النظام العربى والنظام الشرق أوسطى – إشكالية العلاقة!
د. محمد السعيد إدريس
أعترف بداية بأن العلاقة بين النظام الإقليمى العربى والنظام الإقليمى الشرق أوسطى علاقة شديدة الغموض والتعقيد، ومن ثم فإن أى محاولة لتحليل العلاقة بين النظامين يجب أن تكون واعية فى بداية الأمر بالإشكاليات التى تحكم هذه العلاقة، التى تتميز جوهريًا عن علاقة أى نظامين إقليميين ببعضهما البعض، لوجود تداخل شديد بين هذين النظامين، تداخل فى العضوية، وتداخل فى التفاعلات وتصارع فى الأهداف.
فالنظام الإقليمى، فى أبسط تعريفاته هو «نمط منتظم من التفاعلات بين وحدات سياسية مستقلة (دول) داخل إقليم جغرافى معين»، أى أنه «إطار تفاعلى» مميز بين مجموعة من الدول، يفترض أنه يتسم بنمطية وكثافة التفاعلات، بما يجعل التغيير فى جزء منه يؤثر على بقية الأجزاء (الدول) الأخرى، وبما يؤدى أو يحمل ضمنًا اعترافًا داخليًا وخارجيًا، بهذا النمط التفاعلى كنمط مميز.
هذا النمط التفاعلى «الإقليمى» أخذ يحتل مرتبة مهمة فى تحليل نوع جديد من العلاقات والتفاعلات التى تحدث بين مجموعة من الدول التى تقع فى منطقة جغرافية معينة وبين مجموعات من الدول تقع فى مناطق جغرافية أخرى. وقد أدى انتشار هذا النمط من التفاعلات ذات الخصوصية التى تحدث داخل الأقاليم إلى ظهور أنماط جديدة من العلاقات والتفاعلات الدولية، هى التفاعلات التى تحدث بين الدول أعضاء النظم الإقليمية وبعضها البعض، وبين هذه النظم وقيادة النظام العالمى. هذا النمط من العلاقات أخذ يُعرف فى أدبيات العلاقات الدولية بـاسم «العلاقات الدولية الإقليمية».
ولفهم خصوصية العلاقة بين النظام الإقليمى وكل من قيادة النظام العالمى والدول الوطنية، أو القومية التى تُشكل بنية تلك النظم يميز علماء النظم الإقليمية بين منظورين لنشأة هذه النظم بحكم وسطيتها بين النظام العالمى والدول الوطنية أو القومية. المصدر الأول أساسه النظام العالمى الذى أخذ يتفرع إلى سلسلة من النظم الفرعية، ومنها تتشكل سلسلة أخرى من النظم الفرعية، والمصدر الثانى هو الدول عندما تشكل بعضها نظامًا إقليميًا يخص الإقليم الذى تنتمى إليه.
ومن هنا ظهر مسمى «النظام الفرعى» وهو ذاته النظام الإقليمى، مثل: النظام الفرعى لغرب أوروبا فهو ذاته النظام الإقليمى لغرب أوروبا،. ومن هنا يجىء مسمى النظام الإقليمى للشرق الأوسط، أو النظام الفرعى الشرق أوسطى. هذا يقودنا إلى الإشكالية الأولى للعلاقة بين النظام الإقليمى العربى والنظام الإقليمى الشرق أوسطى، باعتبار النظام الإقليمى العربى نظامًا فرعيًا من النظام الشرق أوسطى، نظرًا لأن النظام الإقليمى للشرق الأوسط هو النظام الأوسع جغرافيًا ويمتد فى أبرز تعاريفه، من باكستان شرقًا إلى المغرب غربًا، ومن تركيا شمالًا إلى جنوب السودان جنوبًا، بهذا المعنى يُعتبر النظام الإقليمى العربى جزءًا من النظام الإقليمى الشرق أوسطى، تمامًا كما نعتبر مجلس التعاون الخليجى أو الاتحاد المغاربى نظمًا فرعية من النظام العربى، هى حلقات تبدأ من الدول، ثم إلى النظم الإقليمية ثم إلى النظام العالمى.
أما الإشكالية الثانية فهى تخص تعارض نشأة النظامين. فالنظام العربى الذى نشأ عام 1945 عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية خرج بإرادة الدول المؤسسة ودعم ومباركة المستعمر البريطانى، كما نشأت معه منظمته الإقليمية وهى جامعة الدول العربية بميثاقها المشهور وما يتضمنه من أهداف ومبادئ. لكنه لم ينشأ كنظام قومى وحدودى، بل نشأ كمجرد إطار تنسيقى أو تعاونى، هدفه الأساسى هو الحفاظ على سيادة واستقلالية الدول الأعضاء، تفتقر قراراته إلى الإلزام، فالقبول بها اختياريًا، فى حين أن النظام الشرق أوسطى الأوسع بحدوده الجغرافية كما رآها المستعمرون الغربيون ليس إلا نظامًا تفاعليًا افتراضيًا System وليس نظامًا بالمعنى التنظيمى له قواعده ومنظمته، ولكنه نشأ بإرادة غربية لأداء وظائف محددة أبرزها تحقيق أهداف الحركة الصهيونية فى فلسطين، والحيلولة دون توحد العرب، أى أنه نشأ عدائيًا للنظام الإقليمى العربى، وكانت الدول الداخلة فى عضويته (إلى جانب الدول العربية أعضاء النظام الإقليمى العربى) وبالتحديد: إيران وتركيا وكيان الاحتلال الإسرائيلى عند نشأته، دولًا عدائية للنظام العربى، لكنها كانت تتميز أنها موحدة مع ذاتها وليست منقسمة كما هو حال الانقسام العربى الـ 22 دولة، وأنها تملك مشاريع قومية أو وطنية، عكس النظام العربى الذى لم يستطع التأسيس أو التوافق على مشروع قومى عربى للنهضة والتقدم، يكون به قادرًا على مواجهة الخلل فى توازن القوى بينه وبين تلك الدول الإقليمية الكبرى الثلاث فى الإقليم: إيران وتركيا ونظام الاحتلال الإسرائيلى. لذلك كان النظام الشرق أوسطى بقواه الثلاث، رغم تنافرها وعدائها المتبادل: إيران (فى عهد الشاه أو الجمهورية الإسلامية) وتركيا بتطورات مشروعها القومى وكيان الاحتلال الإسرائيلى، قادرًا على اختراق النظام العربى، وأن تكون له سطوة فى إدارة التفاعلات العربية، وتعميق الانقسام والاستقطاب العربى.
مثل هذه القضايا والإشكاليات كانت محورًا أساسيًا فى الجزء الخاص بـ «النظام العربى والنظام الشرق أوسطى» فى العدد رقم 40 من التقرير الاستراتيجى العربى، الذى جرت مناقشته يوم الاثنين (27 أبريل الماضى) باستضافة كريمة من قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، حيث تشرفت بعرض هذا الجزء مشاركة مع الابن والصديق الدكتور محمد عباس ناجى، وكانت الدكتورة نيفين مسعد الأستاذة المرموقة بالكلية، بمشاركة الأستاذ الدكتور على معوض، هما من توليا مناقشة هذا الجزء من التقرير، ولعل ما كتبته مشكورة الأستاذة الدكتورة نيفين مسعد على صفحات الأهرام (السبت 2 مايو الحالى) تحت عنوان «التقرير الاستراتيجى العربى» محفزًا قويًا لبدء جولة ضرورية من الحوار حول مجمل التقرير، وبالأخص الجزء العربى والإقليمى لطرح المزيد من الإيضاحات والإضاءات للإشكاليات التى تحكم العلاقة بين النظام الإقليمى العربى والنظام الإقليمى الشرق أوسطى، كضرورة للوصول إلى استخلاصات تفيدنا فى الوصول إلى «نقطة ضوء» فى النفق المظلم الذى دُفع فيه نظامنا الإقليمى العربى والعودة إلى عهد جديد من النهضة الحضارية.
2026-05-06