التأويل في الخطاب الإسلامي:
د. عدنان عويّد
ملخص:
اشتغلت هذه الدراسة على مسألة في غاية الأهمية من الناحية المعرفيّة والمنهجيّة, وهي مسألة أو قضية التأويل. فالتأويل من الناحية المنهجيّة هو وسيلة لكشف الحقيقة الكامنة في جوهر الظاهرة المراد تأويلها, أو هو الوسيلة التي نرمي من خلالها الوصول إلى جوهر النص بعد أن تعددت دلالات هذا النص في الظاهر. وبناءً على ذلك فالتأويل وفق هذا الموقف المنهجي والمعرفي معاً, يجب أن يمتاز بالحياديّة, أي الابتعاد عن المصالح الأنانيّة الضيقة, فردية كانت أو جماعيّة, وكذلك ضرورة الابتعاد عن المواقف المسبقة كالمرجعيات الدينيّة ومفرداتها الطائفيّة والمذهبيّة, وكذلك عن المرجعيات الطبقيّة والسياسيّة والأيديولوجيّة. فالتأويل إذن يهدف في المحصلة كما قلنا, الوصول إلى الدلالة الأكثر ارتباطاً بالظاهرة أو النص المراد تأويلهما.
عناصر الدراسة:
1- مدخل:
2- التأويل في الخطاب الإسلامي ويشمل:
أولاً: التأويل في الفكر السلفي:
ثانياً: التأويل في الفكر الشيعي:
ثالثاً : التأويل عند المتصوفة:
خاتمة:
1- مدخل: بداية وقبل الدخول في توضيح التأويل في الخطاب الإسلامي, دعونا نتعرف على التأويل في علم الاجتماع المعاصر لما له من أهميّة في معرفة التأوي من الناحية العقلانيّة النقدية من جهة, ثم معرفة جهر التأويل في الخطاب الإسلامي عند كل من التيار السلفي السني, والتيار الشيعي (الإمامي), والتيار الصوفي.
إن التأويل في علم الاجتماع المعاصر برأيي, هو منهج وفلسفة تركز على فهم المعاني الكامنة في نص ما بشكل خاص, إضافة إلى فهم الأبعاد الرمزيّة أو الدلالات العميقة للأفعال الاجتماعيّة بشكل عام، بدلاً من مجرد وصفها ظاهريّاً. ويسعى هذا الاتجاه إلى تفسير “كيف” و”لماذا” يضفي الأفراد معنى على حياتهم وتفاعلاتهم، معتبراً هذا التأويل الفرد ووحدته التفاعلية
محوراً للدراسة.
هذا ويعتبر علم (الهيرمينوطيقا (Hermeneutics), علم وفن التفسير والتأويل، بالبحث في مبادئ وقواعد فهم النصوص، وخاصة الدينيّة، والأدبيّة، والفلسفيّة. ولقد تطورت هذه المبادئ والقواعد من مجرد مبادئ وقواعد لتفسير النصوص, إلى نظريّة فلسفيّة شاملة لفهم الوجود واللغة والسياق التاريخي والثقافي لحياة الإنسان، محولةً الفهم من مجرد نقل المعنى إلى عمليّة تفاعليّة بين النص والقارئ. (1).
ومن أبرز نقاط التأويل أو علم (الهيرمينوطيقا) في علم الاجتماع هي:
1- فهم الفعل الاجتماعي: وهو التركيز على تأويل المعاني التي ينتجها الأفراد في تفاعلاتهم اليوميّة.
2- التأويل المزدوج: وهو تأويل يشير إلى أن عالم الاجتماع لا يدرس مجتمعاً صامتاً، بل يدرس مجتمعاً يؤول أفعاله بنفسه، مما يخلق تفاعلاً بين لغة الباحث واللغة اليومية للمبحوثين.
3- الفهم العميق مقابل التفسير السطحي: وهنا يتجاوز المنهج التأويلي (الهرمنيوطيقا) التفسير السببي السطحي, ليغوص في السياقات الثقافيّة والرمزيّة للفعل.
4- المبادئ الأساسية: ويعتمد التأويل هنا على فهم سياق (الظاهرة الاجتماعية وفهم المعاني الكامنة وراء السلوك كرمز، كما يربط بين “الفهم” (المعنى) و”التفسير” (الأسباب والنتائج).
التأويل في الخطاب الإسلامي:
أولاً: التأويل في الفكر السلفي:
إذا كان التأويل في علم الاجتماع المعاصر برأيي, هو منهج في التفكير, وموقف فلسفي يشتغل على فهم المعاني الكامنة في نص ما بشكل خاص, إضافة إلى فهم الأبعاد الرمزيّة أو الدلالات العميقة للأفعال الاجتماعيّة بشكل عام، بدلاً من مجرد وصفها ظاهريّاً. أو بتعبير آخر يسعى التأويل إلى تفسير “كيف” و”لماذا” يضفي الأفراد معنى على حياتهم وتفاعلاتهم، معتبراً هذا التأويل أن الفرد والمجتمع وبيئتهما التفاعلية محوراً للدراسة.
فإن التأويل عند السلفية جاء لغةً: مشتق من “الأول” وهو الرجوع، أي إرجاع الكلام إلى أصله ومآله. واصطلاحاً: هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر (مرجوح), يحتمله الدليل لوجود قرينة تقتضي ذلك. ويوصف أيضاً بأنه, بيان المعاني الخفيّة للنص أو كشف حقيقة ما يؤول إليه الأمر.
إذاً التأويل بالمعنى الاصطلاحي وكما بينه السلف: هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر مرجوح لوجود قرينة تقتضي ذلك. وبالتالي فالتأويل لا يقطع في الدلالة أو في الاحتمال, بل يسمح بفتحهما للوصول إلى حقيقة ما هو مؤول أو مسكوت عنه فيه. بيد أن مثل هذا التأويل عند السلفيين مرفوض من حيث المبدأ, لأن ما (هو ظاهر) في نصوص الكتاب والسنة يجب القول به, أو العودة إليه عندهم, وهم يقولون بأن فتح باب التأويل يهدم الدين, بحيث يسمح لكل إنسان أن يقول أو يفسر ظاهر الآية والحديث كما يريد, وبالتالي يعمل على استنطاقها بغير المراد منهما. والسلفيون يقولون إن الخوارج والشيعة والمتصوفة وغيرهم, قد مارسوا البدع عندما أولوا قول الله لِمَا أرادوه هم وفقاً لمصالحهم أو فهمهم الضيق, وهم بذلك قد فتحوا أبواب البدع وهي أبواب الشر. وهذا ما يدفع أيضاً إلى التأكيد من قبل أئمة السلفية, إلى ضرورة الاستدلال بالآيات والأحاديث والتقليل من الأخذ بالرأي. (2). وعليه نستطيع أن نقف هنا قليلاً عند مسألة التأويل كما حددها أو فهمها أحد أقطاب الأشاعرة وهو حجة الإسلام ” أبو حامد الغزالي “. حيث يشير في هذا الاتجاه إلى ضرورة التزام التأول إن حدث, بثلاثة وصايا أساسيّة يشترطها هو لصحــة هذا التأويل بهــذا المعنى وهي : الوصية الأولى وتتضمن:
1- أن لا يطمــع (المؤول) في الاطــلاع على جميع المعاني المضمنة في باطن النص، فإن ذلك في غير مطمع, وليلتزم قـول الله سبحانه وتعالى: (وما أوتيتم من العلــم إلا قليلا).
2- ولا ينبغي أن يستبعد عرض بعض هذه الأمور على أكابر العلماء، فضلا عن المتوسطين. انطلاقا من قوله تعالى: (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم…)
الوصية الثانية وتتضمن:
أن لا يٌكَذِبَ برهان العقل أصلا, فإن العقل لا يَكْذٌبَ، ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ و(الشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع). وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل, لن يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة (3).
غير أن مشكلة استخدام العقل هنا عند الغزالي, هي المشكلة ذاتها الذي وقع فيها شيخه أبو حسن الأشعري, وهي أن استخدام العقل لا يمارس دوره حراً في تقصي الحقيقة, بل إن دوره يقتصر على تثبيت النص المقدس لا الحكم عليه. وهذا ما أكده في قوله : و(الشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع). وهذا الرأي للغزالي يناقض رأي ابن رشد الذي أعطى العقل حريته في إثبات الحقيقة حيث يقول: (عند تعارض الظاهر النصي مع العقل، يجب اللجوء إلى «التأويل» لإعادة فهم النص وفق ضوابط برهانيّة.). أي وفق ضوابط عقليّة.
إذاً يرفض التيار السلفي “التأويل”, أي (صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح) في العقائد والصفات، متبنياً منهج إمرار النصوص كما جاءت على ظاهرها، وإثباتها حقيقة بلا تكييف ولا تشبيه. أي يعتمد السلفيون على الأخذ بظاهر النص، ويعتبرون أن الصحابة والتابعين لم يؤوّلوا، ويرون في التأويل “تأويلًا فاسدًا” و”تعطيلاً” للصفات يقع في بدع “الجهمية والمعتزلة” الذين آمنوا بالمنطق وبحرية العقل المنفتح على الحقيقة. (4). وهذا برأي من مآسي الفقه في الإسلام الذي التزم بالنقل والحقيقة المطلقة التي حددها ظاهر النص, ورؤية الفقهاء الذين فسروا النصوص المقدسة وشرعوا للناس من خلال فهمهم وثقافتهم ومناهج تفكيرهم في العصور الوسطى.
ثانياً: التأويل في الفكر الشيعي:
إذا كان الخطاب السلفي (السني) قد حارب التأويل وأقصاه كما بينا أعلاه, وبذلك يكون قد حارب العقل وقدراته في التشريع وكشف الحقيقة, وعليه جاءت محاربتهم للتأويل الذي مارسه الشيعة والمتصوفة. بيد أن التأويل عند الشيعة والمتصوفة, حمل الكثير من الأخطاء المعرفيّة والمنهجيّة كونه وظف لمصالح خاصة ماديّة أو معنوية. وبناءً على ذلك دعونا نتعرف على التأويل عند كلا الطرفين الشيعة والمتصوفة.
لقد ميز الشيعة وخاصة الإمامية منهم, الفرق بين التدبر في القرآن والتفسير والتأويل.
1- إنّ التدبّر هو: الوقوف عند الآيات والتعمّق فيها, وأخذ العبر للعمل بها، فهو في الواقع ناتج عن التفسير والتأويل الصحيحين.
2- أمّا التفسير في الاصطلاح: فهو كشف الغوامض والأستار عن ظاهر القرآن بمعونة شرح الالفاظ والتففه في موارد اللغة واستنتاج المفاهيم والمعاني، خصوصاً بمراجعة المأثور من كلام الأئمة المعصومين, وعلى الأخصّ في مجال تمييز المتشابهات عن المحكمات وبيان المراد منها.
3- أمّا التأويل: فهو في الحقيقة تطبيق المفاهيم والآيات (في الخارج)، أي تعيين المصاديق الخارجيّة لمعاني الآيات. فالتأويل الصحيح يترتّب من ناحية المعنى على التفسير الصحيح. ولا يخفى انّ التأويل الصحيح لا مجال للوصول اليه إلاّ عن طريق الوحي وكلام الأئمة المعصومين.
أمثلة على التأويل عند الشيعة الإمامية:
يُركز تأويل الشيعة للنص القرآني بشكل أساسي على تثبيت عقيدة الإمامة، والولاية لأهل البيت، وتفسير الآيات باطنيًا لتتوافق مع إمامة علي بن أبي طالب وذريته، حيث يعتبر الشيعة أن القرآن نزل بتفصيل الولاية، ولكن تم إسقاطها.
أبرز أمثلة تأويل القرآن عند الشيعة:
آيات الولاية والإمامة: تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة: 55)، يقولون إنها نزلت في علي بن أبي طالب عندما تصدق بخاتمه وهو راكع.
تأويلات “آل محمد” وبني هاشم: روي في التفسيرات الشيعية (مثل البرهان وتفسير القمي) تأويل العديد من الآيات بإقحام “آل محمد” أو “بني هاشم” فيها، مثل تفسير {سلام على يس} بأنها “سلام على آل محمد”.
سورة “هل أتى” (الإنسان): الإجماع الشيعي على أن سورة “هل أتى” نزلت بالكامل في حق علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
تأويل “بني إسرائيل” بأهل البيت: يرى بعض المفسرين الشيعة مثل القمي أن ذكر “بني إسرائيل” في آيات معينة هو رمز للإشارة إلى أهل البيت. مثل الأيات التالية التي تقول : “وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ”. سورة القصص (5و6).
آية التطهير: قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب: 33)، وتخصيصها بـأهل البيت الخمسة (النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين).
ثالثاً : التأويل عند المتصوفة:
يأتي التأويل عند المتصوفة أسلوب نظر لكشف المعاني الباطنية للنصوص الدينيّة (القرآن والحديث) عبر “الذوق” والفتح الروحي، حيث يتجاوز هذا الأسلوب التفسير الحرفي الظاهري. للغوص نظراً في النص المقدس ودراك أو معرفة الحقائق الإلهيّة عبر الرمز والإشارة، وذلك من خلال ربط ظاهر النص بباطنه في تجربة معرفيّة وجدانيّة (ذوقيّة – عرفانيّة), تصل العارف بالله، وهذا ما يجسد رحلة العبور من “حرف” النص إلى “حقيقته”
الفرق بين الظاهر والباطن:
يعتبر المتصوفة أن للقرآن ظهراً وبطناً، والتأويل هو الغوص في الباطن الذي لا يدركه إلا “أهل الكشف”. أي أهل المعرفة الذوقيّة. فالتأويل الصوفي لا يعتمد هنا على العقل والمنطق فحسب، بل على الذوق والقلب والروح، مما, هذا ما يجعله تجربة فرديّة مباشرة.
أما اللغة الرمزية: فالمتصوفة يستخدمون لغة رمزيّة وإشارات تعبر عن الحقائق الروحيّة الدقيقة، ويصبح التأويل ضرورياً لفهم هذه الرموز.
أهداف التأويل الصوفي:
1- الوصول إلى الله: وتتجسد في تجربة الحب الإلهي والفناء في الله.
2- التأسيس الشرعي: أي إثبات أن التصوف امتداد لعمق الشريعة.
3- كشف الرموز: أي فك رموز اللغة الصوفيّة المجازيّة.
هذا ويعتبر “محيي الدين بن عربي” من أبرز من أسسوا للتأويل الوجودي والمعرفي، حيث يرى النص الديني قابلاً للتأويل بناءً على التجربة الذوقيّة، والجمع بين المعرفة العقليّة والروحيّة. (7).
أمثلة على التأويل عند المتصوفة:
قلنا إن تأويل النص القرآني عند المتصوفة هو “علم الباطن” الذي يتجاوز الدلالة الظاهريّة (التفسير), إلى إشارات خفيّة تدرك بالذوق والكشف الروحي، من خلال تحويل الآيات إلى رموز تعبر عن تجاربهم الوجوديّة، مثل تفسير “الخضراء” بالقلب و”البحر بالعلم.”. هذا ويعتمد هذا المنهج على البحث عن باطن المعاني، ويرتبط بمقامات السالكين إلى الله.
ومن الأمثلة البارزة على تأويل النص القرآني عند المتصوفة:
تأويل الآيات الكونية مثل (قصة موسى) مثلاً:
تأويل: ﴿وَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ (طه: 12): يؤولها الصوفيّة بأنها “اخلع” الدنيا والآخرة من قلبك، أو اخلع هواك ونفسك، لتبقى لله خالصاً.
أو تأويل: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (طه: 12): عند بعضهم (كالقطب الشاذلي) على أنها إشارة إلى “الوحدة” وأن المتحدث والسامع في مقام “الفناء” واحد. أو ما يسمى بالتوحد كما هو الحال عند الحلاج بقوله: (وما في الجب إلا الله).
وهنا تأويل قصص الأنبياء مثل (قصة يوسف):
حيث يتم تأويل “يوسف” عليه السلام رمزياً, على أنه رمز للجمال الإلهي المطلق، أو الروح، أو “الإنسان الكامل”.
وهناك تأويل “الجب” : حيث يمثل عالم المادة أو البدن.
وهناك تأويل “الرؤيا”: وهي الكشف عن الحقائق الغيبيّة.
تأويل آيات الصفات والوجود:
مثل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق: 16). ويؤولها الصوفيّة كدلالة على “وحدة الوجود” (ابن عربي)، حيث لا يرى المتصوف وجوداً حقيقياً إلا الله، وأن القرب هو قرب الذات، لا قرب مكان.
وتأويل:﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (الأعراف: 143): يؤولونه بأن (الميقات) هو “حضور القلب”، وأن تكليم الله هو “الوحي الباطني” الذي يقذفه الله في قلب العارف.
تأويل الأحكام والعبادات:
مثل الصلاة: لا يكتفي المتصوف بأركانها الظاهرة، بل يؤولها بأنها “معراج” الروح إلى الله، وأن الخشوع هو “الفناء” في المحبوب.
أما الحج: فيؤولونه بأنه “طواف القلب” حول حضرة الحق، وليس فقط طواف البدن حول الكعبة.
تأويل الحروف المقطعة:
يغوص المتصوفة مثل (ابن عربي) في تأويل الحروف مثل (الم، الر، طسم) معتبرين إياها أسراراً إلهيّة ورموزاً لمراتب الوجود، والأسماء الإلهية التي لا يعلم حقيقتها إلا الله والراسخون في العلم.
ملاحظة: يفرق الصوفية بين “العبارة” (الظاهر) و”الإشارة – الباطن” حيث يأت في الظاهر التفسير لعامة المؤمنين، والإشارة لخاصة الخاصة.(8).
خاتمة أو ملاك القول:
إن من يتابع حركة التأول في الخطاب الإسلامي تاريخياًّ إن كان عند الفقهاء أو علماء الكلام, يجد تلك المواقف التي تميل إلى الابتعاد كثيراً عن الحيادية من جهة وعن المنهجية من جهة ثانية, وأن أكثر المؤولين اعتمدوا على اللغة كعامل رئيس في الكشف عن دلالة النص, إن كان لدى السنة في خطابهم السلفي الرافض للتأويل, أو لدى الشيعة والمتصوفة الذين مالوا للتأويل, كما نجد أيضا أن من تعامل مع التأويل من كلا المؤمن به أو الرافض له, جاء موقفه هذا من باب مصالح سياسيّة أكثر منها مواقف عقيديّة, بالرغم من أنهم أعطوا للتأويل لبوساً عقدياً. فالرافضون للتأويل, كان رفضهم من باب الخوف على السلطة من المعارضة الشيعيّة بشكل خاص, أو من باب الخوف من تحريض الجمهور على استبداد السلطة كان المتصوفة العرفانيين كانوا إلى صف الجماهير الفقيرة, أو نتيجة صدام أفكارهم وممارساتهم مع التفسيرات التقليدية للشريعة، أو بسبب مواقف سياسية، وتهم تتعلق بالزندقة أو الهرطقة. ومن أبرز المتصوفة العرفانيين الذين قتلوا (مثل الحلاج، السهروردي، وعين القضاة الهمذاني).
ونظراً لعدم التعامل مع التأويل بشكل حيادي في الحامل الاجتماعي للخطاب الإسلامي, ظهر في الخطاب الإسلامي (73) فرقة, كلها اعتمدت على تأويل أو تفسير النص الديني خارج دلالاته الحقيقيّة التي جاء النص من أجلها من جهة, أو خارج وسائله المعرفيّة العقلانيّة من جهة ثانية.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا
d.owaid333d@gmail.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
1- محاولة في تأصيل مفهوم التأويل في العلوم الاجتماعيّة. أنور مقراني. موقع إعداد الكلمة.
2- ( — المرجع : مقال للدكتور أحمد رشوان – “السلفية قواعد واصول” عن موقع الإسلاميون.)
3- المرجع: منهج الإمام الغزالي في التأويل: دراسة تطبيقية في نماذج من تراثه. حسن هموا – موقع. منار الإسلام للأبحاث والدراسات.).
4- موقع إسلام ويب – منهج السلف, عدم التأويل مطلقاً إلا بثبوت دليل راجح –
5- المرجع (مركز الأبحاث العقائدية. الفرق بين التدبر والتفسير والتأويل.
6- (التأويلات الباطنية من فضائح الشيعة الكبرى – مجلة البيان
15/03/2026 الباحث كمال مصطفى.).
7- المعرفة الصوفية والتأويل: المرجعية، النسق، والسياق- الرابطة المحمدية للعلماء – المغرب – د. محمد حلمي.
8- العملية التأويل في النص الصوفي – لياس عمروش – موقع asjp.
2026-05-14