الصمت الذي يوجع اكثر من الفساد!
لمياء العامري:
لماذا هذا الصمت الشعبي تجاه قضايا البلد، في وقت يتم تداول اتهامات ثقيلة تمس كل شيء تقريبا ، مياه، اراض، نفط، منافذ، وموازنة تنهب امام الجميع؟.
مسؤولون يتهمون ببيع موارد البلد ، ورشى تتداول علنا وبالفيديو ، وملفات نفط في الاقليم تطرح وتناقش على نطاق واسع ، ومليارات الدولارات تذكر في المنافذ الحدودية وكأنها ارقام بلا مساءلة او محاسبة حقيقية، (ربنا ما ضرنا الفساد، لكن ضرنا حلمك على الفاسدين).
المال العام يستباح ، والموازنات تفتح على مصاريعها بين اختلاس وهبات وصفقات لا تخضع للوضوح الكافي ، وحتى البطاقة التموينية تحولت الى ملف دائم للجدل ، تدار عبر شركة ضعيفة او غير مؤهلة ، لتصل مواد لا تعكس الحد الادنى من العدالة في التوزيع وكأن الامر بات واقعا مفروضا لا يسأل عنه احد.
وبصراحة .. الناس صارت تحس الموضوع طبيعيا رغم كل هذا الخراب.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لا تلغى هذه الالية، وتستبدل ببدل نقدي مباشر يضمن للمواطن حقه بشكل اوضح واقل فسادا وهدرا؟.
لماذا لحد الان لا توجد خطوة جدية بهذا الاتجاه؟ولماذا لا يحاسب المسؤول عن الموازنة السنوية بكل تفاصيلها: الايرادات، الصادرات، والفائض المالي؟ ولماذا تبقى الارقام الكبرى خارج دائرة المساءلة الفعلية؟
ولماذا لا يسأل المسؤول امام الشعب بشكل مباشر ، بدل بقاء الملفات في نطاق التصريحات العامة والتبريرات المتكررة؟الناس تتسأل: من الذي يحاسب بالنهاية؟.
كيف يمكن لحكومة لا يتجاوز عدد كبار مسؤوليها مئة شخص جاءت بهم الصدفة، ان تدير بلدا بهذا التعقيد وهذا الحجم من الثروات، بينما يفترض ان البرلمان هو صوت الشعب ، لكنه في كثير من الاحيان يبدو اقرب الى امتداد للتوازنات الحزبية والكتلوية؟.
الواقع يقول: كل واحد مشغول بكتلته اكثر من الشعب ،واي نائب فعليا تمكن من استرجاع حق مسلوب او اوقف هدرا واضحا ؟ ام ان المشهد العام انزاح نحو الامتيازات، من رواتب مرتفعة ، وسيارات ، وحمايات ، ومصالح تتسع ، بينما تتراجع حياة المواطن خطوة بعد اخرى؟.
الى متى يستمر هذا الصمت، في وقت تنهب فيه الموارد ، وتستهلك فيه الفرص، وتختصر فيه سنوات الناس في انتظار لا ينتهي؟
هل الشعب مكبل؟ ام منهك؟ ام ان طول التجربة جعل الاعتياد بديلا عن الرفض؟.
صار الواحد يقول: ماذا نفعل .. يعني؟لماذا هذا الصمت، وهل من المنطقي القبول بالطاعة العمياء لواقع تتكرر فيه نفس المشاهد: فساد يتداول ، ومحاسبة غائبة ، وخدمات متدهورة وبلد تتاكل بنيته امام الجميع؟.
موازنة خاوية، خدمات معدومة، رواتب منهكة، وبلد ممزق الاوصال، بينما تتسع الفجوة يوما بعد يوم بين من يملك القرار ومن يعيش النتائج.
لقد تبددت الاحلام وتاكلت السنوات، وتعفنت كثير من التفاصيل اليومية، حتى اصبح السؤال الحقيقي ليس فقط عن حجم الفساد ، بل عن سبب القدرة على التعايش معه دون رد فعل يوازيه.
الى متى يبقى ابن المسؤول في رفاه، بينما ابناء الشعب يواجهون ضيق العيش، واحيانا حدود الحاجة القاسية؟
ان هذا الصمت لا يبدو حيادا، بل حالة انهاك طويلة، تراكمت فيها الخيبات حتى اصبحت جزءا من المشهد اليومي، لا استثناء عابرا.
وفي النهاية، تبقى المقولة: كيفما تكونوا يولى عليكم، ليست شعارا اخلاقيا، بل سؤالا مفتوحا عن علاقة المواطن بواقعه، وعن حدود القدرة على تغييره
2026-05-21