الأخ الأكبر فى مضيق هرمز!
مهدى مصطفى
«فى الوقت الذى ترغب فيه العديد من الدول فى فتح مضيق هرمز، قرر البيت الأبيض حظره، هل الحظر يعنى الفتح؟ أشرار أورويل يعودون بقوة مضاعفة، ما التالى؟ بالطبع، الحرب هى السلام».
هكذا كتب ديمترى ميدفيديف، الرئيس الروسى السابق، ونائب رئيس مجلس الأمن الروسى الحالى، ساخرا على منصة «إكس»، كتب جملة قصيرة تستعيد أجواء رواية 1984، الرواية التى كتبها الكاتب البريطانى جورج أورويل، وفيها عالم يعكس المعانى، ويحول اللغة إلى أداة للسيطرة.
أجلس أمام الشاشة فى الليل، الضوء أبيض وبارد، الأخبار تتحرك بسرعة، مضيق هرمز يتكرر فى العناوين: حصار، تفتيش، منع مرور، تهديد، وكل خبر يأتى بصياغة مختلفة، وكل صياغة تدفع المعنى فى اتجاه جديد.
فى الرواية، يعيش ونسـتون سميث داخل أوقيانيا (أوشينيا)، الدولة الشمولية الخيالية الممتدة عبر الأمريكتين، وأجزاء من المحيط الأطلسى، وجنوب إفريقيا، ضمن عالم ينقسم إلى ثلاث قوى كبرى.
داخل هذا العالم تقوم بنية كاملة للسلطة، تتوزع على أربع وزارات تتحكم فى الحياة والوعى:
وزارة الحقيقة مسئولة عن الدعاية وتزوير التاريخ والأخبار.
وزارة السلام مسئولة عن إدارة الحروب المستمرة.
وزارة الحب مسئولة عن التعذيب، غسيل الأدمغة، وحفظ النظام.
وزارة الوفرة مسئولة عن الشئون الاقتصادية وتقنين الغذاء.
داخل هذا الكيان يعمل نظام يعيد كتابة التاريخ داخل “وزارة الحقيقة”، والحزب يبدل الوثائق، يغير الأرقام، ويعيد ترتيب الماضى بما يخدم الحاضر.
“الحرب هى السلام، الحرية هى العبودية، الجهل هو القوة”.
شعارات ثلاثة صاغها أورويل فى روايته، أراها تتردد فى نشرات الأخبار، وفى طريقة شرح الصراعات، وفى تبرير القوة بوصفها طريقا للاستقرار.
فى هذا السياق، يتحدث الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، عن “السلام عبر القوة”، يربط الاستقرار بالردع، ويضع القوة فى قلب المعادلة، وينتقد خطاب البابا لاوون الرابع عشر حين يركز البابا المحترم على البعد الأخلاقى للحرب، بينما يتمسك ترامب بمنطق يعتبر القوة شرطا للسلام، والبابا يرد من موقع أخلاقى يربط السلام بالإنسان، ويضع حدودا لاستخدام القوة.
فى الجهة الأخرى، يقدم بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، خطابا عن “تغيير الشرق الأوسط” و”إعادة تشكيل الواقع الأمنى”، والكلمات تبدو خرافية، لكنها تحمل تصورا خطيرا، يعيد ترتيب الجغرافيا عبر القوة.
يقول أورويل:
“من يسيطر على الماضى يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضى”.
أن يقوم نتنياهو باستدعاء الماضى، بوقائعه الأسطورية التى تمتد إلى ثلاثة آلاف عام، محاولا توظيفه للسيطرة على المنطقة؟
أستعيد تعبير أورويل، وأفكر فى الأخبار، كيف تتغير الروايات مع الوقت، وكيف يظهر الحدث نفسه فى أكثر من صياغة، ثم يتحول إلى أكثر من حقيقة؟
ثمة عبارة فى الرواية تفتح أبواب الجحيم تقول:
“أخبرك الحزب أن ترفض ما تراه بعينيك وتسمعه بأذنيك، وكان هذا آخر وأهم أوامره”.
أتوقف عندها، أفكر فى المسافة بين ما يحدث فى الواقع وما يقال فى الأخبار، بين الصورة والتفسير، بين الخبر ومعناه.
فى أوقيانيا (أوشينيا)، الدولة الشمولية الممتدة عبر الأمريكتين، وأجزاء من المحيط الأطلسي، وجنوب إفريقيا، تعيد “وزارة الحقيقة” صياغة الواقع كل يوم، وفى العالم الخارجي، الأخبار تتدفق بلا توقف، وكل حدث يحمل أكثر من تفسير، وأكثر من رواية.
بين مضيق هرمز وخطابات القوة، وبين أوقيانيا (أوشينيا) والواقع السياسى الحالى، تتداخل اللغة مع المعنى، حتى يصبح السؤال الأخير مفتوحا: هل نتابع العالم كما هو، أم نتابع عالما يعاد إنتاجه من رواية أورويل 1984، ونشاهد الأخ الأكبر فى مضيق هرمز؟
2026-04-20