راية أمريكا المعكوسة!
مهدى مصطفى
فى أمريكا تتسع ظاهرة التمرد على النفوذ الإسرائيلى، والأصوات الخرساء تتكلم، ترفض الارتهان لدولة أجنبية، والخوف يتلاشى من سيف الاتهام بالعداء للسامية.
بعد بول فندلى فى الثمانينيات، وديفيد ديوك فى التسعينيات، يجيء، الدور على توماس ماسى، عضو الحزب الجمهورى الأمريكى، وعضو مجلس النواب عن دائرة كنتاكى ليرفع الراية المعكوسة ضد اللوبى الصهيونى، ويسبح عكس التيار الجارف.
ماسى، تاريخيا، كان يدعم السياسة الخارجية التى تتماهى مع إسرائيل، وقرر فجأة الاستيقاظ، والتمرد على السائد، ثم الانحياز إلى التيار القومى الانعزالى، وراح يكسر عصا الطاعة، ويعلن العداء للوبى الصهيونى «أيباك» داخل الولايات المتحدة، ويرفض أن يكون لوبى أجنبى يتحكم فى القرار الأمريكى، وقد طالب بتشريع قانونى تخضع بموجبه كل اللوبيات على الأراضى الأمريكية للرقابة والمحاسبة الوطنية، بما فيها اللوبى اليهودى «أيباك».
رغم أنه جمهورى من حزب الرئيس، فقد وصفه ترامب بـ «الأحمق» ودعا إلى إسقاطه، وفى سبيل ذلك ضخت «أيباك» ملايين الدولارات لإلغائه من صف النواب، لكن ماسى يصر على القتال إلى النهاية، وكأنه يرى ضوءا فى نهاية النفق، أو يرى السماء الأمريكية تمطر غضبا خفيفا ضد اللوبى الصهيونى، والذى يراه ماسى وآخرون يتحكم فى حلق أمريكا العميق.
هو لم يكن الوحيد الذى رفع راية العصيان، ففى منتصف الثمانينيات، كان النائب بول فندلى، الذى قضى عشرين عاما فى الكونجرس، وقد كتب كتابا بعنوان: «من يجرؤ على الكلام: الشعب والمؤسسات فى مواجهة اللوبى الإسرائيلى».
كشف فيه تغلغل اللوبى اليهودى فى المؤسسات، والهيمنة على القرارات السياسية، والحضور الطاغى فى مؤسسات الدفاع والخارجية، والمؤسسات الأكاديمية ومراكز صنع القرار، كان الكتاب وثيقة دامغة، جعل «اللوبى اليهودي» يندفع إلى إسقاطه والتشهير به، وقد نجح اللوبى فى مسعاه، فاختفى فندلى من أروقة السياسة، لكنه ظهر كاتبا فريدا يدافع عما يعتقد، ورغم منع الكتاب من أرفف المكتبات، ظلت معلوماته كامنة فى العقل الأمريكى، وقد ترجم إلى معظم لغات العالم، ومنها العربية.
فى نفس الفترة، ظهر كتاب آخر خطير للنائب اليمينى عن ولاية لويزيانا ديفيد ديوك، تحت عنوان: «نزعة التفوق اليهودي»، مستعرضا فيه بالوثائق قصة النفوذ اليهودى فى السياسة العالمية منذ فجر التاريخ حتى اللحظة الراهنة، مستفيدا من كم الوثائق الهائلة والدامغة التى وقعت بين يديه، ليكشف كيف تمت السيطرة على الإعلام والسينما والقرار السياسى، وملاحقة المعارضين بتهمة العداء للسامية، ورغم أنه كان يمينيا محافظا، وبدأ حياته بالدفاع عن إسرائيل، استطاع ديوك أن يكسر الجدار الصلد، ويخرج وثائق دامغة عن الدور الذى تلعبه جماعات الضغط الصهيونى على صانع القرار، وقد دفع الثمن غاليا، بإقصائه وإخراجه من حلبة السياسة.
ثمة مفارقة تتزامن مع هذا الغضب المتصاعد، فقد استبق بنيامين نتنياهو التحولات فى المزاج الأمريكى، وقال إن إسرائيل تفكر فى الاستغناء عن الدعم الأمريكى، وتحويله إلى صفر، وهى رسالة غربية قد تكون محاولة ماكرة لتفادى ما يجرى فى الأروقة الأمريكية ضد نفوذ إسرائيل، وقد تكون خداعا إستراتيجيا، وقد تكون رسالة بأن إسرائيل باتت بالفعل قوة مستغنية، تمويلا وتسليحا، وهو ما يكذبه الواقع، وسوف يكذبه المستقبل القريب.
وإذا ما سقط توماس ماسى، سوف يظهر عشرات آخرون، فالسحاب المتجمع فى سماء الولايات المتحدة يتكاثف، وسوف يسقط أمطارا غزيرة ضد اللوبى الذى تحكم فى أمريكا منذ النشأة إلى الآن، وازداد ضراوة فى العقود الأخيرة، وصل إلى حد الإنخراط معا فى حرب جديدة على الشرق الأوسط، دون مراعاة للقانون الدولى أو الشرعية الدولية، وها هو العالم يعانى من القسوة، ومن ترنح الاقتصاد، وها هى الحرب تكشف أن إسرائيل، لو تركناها تعربد دون رادع، فسوف تدمر ميراث الحداثة وعصر الأنوار، وتعيد العالم إلى الفوضى والظلام، وقديما حذرنا الكاتب الكندى وليم جاى كار فى كتابيه: «أحجار على رقعة الشطرنج»، و «سحاب أحمر فوق نيويورك»، ولم ننتبه للنصيحة، فهل نستيقظ الآن؟
2026-05-21