أمن الخليج والبدائل الأخرى!
د. محمد السعيد إدريس
من بين الأسئلة الكثيرة التى أخذت تفرض نفسها بقوة منذ بدء العدوان الأمريكى – الإسرائيلى على إيران (28/2/2026) برز سؤال محورى له امتداداته فى الماضى بقدر ما سيفرض نفسه فى المستقبل وهو: كيف ستؤثر هذه الحرب على منظومة الأمن الإقليمى فى الخليج.
الإجابة عن هذا السؤال تتطلب معرفة كيف كانت منظومة الأمن الخليجية قبل هذه الحرب، كما تستلزم الإجابة مسبقاً عن سؤال آخر هو: كيف ستنتهى الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، أى ضمن أى سيناريوهات: هل سيسقط النظام فى إيران ويأتى نظام بديل قابل للخضوع والتبعية للإملاءات الأمريكية – الإسرائيلية؟ أم هل ستنتصر إيران؟ أم ستصل الحرب إلى معادلة توازن: لا منتصر ولا منهزم بالنسبة لكل من إيران والولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلى؟
فوقف الحرب مؤقتاً، وفرض هدنة مؤقتة من جانب الولايات المتحدة، واستمرار هذه الهدنة، ونجاح إيران على فرض إرادتها على المرور فى مضيق هرمز، وتطلعها إلى «فرض سيادتها الوطنية» على هذا المضيق الشديد الأهمية خليجيًا وعالميًا من منظورى الأمن والاقتصاد، وعجز الولايات المتحدة عن إثناء إيران عن هذا التوجه، وعجزها أيضًا عن فرض اتفاق لوقف الحرب، أو إنهائها وفق إرادتها بالنسبة لما يتعلق بملفى النووى الإيرانى ومضيق هرمز على إيران، كلها تطورات تقول إن الحرب تكاد تكون قد انتهت وفق معادلة جديدة لم تنتصر فيها الولايات المتحدة، ولم تنهزم فيها إيران، ويمكن أن نقول إن إيران قد انتصرت من منظور أن العدوان الأمريكى – الإسرائيلى لم يحقق أهدافه. لم يسقط النظام، ولم يفرض العدوان نهاية للقدرات النووية والصاروخية الإيرانية، ولم يجبر إيران على الانسحاب الإقليمى وإنهاء علاقاتها بحلفائها الإقليميين، بل إن إيران تربط فى المفاوضات التى تتوسط فيها باكستان بين وقف الحرب والاعتداءات على لبنان من جانب إسرائيل ووقف الحرب على إيران.
هذه المعادلة الجديدة، بمعالمها غير المحسومة بوضوح بدأت تلقى بظلالها على ما يمكن تصوره من مشاهد تتعلق أولًا بأمن دول مجلس التعاون الخليجى، وثانيًا بالأمن الإقليمى الخليجى بمفهومه الأوسع (الذى يضم دول مجلس التعاون الخليجى وإيران والعراق)، وهو المفهوم الذى يشغل إيران وينحصر أى حديث لها عن الأمن الإقليمى الخليجى على هذا المفهوم الموسع للأمن الخليجى ودور إيران فيه.
لذلك يبقى ضروريًا أن نسأل هل ستقبل إيران أن يعود الأمن الإقليمى الخليجى على ما كان عليه قبل الحرب الحالية، وما هى تصورات إيران الجديدة لأمن الخليج؟ وهل ستقبل دول مجلس التعاون الخليجى بهذه التصورات؟ وما هى البدائل المحتملة، أو الممكنة لدى هذه الدول لفرض منظومة أمن إقليمى تحقق مصالحها؟.
إذا جاز لنا توصيف الأمن الخليجى بمفهومه الضيق (أمن دول مجلس التعاون الخليجى) قبل الحرب الحالية، فإنه لا يخرج عن كونه «أمنًا أمريكيًا» فى مفهومه الدقيق، دون تجاهل بالطبع لعلاقات التعاون العسكرى والاستراتيجى بين دول المجلس، ودون تجاهل توجهها فى السنوات الأخيرة لتنويع علاقاتها العسكرية وأسلحتها مع أطراف دولية أخرى، لكن هذا الأمن فى جوهره، منذ عام 1991 أى منذ حرب تحرير الكويت وقيادة الولايات المتحدة لتحالف دولى (إدارة جورج بوش الأب) للحرب ضد العراق، والولايات المتحدة تنفرد بالأمن الخليجى، بعد نجاحها فى إفشال محاولة ربط الأمن الخليجى بالأمن العربى الذى جسده «إعلان دمشق».
الولايات المتحدة تهيمن على الأمن الخليجى عن طريق القيادة المركزية الأمريكية التى تشرف بقواتها المنتشرة فى الخليج والمحيط الهندى ودول إقليمية أخرى.
الآن إيران استهدفت معظم القواعد العسكرية الأمريكية فى دول مجلس التعاون، وترفض أى وجود عسكرى أمريكى فى الخليج، وترفض إعادة تشغيل هذه القواعد، وتعيد طرح مفاهيمها للأمن الخليجى الموسَّع وفق شروطها، مع قبول للتعاون مع قوى إقليمية (ربما، مصر والأردن وتركيا وباكستان) ضمن صيغة موسَّعة للأمن الإقليمى الخليجى لها أبعادها الإقليمية .
المعضلة الأساسية فى هذا الطرح الإيرانى، خاصة منذ سقوط النظام الشاهنشاهى الذى كان صديقًا، بل وحارسًا بتوكيل أمريكى، لأمن هذه الدول منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 هو «اختلال التوازن العسكرى والاستراتيجى» بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجى سواءً منفردة أو حتى مجتمعة لصالح إيران، مما دفع هذه الدول إلى اللجوء لـ «موازن خارجى»، سواء كان دوليًا (الولايات المتحدة أساسًا ثم حلف الناتو) أو إقليميًا (باكستان أحيانًا وتركيا فى أحيان أخرى) لموازنة هذا الخلل فى التوازن، والتصدى لأى جور إيرانى على دول المجلس. هذا يعنى أن دول مجلس التعاون مضطرة لرفض الطرح الإيرانى، وسوف تتمسك بالحليف الأمريكى الذى ترفضه طهران، لكنها صدمت فى الأسابيع الأخيرة بحوار أمريكى – إيرانى، يخص مضيق هرمز يحمل معالم تجاوز أمريكى لاعتبارات أمن دول المجلس ومصالحها، وهو الأمر الذى أوقعها فى مأزق، لكنها لم تتجاوز حتى الآن صيغة رفض هذا «الحوار» الأمريكى – الإيرانى، ولم تطرح بدائل أخرى من أبرزها بالطبع صيغة أمن عربية مبتكرة ربما تعيد الطرح المصرى لـ: «القوة العسكرية العربية المشتركة» كموازن إقليمى ربما يكون مقبولا من إيران.
دول مجلس التعاون مستاءة من «تهميشها» أمريكيا فى التفاوض مع إيران، وحريصة على ألا تصل الولايات المتحدة إلى اتفاق مع إيران دون استشارتها، وأخذ رأيها، وهناك من يحذر من أن «نهج التفاوض» الأمريكى المنفرد مع إيران دون مشاركة خليجية، لا يشمل صواريخ إيران ووكلائها، ويركز بشكل أكبر على مستويات تخصيب اليورانيوم بدلا من تقليص البرنامج النووى الإيرانى، وعلى كيفية منع نفوذ إيران على مضيق هرمز، بما يعنيه من ترسيخ قبضة إيران على إمدادات الطاقة .وبالمجمل هناك «إحباط خليجى» إزاء عملية صنع القرار الأمريكى أحادية الجانب.
هذا يقودنا إلى التساؤل إلى أين ستصل التفاهمات الأمريكية الاستراتيجية مع دول مجلس التعاون؟ وهل هذه الدول لديها القدرة أو العزيمة على البحث عن بدائل أخرى؟
2026-05-19