أَرُونْدَاتِي رُويْ: صوت نِسْوِي مناهض للإمبريالية!
الطاهر المعز
دُعيت الروائية والناقدة الثقافية الهندية أرونداتي روي مؤخرًا إلى نيودلهي لإلقاء كلمة ولتقديم كتابها “مريم العذراء تأتي إليّ”، الصادر ربيع 2025، واشتهرت الكاتبة بنقدها اللاذع لهياكل السلطة، وسرعان ما حوّلت المكان إلى منصة، ومداخلتها إلى دعوة للعمل السياسي.
تعتبر روي إن الكاتب والأدب الذي ينتجه متلازمَان، وترى الثقافة، من منظور مناهض للإستعمار، وسيلةً لتفكيك السلطة والتحرر من الاستعمار، ونددت بالفظائع المرتكبة في غزة ووصفتها بالإبادة الجماعية، كما وصفت الديمقراطية الغربية بأنها “مُنْحَطّة”، وتعتبرها أرضًا خصبة لمشروع استيطاني استعماري، وأكّدَتْ روي في خطابها هذا الموقف الثوري بعزيمة لا تلين، مشددةً على أن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران ليس إلا استمرارًا للوحشية الجامحة التي بدأت بالفعل في غزة.
استهلت روي خطابها قائلةً: “أعلم أننا مجتمعون هنا اليوم لمناقشة كتابي، “مريم العذراء تأتي إليّ”، ولكن كيف لنا أن نختتم هذا اليوم دون أن نذكر هذه المدن العظيمة – طهران وأصفهان وبيروت – وهي تحترق؟” فلم تكن الدعوة التي قَبِلَتْهَا إلى نيودلهي مجرّدَ فرصةٍ للترويج لكتابها أو مناقشة مضمونه النظري، بل كانت أيضًا فرصةً لتقديم ما يُمكن اعتباره بيانًا سياسيًا، حيث سارعت إلى التعبير عن موقفها الجِذْري من الحرب الأمريكية الصهيونية ضد إيران، قائلةً: “أودّ أن أستغل هذه المنَصّة لأُدين الهجومَ غير المبرّر وغير القانوني الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. هذا، بالطبع، امتدادٌ للإبادة الجماعية التي ارتكبتها الولايات المتحدة وإسرائيل في غزة. إنها الإبادة الجماعية نفسها، التي ارتكبها الجناةُ أنفسُهم، لذلك، أودّ أن أُعلن هنا، وبشكلٍ قاطع، دعمي لإيران.”
ضد الإمبريالية الأمريكية
يتسم موقف روي من الحرب الحالية، أي عند إلقاء كلمتها خلال شهر شباط/فبراير 2026 ( العدوان الأمريكي – الصّهيوني على إيران) بخطاب سياسي يتجاوز مجرد التضامن الأخلاقي وإدانة العنف، فبدلاً من الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وهو الموقف السهل الذي يتبناه الكثيرون، تُحذّر من تصعيد الصراع، وتُشير هذه الكاتبة، التي تنتمي إلى تيار ما بعد الاستعمار، بأصابع الاتهام إلى مصدر العنف: الولايات المتحدة الأمريكية التي أوصلتنا إلى حافة كارثة نووية وانهيار اقتصادي، وهي الدولة نفسها التي استخدمت السلاح النووي فقصفت هيروشيما وناغاساكي وتُحضّر لقصف إحدى أقدم الحضارات في العالم.
ترتقي أرونداتي روي بخطابها إلى مستوى التحليل البنيوي، مُسَلّطَةً الضوء على الجذور التاريخية للعنف ومُحرِّضه الأصلي، إذْ ثَمَّةَ رابط عضوي بين الإمبراطورية (الإمبريالية الأمريكية) والعنف البشري، فهي “إمبراطورية متغطرسة، مخادعة، جشعة، تنهب الموارد، وتُلقي القنابل، مع حلفائها الذين يحاولون إخضاع العالم بأسره”، كما تؤكد: “جميع الدعوات لإنهاء الحرب عبثية، ذلك لأن هناك من أشعل فتيل هذه الحرب، التي هي امتداد لحرب سابقة، ولا ينوي التوقف، بل سيواصلون بلا هوادة أجندتهم العدوانية، لذا، فإن رفض هذه الحرب، من الناحية الأخلاقية، يُعد بمثابة رفض للهيمنة والقمع الأمريكيين، من الناحية السياسية.”
تنظر روي إلى العالم باعتباره مترابطًا ومتكاملًا، مدركةً المشهد السياسي ككل، على غرار زملائها في المدرسة ما بعد الاستعمارية، ولذلك، فهي تُدرك تمامًا أن العدو الخارجي مرتبطٌ بنيويًا بحلفائه المحليين، الذين يخدمون مصالحه ويُسهّلون مهمته، ومن ثم، لم تخلُ محاضرتُها من انتقادات لاذعة للحكومات الخاضعة لأمريكا والسياسيين الذين وضعتهم أمريكا في صَفِّها، وفي هذا السياق، أدانت روي تصرفات الحكومة الهندية ووجّهت انتقادًا لاذعًا، متسائلةً: “أي نوع من الناس نحن إذا لم تُدين حكومتُنا المنتخبةُ الولاياتِ المتحدةَ عندما تختطف وتغتال رؤساءَ دولٍ أجنبيةٍ؟ هل نقبل بهذا؟ ما معنى أن يذهب رئيس وزرائنا إلى إسرائيل ويُعانق بنيامين نتن ياهو قبل أيام فقط من هجومه على إيران؟” ماذا يعني أن توقع حكومتُنا اتفاقيةً تجاريةً مُذلةً مع الولايات المتحدة، تبيع حرفيًا مزارعينا وصناعةَ النسيج لدينا بثمنٍ بخسٍ، قبل أيام فقط من إعلان المحكمةِ العُلْيا الأمريكيةِ عدمَ قانونيةِ تعريفاتِ دونالد ترامب؟ ماذا يعني أننا “مُصرَّحُ لنا” الآن بشراء النفطِ الروسي؟ ما الذي نحتاج إلى إذن لأجله أيضًا؟ للذهاب إلى دورة المياه؟ لأخذ إجازة من العمل؟ لزيارة أمهاتنا؟
بخصوص إيران، ترى أرونداتي روي الحربَ ضد إيران حربًا شخصية، تؤثر عليها وعلى الفئات الطّبقية الهندية المُهَمَّشَة بشكل مباشر، فهي لا تسعى فقط إلى تفكيك البنى المهيمنة، بل يكشف موقفها السياسي أيضًا عن التزام شخصي تجاه هذا الصراع، فإلى جانب هجومها المباشر على نظام بلدها والدور الذي تلعبه الهند اليوم، والذي تصفه بأنه “أداةٌ في يد الإمبريالية”، تستنكر الإذلال الثقافي الذي يمارسه الأمريكيون على الهنود: “يسخر منا السياسيون الأمريكيون، وفي مُقدّمتهم دونالد ترامب، يوميًا، ويهينوننا علنًا، ورئيسُ وزرائِنا يضحك ضحكتَه الجَوْفاءَ الشهيرَةَ… ويستمر في معانقة الناس. إنهم يسخرون من الشعب الهندي، رغم الخضوع السياسي والاستسلام والتطبيع الصريح الذي فرضته الحكومة والنظام”، وفي ملاحظة مؤثرة، سلطت روي الضوء على الغطرسة الثقافية الناجمة عن هيمنة العرق الأبيض تجاه العمال الهنود، مستذكرةً قرار منعهم من دخول الملاجئ خلال الحرب في فلسطين المحتلة “بسبب عرقهم وأصولهم التي اعتُبرت غير غربية”، وكتبت: “في ذروة الإبادة الجماعية في غزة، أرسلت الحكومة الهندية آلاف العمال الهنود الفقراء إلى إسرائيل ليَحُلُّوا محل العمال الفلسطينيين المطرودين. والآن، بينما يسعى الإسرائيليون للجوء إلى الملاجئ، تشير التقارير إلى أن هؤلاء العمال الهنود أنفسهم يُمنعون من الدخول. ماذا يعني هذا؟ من وضعنا في هذا الموقف المهين والمُخْزِي والمَقيت؟” إنها إذن حرب غربية ضد كل ما هو “غير غربي”، حرب فُرضت علينا، حيث ترتبط الأبعاد الثقافية والعرقية ارتباطًا وثيقًا بالأبعاد المادية. لا السلام ولا الاستسلام ولا الخضوع قادر على تخفيف وحشيتها أو إيقافها، ومع ذلك، تبدو أرونداتي روي متفائلة بشأن مستقبل إيران، وتعتبر نفسها أكثر من مجرد متضامنة مع إيران؛ بل تكاد تتوحد معها، وتؤكد قائلة: “إيران ليست غزة”، ولا ينبع هذا الموقف من خيار بين الاثنين – فقد صرّحت سابقًا بأن الحرب ضد إيران ستكون امتدادًا للصراع في غزة – بل من كون إيران دولة شبه نووية، وبالتالي قادرة على مواجهة قوة نووية متوحشة تدمر العالم.
لا تُبرئ أرونداتا روي النظام الإيراني من الأزمات الداخلية التي تُعاني منها البلاد بسبب التدهور البيروقراطي والفساد، بل إنها لمّحت إلى ذلك، بشكل غير مباشر، عندما صرّحت: “الأنظمة التي يجب أن تتغير يجب أن تُغيّرها شعوبها، لا قوة إمبريالية تُسيء استخدام سلطتها، فالتغيير الديمقراطي الحقيقي يأتي من الشعب، لا بالطريقة الأمريكية، ولا من خلال التدخل العسكري المباشر والحروب”، وأضافت روي، مع ذلك: “ستتاح فرص أخرى لمناقشة هذا الموضوع بمزيد من التفصيل”. إنّ الوقت الراهن، الذي يهدد فيه العدوان البربري إحدى أقدم الحضارات، لا يُشجع على نقاشات حول الأزمات الداخلية وإمكانيات التغيير، بل يجب عليه أولاً وقبل كل شيء صدّ التوسع الإمبريالي…
أعلنت روي دعمها إيران “بشكل قاطع” في هذه المرحلة التاريخية، لأنها تُساهم في خوض معركة مستمرة ضد الاستعمار الاستيطاني والهيمنة الفكرية والسياسية، على حد تعبيرها…
الثورية المتفائلة
ليس من المبالغة وصف روي بأنها “ثورية متفائلة”؛ بل يمكن اعتبارها نموذجًا معاصرًا مثاليًا للفكر الثوري المتفائل، على عكس العديد من المثقفين والروائيين والمُنَظِّرِين المُعَاصرين الذين يميلون إلى صياغة موقف “مُرَكّب”، متباهين بقدرتهم على التعامل مع “الغموض” ومتبنين مواقف تُنْكِر وجودَ كلا الجانبين بحجة عدم وجود تعارض بينهما، فإن روي واضحة تمامًا ومباشرة في مواقفها، ولا تلجأ إلى الحِيَل البَلَاغِيّة ولا إلى المبررات المغلوطة أو المواقف الجَدَلِيّة، بينما يقودهم تحليلهم إلى موقف عدمي، مساويين بين من يتجاوز حدوده ومن يدافع عن سلطته، تتخذ روي مسارًا مختلفًا، قائمًا على التناقض الجوهري: رَفْضُ من يرتكبون العنفَ ضد الآخرين، فهي لا تنغمس في التّجْرِيدِ النَّظَرِيّ، ولا تكتفي بالتحليلات المُجَرَّدَة للعنف، بل تغامر بالخوض في الواقع، متتبعةً مسار العنف، ومُرَكّزةً على مُرْتَكِبيه لتكشفه كمُحرّك محوري في الُأحداث.
إن تفاؤل أرونداتي روي الثوري هو رؤيةٌ لتغيير العالم، تبدأ بأهمية القدرة على المقاومة – أي على القطيعة (لا الإصلاح أو العمل من الداخل) – حيث يُعدّ العالم العنيف شرطًا أساسيًا لأي تغيير.
في كتابها الصادر سنة 2024 بعنوان “لا ينبغي لأحد منكم أن يدّعي الجهل”، تختتم روي اتهامًا مطولًا وموثقًا جيدًا بهذه الجملة:
“ما يحدث في الهند ليس نوعًا من الفاشية الزائفة التي نراها فقط على الإنترنت؛ إنها فاشية حقيقية؛ لقد أصبحنا نازيين؛ إنهم قادتنا، وقنواتنا التلفزيونية، وصحفنا، وقطاعات واسعة من مجتمعنا”…
ملاحظة:
اعتَمَدْت في هذا النّصّ على مُلخّص للكلمة التي ألقتها أورونداتي رُوي لتقديم كتابها “مريم العذراء تأتي إليّ” وعلى المُقابلة التي نُشرت يوم 23 آذار/مارس 2026 في صحيفة “لا هين” الإسبانية الإلكترونية…
2026-04-13