تقييم لقاء دولة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي مع كوادر وزارة المالية!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
يمثل لقاء دولة رئيس الوزراء العراقي السيد علي فالح الزيدي مع الكادر المتقدم في وزارة المالية محطة مهمة في بداية الأداء الحكومي، لأنه يضع الملف المالي في صدارة الأولويات الوطنية، ويؤكد أن إدارة الدولة لا يمكن أن تنجح من دون رؤية مالية واضحة، وانضباط إداري، وتنسيق فعّال بين المؤسسات الاقتصادية والنقدية.
وقد جاء اللقاء، بحسب ما نُشر عن زيارة رئيس الوزراء إلى وزارة المالية، في ظرف مالي واقتصادي حساس، أشار فيه السيد الزيدي إلى تأثير التطورات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الاقتصاد العراقي والعالمي. كما استمع إلى تقارير تخص عمل الوزارة في مختلف مفاصلها، وهو أمر إيجابي إذا لم يبقَ في حدود الاستماع، بل تحوّل إلى برنامج تنفيذي قابل للقياس والمحاسبة.
إن وزارة المالية ليست دائرة محاسبية مهمتها دفع الرواتب وتمويل النفقات فحسب، بل هي العقل المالي للدولة، ومنها تبدأ سياسة توزيع الموارد، وضبط الإنفاق، وتعظيم الإيرادات، ومراقبة سلامة المال العام. ولذلك فإن زيارة رئيس الوزراء إليها في وقت مبكر تعطي رسالة سياسية وإدارية مفادها أن الحكومة تدرك خطورة المرحلة، وأن الملف المالي سيكون معيارًا أساسيًا لنجاحها أو إخفاقها.
ومن الجوانب المهمة التي برزت في توجهات رئيس الوزراء تأكيده ضرورة التنسيق العالي بين وزارة المالية والبنك المركزي العراقي، إذ سبق أن ترأس الاجتماع الأول لمجلس الاستقرار المالي، بحضور وزير المالية ومحافظ البنك المركزي، مؤكداً أهمية الاستقرار المالي وانعكاسه على الخطط التنموية والخدمية والاقتصادية. وهذه نقطة جوهرية، لأن أي خلل بين السياسة المالية والسياسة النقدية يؤدي إلى اضطراب سعر الصرف، وارتفاع التضخم، وتراجع الثقة بالسوق، وإضعاف القدرة الشرائية للمواطن.
لكن التقييم الموضوعي لهذا اللقاء يقتضي الإشارة إلى أن الخطاب العام، مهما كان إيجابيًا، لا يكفي وحده لمعالجة الأزمة المالية في العراق. فالمشكلة أعمق من اجتماع إداري أو توجيه حكومي؛ إنها مشكلة بنيوية تتعلق باعتماد الاقتصاد العراقي على النفط، وتضخم الإنفاق التشغيلي، وضعف الجباية، وتراجع الإنتاج المحلي، واستمرار الهدر والفساد والازدواجية في بعض مفاصل الدولة.
إن الحديث عن تعظيم الإيرادات وتنويع الموارد يجب أن يتحول إلى سياسات عملية، منها إصلاح النظام الضريبي والكمركي، وتوسيع الوعاء الإيرادي من دون إثقال كاهل الفقراء، وإعادة النظر في بنية الدعم، ومراجعة أبواب الإنفاق غير المنتج، وربط الموازنة بالأولويات التنموية لا بالمساومات السياسية. كما ينبغي أن تكون وزارة المالية قادرة على الانتقال من عقلية “تمويل الطلبات” إلى عقلية “إدارة الموارد وفق رؤية اقتصادية وطنية”.
ومن الإشارات الرمزية اللافتة في الزيارة توجيه رئيس الوزراء بعدم وضع صوره وصور الوزراء داخل الدوائر والمؤسسات، وقوله إن المطلوب أن يرى الناس الأعمال لا الصور. وهذه بادرة تستحق الإشادة من حيث المبدأ، لأنها تعكس رغبة في تخفيف مظاهر الشخصنة والتقديس الإداري. غير أن قيمة هذه المبادرة ستُقاس بمدى ترجمتها إلى ثقافة مؤسساتية حقيقية، تُقدّم الإنجاز على الدعاية، والكفاءة على الولاء، والخدمة العامة على المظهر السياسي.
إن كوادر وزارة المالية تتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة. فهي مطالبة بأن تكون شريكًا مهنيًا في الإصلاح، لا جهازًا منفذًا للقرارات فقط. كما أن نجاحها يتطلب حماية القرار المالي من الضغوط السياسية، وإعطاء الأولوية للكفاءة والنزاهة والشفافية، واعتماد البيانات الدقيقة في رسم السياسات العامة.
ويمكن القول إن اللقاء يحمل ثلاث دلالات رئيسية:
الأولى، أن الحكومة الجديدة تدرك حساسية الوضع المالي وتضعه ضمن أولوياتها المبكرة.
الثانية، أن التنسيق بين وزارة المالية والبنك المركزي أصبح ضرورة لا خيارًا.
الثالثة، أن الإصلاح المالي يحتاج إلى إجراءات عميقة لا إلى توجيهات عامة فقط.
وفي ضوء ذلك، فإن تقييم اللقاء يكون إيجابيًا من حيث التوقيت والرسالة والاتجاه العام، لكنه يبقى مشروطًا بالنتائج. فالعراقيون لم يعودوا يكتفون بالوعود، بل ينتظرون أثرًا ملموسًا في الرواتب، والخدمات، والأسعار، وفرص العمل، وحماية المال العام.
إن العراق لا يحتاج إلى إدارة مالية تقليدية، بل إلى إصلاح مالي شامل يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة. وإذا أراد السيد رئيس الوزراء أن يجعل من هذا اللقاء بداية حقيقية، فعليه أن يربط وزارة المالية بخطة واضحة، ذات سقوف زمنية، ومؤشرات أداء، ومحاسبة علنية، حتى لا يبقى الإصلاح شعارًا يتكرر في كل حكومة، ثم يضيع في دهاليز البيروقراطية والمصالح السياسية.
وخلاصة القول: إن لقاء دولة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي مع كوادر وزارة المالية خطوة مهمة، لكنها ليست كافية بذاتها. أهميتها الحقيقية ستظهر حين تتحول التوجيهات إلى قرارات، والقرارات إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى نتائج يشعر بها المواطن العراقي في حياته اليومية. فالإصلاح المالي هو المدخل الحقيقي للإصلاح الاقتصادي، والإصلاح الاقتصادي هو الطريق الضروري لبناء دولة عادلة، مستقرة، وقادرة على خدمة شعبها
2026-05-25