سيرة الجحيم العالمى!
مهدى مصطفى
ما الذى يجرى حقا؟
ألم يقرأوا كتاب بول كيندى «صعود وسقوط القوى العظمى»؟ هل تصفحوا كتابات جوزيف ناي؟ وهل مدوا بصيرتهم إلى جون ميرشايمر، وهنرى كيسنجر؟ جميعهم مفكرون أمريكيون، وليسوا خصوما أو أعداء، لكنهم حذروا من الإفراط فى القوة.
فما الذى يفعلونه بـ «أرض الأحلام» ؟
كأن عبارة كارل ماركس لم تمر عليهم حين يقول: «التاريخ يعيد نفسه، المرة الأولى كمأساة، والمرة الثانية كمهزلة».
كيندى حذر من مصير غروب الإمبراطوريات، وحذر من اختلال التوازن بين التمدد الإمبراطورى وبين القدرة الاقتصادية والعسكرية، ويقول إن هذا الاختلال يعجل بانهيار أى قوة عظمى، حتى لو كانت فى ذروة التفوق.
أما ميرشايمر، فصاغ فى إطار «الواقعية الهجومية» فكرة أن النظام الدولى الفوضوى يدفع الدول الكبرى إلى السعى نحو الهيمنة الإقليمية، وأن هذا السعى يولد صراعات لا تنتهي.
وجاء «ناى» من بعيد، ليؤكد أنه ليس بالسلاح وحده يحيا الإنسان، لكنه يحيا بـ«القوة الناعمة» وبقدرة التأثير والإقناع وصناعة الجاذبية، بينما حذر هنرى كيسنجر من اختلال العلاقة بين القوة والشرعية، ومن انهيار التوازنات التى تحفظ النظام الدولى عبر الدبلوماسية.
هل قرأوا شيئا من سيرة الإسكندر الأكبر، الشاب الذى انطلق من مقدونيا حتى تخوم الهند، وحين مات فى بابل انتهى معه المشروع، وتفتتت الإمبراطورية إلى كيانات متنازعة؟ وهل تأملوا مسار يوليوس قيصر، الذى شكل اغتياله لحظة فاصلة فى انهيار الجمهورية الرومانية، ودخول روما فى تحولات عميقة، انتهت إلى نظام إمبراطورى طويل، ثم إلى تآكل لاحق فى الغرب الروماني؟
والمثال الأكثر قسوة يظهر فى ثلاثية التوسع المفرط: جنكيز خان، ونابليون بونابرت، وأدولف هتلر، فالأول أسس واحدة من أوسع الإمبراطوريات فى التاريخ، لكنها لم تصمد، وتفتتت بين الورثة.
أما نابليون، فقد انهارت حملته بعد التوغل فى روسيا، وانتهى إلى الهزيمة فى واترلو والمنفى، وجاء هتلر، فصعد على أنقاض ألمانيا المهزومة بمعاهدة فرساي، واندفع فى احتلال أوروبا، قبل أن يسقط حين تجاوز حدود القدرة العسكرية والاقتصادية فى الحرب مع الاتحاد السوفيتي، فكان الانهيار نتيجة مباشرة للإفراط فى التمدد.
وما جرى لهؤلاء القادة جرى للإمبراطوريات، فكلها انهارت، حين تجاوزت قدرتها الفعلية على الاحتمال الاقتصادى والعسكري.
بعد 250 عاما من الاستقلال عن بريطانيا، وكتابة دستورها الذى تفخر به، تجد الولايات المتحدة نفسها محشورة فى مضيق هرمز، تكرر التاريخ للمرة الثانية، متحولة من قوة ضامنة لنظام دولى قائم إلى قوة تميل إلى التوسع، وإعادة تشكيل المجال العالمى بالقوة.
تتمدد فى المحيطات والبحار والممرات الإستراتيجية، وتبنى القواعد والأساطيل، وتخوض حروبا طويلة، تستنزف الهيبة السياسية، ثم تواجه تآكلا فى شبكة تحالفاتها، حيث تتوتر علاقاتها مع شركاء تاريخيين فى أوروبا وآسيا، وتتبدل أولوياتها بما يعكس نزعة انعزالية، وتشددا فى المصالح المباشرة.
أما الأخطر، فهو خطاب نزع الإنسانية عن الخصوم، حين يوصف الآخرون بأنهم خارج دائرة البشر، وهو خطاب يتقاطع مع خطابات يوآف جالانت، وزير الدفاع السابق للاحتلال الإسرائيلي، فخلال حرب الإبادة على قطاع غزة، استخدم توصيفات إجرامية بحق الفلسطينيين.
بلغ العالم ذروة الغرور بالقوة، فإذا اقترنت القوة بترسانة غير مسبوقة فى التاريخ، فإن القدرة على التدمير تصبح مفتوحة بلا سقف، ويغدو محو المدن والذاكرة والوثائق احتمالا دائما، وتجد الحداثة نفسها فى حالة تمزق.
كان غريبا أن يستخدم الرئيس ترامب مفهوم “الغنيمة” فى سياقات تتعلق بالنفط الإيراني، ويبدى إشارات إلى المكاسب الاقتصادية المرتبطة بفنزويلا، فى خطاب يعيد استحضار منطق قديم عن الغنائم المشروعة، مع تكرار فكرة أن الولايات المتحدة قدمت تضحيات كبرى فى الحروب العالمية، وأسهمت فى إعادة إعمار أوروبا عبر مشروع مارشال، دون الحصول على الغنائم.
وهكذا يعود منطق الغنيمة، ويعود معه منطق السيطرة على الموارد بوصفه دافعا مركزيا فى السياسة الدولية، وتستغل إسرائيل الفرصة، وتصف نفسها بإسبرطة العسكرية، وتتداخل بالقوة الغاشمة مع الجغرافيا والتاريخ اللذين لا يمتان لها بصلة.
وأيا كانت نتائج حرب فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فإن العالم يتجه نحو مزيد من التفكك، حيث تتآكل القدرة على الاحتكار الأحادى لموارد القوة، ويتحول النظام الدولى إلى حالة سيولة مفتوحة، لا تملك فيها أى قوة منفردة القدرة على الحسم الكامل.
2026-04-09