احترام الكبير ورحمة الصغير من أخلاق النبيل!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
كان الاحترام في طفولتنا وصبانا سلوكًا يوميًا لا يحتاج إلى درس طويل، ولا إلى لافتة مرفوعة، ولا إلى قانون يفرضه الناس على الناس. كان الكبير كبيرًا في أعيننا، لا لأنه يملك مالًا أو منصبًا، بل لأنه حمل من العمر ما يكفي ليكون موضع توقير، وحمل من التجربة ما يجعله أهلًا للإجلال.
كنا إذا شاهدنا رجلًا مسنًا أو امرأة كبيرة تحمل في يدها شيئًا، نهرع إليها كأننا نؤدي واجبًا مقدسًا، فنأخذ عنها الحمل ونرافقها حتى باب الدار. وإذا رأينا شيخًا أو عجوزًا يعبر الشارع، أسرعنا نمد له يد العون، لا ننتظر شكرًا ولا ثناءً. وفي الحافلة كنا ننهض من مقاعدنا للكبير، وفي السوق كنا نعينه على حاجته، وفي الطريق كنا نخفض أصواتنا أمامه، لأننا تعلمنا أن الأدب لا يُقال فقط، بل يُمارس في تفاصيل الحياة الصغيرة.
ولم يكن الصغير أقل حظًا من هذه الرحمة. كان طفل المحلة ابنًا للجميع؛ إن بكى وجدت من يمسح دمعته، وإن ضاع وجدت من يعيده إلى أهله، وإن أخطأ وجدت من ينصحه برفق، لا من يكسره بقسوة. كانت المحلة بيتًا واسعًا، وكان الناس أهلًا وإن لم تجمعهم صلة الدم. وكان الطفل يكبر بين عيون تحرسه، وقلوب ترحمه، وألسنة تربيه دون أن تجرحه.
تلك كانت أخلاق النبلاء، لا نبل المال والجاه، بل نبل الروح. فالنبل الحقيقي أن تحترم من سبقتك خطاه في درب الحياة، وأن ترحم من لم تشتد بعد قدماه على الطريق. الكبير ذاكرة تمشي بيننا، والصغير غدٌ يتشكل أمام أعيننا؛ فإذا أهملنا الذاكرة ضاع الأصل، وإذا قسونا على الغد ضاع المستقبل.
لكن شيئًا موجعًا تبدل في حياتنا. لم تعد تلك القيم حاضرة كما كانت، أو لعلها انزوت خجولة أمام ضجيج الأنانية والجفاء. أصبحنا نرى، بمرارة، من يتجاوز على كبير السن بكلمة جارحة أو نظرة استخفاف. والأشد ألمًا أن يأتي الجحود أحيانًا من الصلب ومن رحم الأم؛ من أبناء نبتوا في حضن آبائهم، ثم لما شاخ الآباء وثقلت خطاهم، ضاقت بهم صدور الأبناء وبيوتهم.
أي قسوة هذه التي تجعل إنسانًا يرمي والديه خارج دفء البيت؟ أي فقر أخلاقي يجعل الابن ينسى يدًا حملته صغيرًا، وظهرًا انحنى ليكبر هو مستقيمًا، وعينًا سهرت كي ينام مطمئنًا؟ إن من يطرد أباه أو أمه من بيته لا يطرد جسدًا متعبًا فحسب، بل يطرد بركة عمره، ويكسر المرآة التي سيرى فيها شيخوخته القادمة.
إن احترام الكبير ليس مجاملة اجتماعية عابرة، بل هو وفاء للزمن، واعتراف بفضل من سبقونا. ورحمة الصغير ليست ضعفًا ولا تدليلًا، بل هي تربية للإنسان في أجمل صوره. فالمجتمع الذي لا يوقر شيخوخته ولا يحمي طفولته، مجتمع يفقد توازنه الروحي، مهما امتلك من مظاهر المدنية والعمران.
لقد علمتنا الحياة أن الأخلاق لا تظهر في القاعات الفخمة ولا في الخطب الرنانة، بل تظهر حين تمد يدك لعجوز يترنح في الطريق، وحين تخفض صوتك أمام أب متعب، وحين تربت على كتف طفل خائف، وحين تتذكر أن الإنسان يُقاس بما يمنحه للضعفاء، لا بما يأخذه من الأقوياء.
ما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد للبيت هيبته، وللمحلة دفئها، وللشارع أدبه، وللإنسان إنسانيته. ما أحوجنا إلى أن نعلم أبناءنا أن الأب لا يشيخ في قلوب النبلاء، وأن الأم لا تصبح عبئًا مهما تقدم بها العمر، وأن الطفل ليس كائنًا هامشيًا، بل أمانة في أعناقنا جميعًا.
احترام الكبير ورحمة الصغير ليسا خلقين منفصلين، بل جناحان لروح واحدة اسمها النبل. فمن احترم الكبير عرف فضل الماضي، ومن رحم الصغير صان وعد المستقبل. وبين الماضي والمستقبل تقف أخلاق الإنسان شاهدة عليه: إما أن ترفعه إلى مقام الكرام، أو تكشف خواءه مهما علا صوته وازداد ماله واتسع بيته.
فالنبيل حقًا هو من يبقى إنسانًا حين يضعف الآخرون أمامه؛ يحنو على الصغير لأنه كان يومًا صغيرًا، ويوقر الكبير لأنه سيكون يومًا كبيرًا، ويدرك أن الرحمة والاحترام ليسا ترفًا أخلاقيًا، بل هما جوهر الحياة الكريمة
2026-05-22