الأضرار الجانبية للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران (ج2)!
الطاهر المعز
هل تكون الأزمة مُحفِّزًا لتغيير العادات الغذائية؟
يجب أن تكون الأزمة الحالية بمثابة حافز، لأن إعادة فتح مضيق هرمز، إن حَدَثَ، لن يحل المشكلة الأساسية، إذْ تُظهر الأبحاث التي أجراها معهد كيل للاقتصاد العالمي أن إغلاقًا قصيرًا قد يكون كافيًا لتعطيل موسم زراعي بشكل دائم، ولذا قد تأتي الصدمة التالية من مكان آخر أو نزاع آخر أو جفاف شديد أو حصار بحري أو قيود على الصادرات أو ارتفاع أسعار الطاقة، وما إلى ذلك… لذا، فقد حان الوقت لتغيير النطاق والنهج، ويتطلب هذا أولًا إعادة توجيه جزء من الدعم الحكومي المُركز حاليًا على دعم الإحتكارات الرأسمالية ونماذج الزراعات الصناعية والتّجارية التي تعتمد بشكل كبير على المدخلات الكيميائية، ورغم الأضرار التي ألحقها هذا النوع من الزراعات، لا يزال نحو 90% من مبلغ 540 مليار دولار المخصص للدعم الزراعي العالمي السّنوي يُوجه إلى أشكال إنتاج تُديم هذا الاعتماد.
يتطلب هذا الجانب الثاني استثمارًا أكثر جدية في أبحاث المحاصيل المهملة وغير المستغلة بالشكل الأمثل: توصيف الموارد الوراثية وتحسين الأصناف والتربية التشاركية وزراعة أنظمة المحاصيل المختلطة وسلاسل إمداد البذور اللامركزية وأسواق الغذاء والتصنيع، وهذا بدوره يتطلب إعادة بناء أنظمة غذائية أكثر تنوعًا وأكثر ارتباطًا بالمناطق الجغرافية، وأقل اعتمادًا على عدد قليل من نقاط العبور البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.
لا تُعد أزمة هرمز حالة شاذة في نظام غذائي متين، بل على العكس، فهي تكشف عن عمق الاعتماد الذي تراكم على مدى عقودن ونظرًا لهيمنة المنظومة الرأسمالية، لم يُعِر العالم أهمية لإيجاد سبل لتأمين هذه التدفقات، ولم تُعِر سلطات معظم بلدان العالم اهتمامًا كافيًا لكيفية تقليل التعرض للصدمات الغذائية، ويمكن للمحاصيل التي وُصفت بأنها ثانوية أو تقليدية أو منسية أن تُساعدنا تحديدًا في تحقيق السيادة الغذائية، ولا يتعلق الأمر بتجميل الماضي أو التظاهر بأن هذه المحاصيل المنسية ستحل محل الأنظمة الزراعية الرئيسية في العالم بمفردها، بل يتعلق الأمر بإدراك أن نظامًا زراعيًا أكثر تنوعًا، وأقل اعتمادًا على الأسمدة الكيميائية، وأكثر تجذرًا في الواقع المحلي، سيكون أيضًا أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات المستقبلية، فلن تحل المحاصيل المنسية وحدها أزمة مضيق هرمز، لكنها من بين الحلول القليلة التي تعالج سببها الجذري المتمثل في الإعتماد المفرط على نموذج زراعي مكثف وهَش قائم على الوقود الأحفوري ومشتقاته.
التّهديد الأمريكي بإغلاق مضيق هرمز ومحاصرة إيران
يثير التهديد بفرض حصار أمريكي على مضيق هرمز مخاوف من استئناف القصف الأمريكي المكثّف على المباني السّكَنِيّة والجامعات والمعابد والجُسُور والمصانع وغيرها، وهي أعمال العدائية سبقت التّهديد بمثل هذا الحصار الذي تدّعي الولايات المتّحدة إنه “قانوني في زمن الحرب”، رغم تعطيل إمدادات النفط العالمية و”مفاقمة التوترات الدبلوماسية” وفق وسائل الإعلام الأوروبية، وتشكل هذه الاستراتيجية أداة ضغط اقتصادي رئيسية على إيران، وتحديًا ل”مبدأ حرية الملاحة” الذي أثارته الولايات المتحدة وأوروبا عندما أعلنت إيران إغلاق المضيق، ومع فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، بات وقف إطلاق النار الهش على وشك الانهيار مجددًا، وقد صعّد دونالد ترامب من لهجته، مُعلنًا أن البحرية الأمريكية ستفرض حصارًا على مضيق هرمز، وصرح الرئيس بأن الولايات المتحدة ستعترض السفن التي دفعت رسومًا لإيران لعبور المضيق، مُتهمًا طهران بممارسة “الابتزاز” بفرض هذه الرسوم، وأفادت صحيفة نيويورك تايمز بأن الجيش الأمريكي يُخطط لحصار الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية فقط، مع السماح بمرور السفن من دول أخرى، وهو ما يبدو تراجعًا عن تصريح الرئيس الأولي، فما هي تداعيات الحصار إذا ما تم تنفيذه؟
وصلت الحرب بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران إلى طريق مسدود، وتم إعلان وقف إطلاق النّار، لكن فشلت محادثات السلام، وقد يُؤَدِّي حصار مضيق هرمز، وهو ممر مائي اقتصادي حيوي، من قِبل سفن البحرية الأمريكية إلى إلغاء وقف إطلاق النار وإلى استئناف الأعمال العدائية.
منعت إيران فِعْلِيًّا، منذ بدء العدوان على أراضيها، يوم 28 شباط/فبراير 2026، الملاحة في المضيق، حيث أصبحت سلامة السفن العابرة للمضيق مُهَدَّدَة، وعبرت بعض السفن المضيق إما برفقة إيرانية، أو، وفقًا لبعض التقارير، بعد دفع نوع من “الرسوم” لإيران، وتمّت هذه الممارسة في سياق نزاع مسلح دولي تُعلق فيه حرية الملاحة الطبيعية، ونظرًا للأهمية البالغة لمضيق هرمز لعبور النفط الخام، الذي يُعدّ أساسيًا لتزويد العديد من دول العالم بالوقود، فإن الحصار سيُقيّد هذا الإمداد بشكل أكبر ويتسبب في ارتفاع آخر في أسعار البنزين، كما هدد الرّئيس الأمريكي الصين بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% إذا ثبت أنها تُساعد إيران في هذا النزاع…
وجب التّذكير بالممارسات الأمريكية (غير القانونية) مثل فرض حصار وعقوبات على كوبا منذ نحو 65 سنة وفرض حصار على ناقلات النفط الداخلة إلى فنزويلا والخارجة منها، منذ كانون الأول/ديسمبر 2025، بالإضافة إلى فرض عقوبات على البلاد، واختطاف الرئيس الشّرعي المُنتخَب للبلاد، وتسترسل الإمبريالية الأمريكية في هذه الممارسات العدوانية بإعلاندونالد ترامب “إن الجيش الأمريكي سيُحاصر المضيق بأكمله ويستهدف السفن التي دفعت لإيران مقابل المرور”، بمشاركة بعض الدّول الأخرى، مما يؤدّي إلى مزيد من التوترات الدبلوماسية مع دول العالم، ولا يبدو أن أي دولة متحمسة للمساهمة في هذه العملية في هذه المرحلة، لِفَرْض عبور المضيق للوصول إلى المحيط الهندي أو البحر الأبيض المتوسّط، ويتطلب تنفيذ الحصار من قِبَلِ الجيش الأمريكي قدرات هائلة، لأن مثل هذه العملية تتطلب نشر موارد بحرية ضخمة للسّيْطَرَة على المنطقة، فضلا عن الضّغط على إيران لكي تتنازل عن شروطها، مثل الإفراج عن الأموال المُحتَجَزَة ورفع الحصار لتتمكن من استئناف صادراتها النفطية ومن التبادلالتجاري مع دول العالم للحَدّ من معاناة الشعب الإيراني…
العُنف والبذاءة في خطاب دونالد ترامب
أعلن دونالد ترامب يوم السابع من نيسان/ابريل 2026: “ستختفي حضارة بأكملها الليلة”، فهل تُهيئ كلمات ترامب العقول لما لا يُتصور؟ لقد هدد دونالد ترامب قادة إيران قائلاً: “افتحوا هذا المضيق اللعين أيها المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم”، ثم أضاف: “ستختفي حضارة بأكملها الليلة”ن ويبدو إن لهذا الخطاب غاية سياسية تتمثل في تهيئة العقول لتصعيد العنف، ومن أكثر جوانب لغة دونالد ترامب إثارةً للحيرة أنها صادمة ومُخَدّرة في آنٍ واحد، فعندما يقول الرئيس الأمريكي شيئًا شائنًا، ينكمش البلد، لكن ما صدمه يصبح بعد ذلك أمرًا عاديًا ومألوفًا، ولهذه السلسلة من الأحداث آثار ضارة، فهي تُهيئ الرأي العام لتَقَبُّلِ التّجاوزات، فما كان يُعتبر في السابق زلزالًا سياسيًا أو انتهاكًا للأعراف الدستورية، يبدو الآن أمرًا عاديًا، ولذا تستحق خطابات ترامب الأخيرة وما انطوت عليه من تحريض شُعْبَوِي يميني متطرف دراسةً متأنِّيَةً، إذ بات خطابه تجاه إيران تحريضياً، فقد استخدم يوم السابع من نيسان/ أبريل 2026، على شبكته الاجتماعية “تروث سوشيال” ألفاظاً بذيئة، مهدداً بتدمير البنية التحتية للبلاد، ودعا الإيرانيين إلى الانتفاض ضد حكومتهم، محذراً من أنه إذا لم تمتثل إيران للمطالب الأمريكية، “فستختفي حضارة بأكملها الليلة”. وقد فسرت وكالة أسوشيتد برس هذه التصريحات على أنها تصعيد للصراع الدائر، وليست مجرد خطاب حماسي: “مع دخول الصراع شهره الثاني، كثّف ترامب تحذيراته بقصف البنية التحتية الإيرانية”، وفي خطوة غير معتادة، ذكَّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الجميع بضرورة احترام قواعد الحرب “قولاً وفعلاً”، مشيرةً إلى أن هذا الخطاب كان جزءاً من المشكلة أيضاً…
لطالما اعتمد خطاب ترامب على الإهانة والسخرية والتهديد والازدراء، مما ساهم في تدهور الحياة العامة في الولايات المتحدة، لكن ما يبدو مختلفًا في تصريحاته مطلع نيسان/ أبريل 2026 هو حجم العنف الهائل الذي نقلته لغته، فقد تجاوزت تصريحاته بشأن إيران مجرد الهجمات الشخصية أو النزعة القومية المتغطرسة، لتستحضر العقاب الجماعي وتدمير الحضارة، وإذا كان الأسلوب مألوفًا، فإن حجم الضرر لم يكن كذلك.
سياسة الخوف
يُركز الخطاب الرئاسي على منح الإذن أكثر من الإقناع، فالرؤساء لا يكتفون بالجدال، بل يرسلون إشارات، ومن خلال هذه الإشارات، يوضحون للجمهور طبيعة الوضع والخطر المحدق والردود المعقولة، وبهذا المعنى، يعمل الرئيس كعامل محفز، فكلماته توجه الصحفيين والمشرعين وحلفاءه السياسيين ومؤيديه في توصيف الأحداث حتى قبل فهمها وتحليلها بشكل كامل.
يُقدّم كتاب المنظّر السياسي كوري روبن حول سياسات الخوف إطارًا مفيدًا لفهم ما يدور في الخطاب العنيف لدونالد ترامب، فالخوف، بحسب روبن، ليس مجرد شعور ينشأ بشكل طبيعي عند مواجهة الخطر، بل هو مُصطنع سياسيًا، فالسلطة تُعلّم الأفراد ما يجب أن يخشوه وكيفية تحديد الخطر وإلى أين يوجّهون قلقهم، ويُعدّ الخطاب الرئاسي أداة أساسية في هذه العملية، لذا، لا يكتفي الرئيس بوصف التهديد، بل يُضفي عليه شكلًا وحجمًا، فهو يُبيّن للجمهور حجمه، وقربه وأنواع الاستجابات المعقولة، ومن الأمثلة الجيدة على ذلك ما حدث بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، عندما زار جورج دبليو بوش موقع مركز التجارة العالمي في نيويورك، حيث صرّح قائلًا: “أنا أسمعكم والعالم بأسره يسمعكم، والذين دمّروا تلك المباني سيسمعوننا قريبًا”، وأقَرّ بوش الإبن، بهذا التّصريح، بخطورة الأحداث، ووعد “بالانتقام من الإرهابيين وتحقيق العدالة”…
في مواجهة تصريحات مثل تصريحات ترامب بشأن إيران، لا تكمن المشكلة في مجرد إدلاء الرئيس بتصريحات متطرفة، بل في الآثار المترتبة على هذا الخطاب المتطرف، فالمبالغة السياسية تُقلل من عتبة ما يمكن للجمهور اعتباره مشروعًا ومقبولًا، وعندما يُطلق الرؤساء تهديدات مثل تهديدات دونالد ترامب، يصبح وقوع معاناة جماعية أمرًا واردًا، وتختبر كلمات الرئيس ومنشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي قدرة الجمهور على إدراك هذا الخطاب كتجاوز، أو دمجه كأحد أساليب التفاوض.
إعادة تشكيل الواقع
للخطاب الرئاسي أهمية تتجاوز مجرد الإقناع أو الأسلوب، فهو يُسهم في تنظيم الواقع، ويُبيّن للجمهور ما هو خطير وما هو مُؤذٍ وما هي المعاناة التي تستحق التقدير وما هي أشكال العنف التي يُمكن اعتبارها ضرورية، وقد تجلّى ذلك سنة 2012، خلال وقفة حداد على ضحايا حادثة إطلاق النار في مدرسة ساندي هوك الابتدائية، حيث صرّح باراك أُوباما قائلاً: “نحن مسؤولون تجاه كل طفل، لأننا نعتمد على الآخرين لرعاية أطفالنا… كلنا آباء وأمهات، وهم جميعًا أبناؤنا”. بهذه الكلمات، دعا باراك أوباما الجميع إلى الشعور بفقدان عشرين طفلاً قُتلوا، وإلى العمل على إيجاد حلٍّ للعنف المُسلّح، ويستفيد دونالد ترامب من جمهورٍ مُنهكٍ من التكرار، فكل تجاوزٍ جديدٍ يُذكّرهم بتجاوزات سابقة، ما يدفع الأفراد إلى التشكيك في ردود أفعالهم، فيقولون لأنفسهم: “إنه لأمرٌ مُفزع، لكن هذا ما يُكرّره”. هذا الشعور المُتناقض هو جزءٌ من المُشكلة، فضعف المعايير يجعل من الصعب تحديد تصاعد العنف ومُقاضاة المسؤولين عنه، ومع ذلك، لا يزال الاشمئزاز الذي يشعر به الكثيرون تجاه تصريحات دونالد ترامب كبيرًا، فرغم سنوات من تجاوز ما كان يُعتبر طبيعيًا، لا تزال هناك حدود معينة قائمة، واليوم، لا يكفي القول ببساطة إن ترامب قد تغير. يجب أن نفهم ما تُنتجه رئاسته في الرأي العام، ويكمن الخطر الأكبر في العالم الذي تُهيئنا له خطاباته.
كلمات ترامب: آليات الخطابة المؤثرة
من وجهة نظر التواصل، كما هو الحال في مجالات أخرى، يُعد دونالد ترامب ظاهرة فريدة، فهو يتجاوز عن عمد الوسائل التقليدية لمخاطبة مواطنيه، ويستخدم بسهولة أساليب بلاغية يعتبرها معظم السياسيين غير لائقة بأعلى منصب، ويُوظف أسلوبًا شخصيًا للغاية في تجمعاته – مزيج من العدوانية والفكاهة المبتذلة عمدًا – ليخلق قطب الأعمال السابق ونجم تلفزيون الواقع عالمًا خطابيًا خاصًا به، فقد قام جيروم فيالا-غودفروي، المتخصص في الخطاب السياسي الأمريكي، بتحليل عدد لا يُحصى من خطابات الرئيس السابق، سواءً على وسائل التواصل الاجتماعي، أو في تجمعات مؤيديه، أو خلال الاحتفالات الرسمية، ليكشف، في كتابه “كلمات ترامب” الصادر مؤخرًا عن دار دالوز للنشر ( فرنسا)، آليات خطابٍ أشعل، لسنوات، ولا سيما في الفترة التي سبقت الحملة الرئاسية الحالية، نار الفتنة في البلاد، بل والعالم أجمع، فقد حظيت مفرداته البسيطة والثنائية وجمله المتقطعة وأكاذيبه وأخطاؤه وإهاناته المتكررة، بتعليقات واسعة، لا سيما من الصحافة التي يتهمها بنشر الأخبار الكاذبة، حيث تُجسّد تصريحاته بوضوحٍ تامٍّ القطيعة مع الأعراف الراسخة للخطاب السياسي والرئاسي، فهو يُحوّل كل شيء إلى ذاته، ويتحدث عن نفسه بصيغة الغائب، ويختار تحديدًا كلمةً بسيطةً ككلمة “غبي” – وهي كلمةٌ تحمل في طياتها ازدراءً وإهانةً – لتكون أفضل وصفٍ للطبقة السياسية وأسلافه، ويُدرك دونالد ترامب تمامًا قوة الكلمات، فمن خلال ما يُمكن وصفه بالقطيعة الخطابية الحقيقية، وضع ترامب نفسه كشخصٍ دخيلٍ خارج المجال السياسي، وتكمن قوته – بالنسبة لمؤيديه – في أنه لا يخضع لقواعد السياسة، ولا لقوانين اللغة العادية، وبذلك نجح دونالد ترامب، بل وتفوق على أسلافه، في أن يكون في قلب الإعلام، كما تتميز رئاسته أيضاً بخطابات شديدة الشبه بخطابات حملته الانتخابية، وبقلة الخطابات الرسمية والمؤتمرات الصحفية، وحتى في المناسبات الرسمية، كثيراً ما انحرف عن قواعد الخطاب الرئاسي، فمنذ خطابه الافتتاحي يم العشرين من كانون الثاني/يناير 2017، حدد النبرة بالدعوة إلى الوحدة القومية، لا حول قيم مشتركة، بل ضد المؤسسة والطبقة السياسية الأمريكية، التي وصفها بالعدو…
كما تكمن إحدى سمات خطابات دونالد ترامب في طبيعتها الارتجالية: فجزء كبير منها ينبع مما يخطر بباله لحظة حديثه، أو من هواجسه الراهنة، وهذا “التيار الفكري” مُنظّم (أو بالأحرى، غير مُنظّم) بأدوات ربط مثل “حسنًا” أو “بالمناسبة”، والتي تُعيد توجيه مسار الخطاب، وهذا يُتيح مجالًا واسعًا للاستطرادات والتكرارات والتركيب اللغوي غير المنتظم، وغالبًا ما تكون الجمل غير مكتملة ومتقطعة، كما أنه أسلوب حواري، مريح، أكثر طبيعية، وفعّال للغاية، فعندما ينحرف دونالد ترامب عن الموضوع، يُشير إلى جمهوره بأنه لا يلتزم بنص مكتوب، وبالتالي فهو صادق، وكما لاحظ بعض اللغويين، فإن جمله غير المكتملة تُتيح للجمهور إكمالها، مما يُعزز شعور التقارب لدى مؤيديه.
الإساءة اللفظية والإهانات
تحدث ترامب – على سبيل المثال – عن “سحق” تنظيم داعش الإرهابي (ميلفورد – نيو هامبشاير، 2 شباط/فبراير 2016)، واتهم جو بايدن بأنه “تَمَلَّقَ باراك أوباما” (مينيابوليس، مينيسوتا- تشرين الأول/أكتوبر 2019)، ووصف مايكل بلومبيرغ بأنه “حقير” (نيوزماكس، 14 تشرين الأول/أكتوبر 2020 )، وحظي مثال آخر بالغ الدّلالة وبتغطية إعلامية واسعة، يتعلق بلاعبي كرة القدم الذين ركعوا أثناء عزف النشيد القومي احتجاجًا على عنف الشرطة ضد السود، فقد وصفهم دونالد ترامب بـ”أبناء العاهرات الذين يجب طردهم من الملعب”، وسط هتافات الحشد في تجمعه الانتخابي (هانتسفيل، ألاباما، 22 أيلول/سبتمبر 2017)
الذّكورية وخطاب السلطة
تُعتبر لكنته وفظاظته من السمات التقليدية “للرجولة”، وهو ما يُمثل، في نظر مؤيديه، تناقضًا صارخًا مع ما يُسمى بنخب “اليسار المُؤنث” و”الرقيقين”، وهو مصطلح ازدرائي يُشير إلى الهشاشة العاطفية المزعومة وعدم قدرة بعض أفراد اليسار على تقبّل الآراء المُخالفة… إن استخدام لغة اجتماعية صادمة يُعدّ بحد ذاته فعلًا من أفعال القوة الذكورية، يُشير إلى جانبٍ يتسم بالأصالة والخشونة في آنٍ واحد، وعلاوة على ذلك، يستخدم دونالد ترامب مفرداتٍ ونبرةً تُجسّد العنف الحقيقي والسياسات القاسية التي يعد بتطبيقها ضد من يعتبرهم تهديدات اجتماعية – كالمهاجرين والمسلمين وذوي البشرة الملونة وأفراد مجتمع الميم، وغيرهم… ( هذه المقتطفات مأخوذة من كتاب “كلمات ترامب” لجيروم فيالا-غودفروي).
الاستراتيجية الإعلامية والتشبع الإعلامي
خلال حملاته الانتخابية، نفّذ دونالد ترامب استراتيجيةَ تَوَاصُلٍ مُحْكَمَةٍ وضعها مستشارُه اليميني المتطرف (“اليمين البديل”)، ستيف بانون ( المُكلف حاليا، ومنذ نحو سبع سنوات، بتصميم الحملات والدّعائية الإنتخابية لليمين المتطرف في أوروبا)، وتتألف هذه الاستراتيجية من إغراق المشهد الإعلامي بتصريحاتٍ متزايدة الفظاعة والزيف، ولا تهدف هذه الإستراتيجية إلى الإقناع عبر الحجج السياسية، بل إلى إثارة قدرٍ كافٍ من الفوضى والتشويش والضجة لجذب الانتباه، كما يتضمن عدم منح وسائل الإعلام الوقت الكافي لمواكبة الأحداث، وجَعْلِ التّحَقُّق من الحقائق مستحيلاً، فسرعان ما تُطغى أكاذيب اليوم على أكاذيب الأمس.
رواية دونالد ترامب
تزخر رواية دونالد ترامب – كأي قصّة جَيِّدَة – بشخصياتٍ واضحة المعالم: أشرار من جهة (نخبة فاسدة وهجرة مُهدِّدة)، وأبطال ضحايا من جهة أخرى (الشعب الأمريكي، وبالأخص المواطنون من ذوي البُشْرة البيضاء)، وبَطَل مُنقذ (دونالد ترامب نفسه)، وفي صميم هذه الدراما، لا بد من وجود قضية وجودية: أمة مزقتها الجريمة والبؤس، مهددة في أسسها من قبل عدو داخلي وخارجي يتجسد في ما يسمى باليسار “الراديكالي” و”الشيوعي” و”الماركسي” و”الفاشي”، والجمهوريين “الخونة” من المؤسسة، وما يسمى بالدولة “العميقة”، ووسائل الإعلام التي توصف بأنها “أعداء الشعب”، والمهاجرين الذين يتم تقديمهم حصريًا على أنهم مجرمون بطبيعتهم…
خاتمة:
تَدحرج هذا النّص من الأحداث الجارية اليوم في الخليج العربي ومضيق هرمز، ومن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، إلى دراسة بعض الجوانب التي تُميِّزُ سياسات وتصريحات الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، وخصوصًا على مستوى شَكْل الحُكم، فهو لا يحترم مؤسسات الدّولة ويتجاوز الدّستور أحيانًا، لكنه يسير – في جوانب كثيرة – على خُطَى الرّؤساء الأمريكيين السابقين، فضلا عن القاسم المُشترك المُتَمثّل في الدّعم المُطْلَق للكيان الصّهيوني، فقد كان الرئيس جون إف كيندي يُعتبر من أنصار السّلام، لكنه أَقَرّ حصار كوبا وصَعّد وتيرة العدوان على فيتنام، وأعلن خَلَفُه ليندون جونسون ( بعد اغتيال كيندي) إنه سوف يُنْهِي حرب فيتنام، لكنه أشعلها وكثّفَ القصف الجوي واستخدام الأسلحة المُحَرَّمة، وحظِي باراك أوباما بتقدير العديد من الملاحظين والمراقبين الأمريكيين والأجانب باعتبار أول رئيس أسود – ديمقراطي ومُثقّف – وباعتباره “مُعتدلا”، غير إنه دشّن عهد الإغتيال عن بُعْد بواسطة الدّرونات…
تمثل سياسة دونالد ترامب اختلافًا في شكل الحكم والخطاب السياسي، فضلا عن شن الحروب العدوانية على جبهات متعدّدة، في محاولة لحل أزمة الرّأسمالية من خلال زيادة الإنفاق الحربي، ومن خلال استغلال وابتزاز “الحُلفاء” في أوروبا وحلف شمال الأطلسي للمُساهمة في حل أزمة الرأسمالية الأمريكية، عبر شراء الأسلحة الأمريكية، ومن خلال زيادة الرُّسوم الجمركية الأمريكية على جميع الدّول المُصدِّرة للسّلع والخدمات إلى الولايات المتحدة…
قَدّرت الأمم المتحدة، إن هذا العدوان قد يدفع أكثر من 32 مليون شخص حول العالم إلى براثن الفقر، نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب، ويشير تقرير جديد صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كما نشرته صحيفة “غارديان”، إلى أن الدول “النامية” ستكون الأكثر تضرراً، ويذكر التقرير أن العالم يواجه “صدمة ثلاثية” تؤثر على قطاعي الطاقة والغذاء، فضلاً عن تباطؤ النمو الاقتصادي، وفق ألكسندر دي كرو، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ورئيس الوزراء البلجيكي السابق الذي صرّحَ: ” إن صراعاً كهذا هو بمثابة تراجع في التنمية،، حتى لو توقفت الحرب فإن العواقب موجودة بالفعل “
في فلسطين، طغى العدوان ضد إيران على الانتهاكات المتزايدة لحقوق الإنسان ضد الفلسطينيين، فقد حذّرت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة من أن العدوان الذي انطلق يوم 28 شباط/فبراير 2026 ضدّ إيران قد طغى على تدهور مقلق في أوضاع الفلسطينيين ، حيث تستمر عمليات القتل، حيث لقي ما لا يقل عن 200 شخص حتفهم في غزة منذ ذلك التاريخ وحتى الثالث عشر من نيسان/ابريل 2026، فضلا عن محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية، وانعدام الأمن الغذائي، وتقييد الحركة، ودعت اللجنة إلى محاسبة الأطراف المسؤولة، كما يتفاقم الوضع في الضفة الغربية حيث قُتل 22 فلسطينياً، بينهم أطفال، في حين تتصاعد هجمات المستوطنين، بدعم من الجيش، كما أفادت الأمم المتحدة باستخدام العنف الجنسي كوسيلة للترهيب، في إطار “أعمال الإبادة الجماعية التي لا تزال تمارسها إسرائيل رغم إعلان وقف إطلاق النار”
2026-04-21