضع حد للأتهامات بالكفر ، وسعت فرق متعددة إلى مناقشة مسائل الإيمان بعيدا عن الآراء السياسية. وسميت هذه الفرق ( المرجئة) – وهم الذين قالوا بمذهب تعليق الحكم ( الإرجاء) في القضايا السياسية المطروحة . وكانوا اول من بادر إلى مناقشة مصير الإنسان من حيث المسؤولية الدينية والاخلاقية بعيدا عن الخلافات في مسائل العدل السياسي. واشتهر امر هؤلاء في بداية العهد الأموي عندما كان الصراع بين قادة اهل السنة وخصومهم يلهب المشاعر إلى حد جعل الناس يشعرون بالحاجة إلى إزالة التوتر. (1)
كان المرجئة يرون ان القادة السياسيين المتخاصمين ، من السنة ام من خصومهم ، يجب أن يعدوا مؤمنين حقيقيين بغض النظر عن الاتهامات بالكفر الصادرة ضدهم من هذا الفريق أو ذلك ، وذلك ما دامو يظهرون إيمانهم بالإسلام قولا وفعلا. أما عن مسألة الشرعية المركزية فقد قالوا إن احدا من المؤمنين لا يعرف الفرق المخطئ أو الفريق المصيب . وان الحقيقة لن تظهر إلا في يوم الآخر عندما يقول الله الكلمة الفصل. وعندما يمكن أن يعفوا وهو ( الرحمن الرحيم) ( الفاتحة 2) عن الذين كانوا على خطأ. وإذا أمكن ان يعفوا الله عن المخطئين ، فمن نحن حتى ندين المؤمن بالكفر قبل أن يعلن الله حكمه الأخير. ولهذا كان المرجئة يرون ان على المرء أن يرجئ الحكم في المسائل التي تنطوي على آراء سياسية مختلفة.
وكان الإرجاء، بالمعنى الأعمق ، يعني ان لكل مؤمن الحق الضمني الطبيعي في ان يرى رأيه الخاص في القضايا الأخلاقية من دون أن يتهم باكفر، ما دام يؤمن بوجود الله الواحد وبرسالة نبيه. يقول الجهم بن صفوان : ” الإيمان هو الاعتراف بالله ورسوله”. ولا يتطلب اي شيء آخر، حتى الصلاة وغيرها من الشعائر . بينما قال غيره من المرجئة إن ” محبة الله” والاعتراف بوجوده باللسان من ضرورات الإيمان (2). وفي نظر بعض المرجئة كل من آمن بالله وبأحد رسلة، المسلم والنصراني واليهودي، هو ” مؤمن “. ذلك ان كل المؤمنين يشاركون في معرفة الله، وان هذه المعرفة ليست مقصورة على المسلمين. وتحدث ابو شمر، وهو من اوائل المرجئة ، عن العدل بغض النظر عن مضامينه السياسية، وكان يرى ان الإنسان حر في اختيار طريق العدل أو طريق الجور (3).
(1) الأشعري، مقالات، ج١، ص ١٨١، والبغدادي، أصول الدين، ج١، ص٢٤٨ – ٢٤٩.
(2) الأشعري، مقالات، ج١، ص١٩٧ – ١٩٨، والبغدادي، الفرق بين الفرق، ص ١٢٨.
(3) المصدر نفسه، ج ١، ص ١٩٩.
2026 /05 / 25