فرنسا التحقت بإسبانيا وايطاليا في رفض المشاركة في العدوان على إيران!
وترامب يفكر جدياً بترك ال”ناتو”
يكرس العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران انقسامات عميقة في الناتو، مع توسع دائرة الرفض الأوروبي لدعم المجهود الحربي وتهديدات ترامب بشأن مستقبل حلف شمال الأطلسي
سعيد محمد*
كشف العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران عن تصدعات عميقة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) يعتقد كثير من الدبلوماسيين أنها قد تصبح غير قابلة للإصلاح. وبينما تواصل الولايات المتحدة الضغط على حلفائها الأوروبيين لتقديم دعم أكبر للحملة العسكرية ضد طهران، يرفض عدد متزايد من الدول الأعضاء تلبية طلبات واشنطن، ما أدى إلى مواجهة غير مسبوقة بين الرئيس دونالد ترامب والقارة التي ظلت لأمد طويل الشريك الأكثر موثوقية لأميركا.
وبلغت الأزمة ذروة جديدة هذا الأسبوع بعد أن اتخذت إيطاليا وإسبانيا وفرنسا خطوات للحد من وصول القوات الأميركية إلى بنية تحتية عسكرية أساسية للحملة الجوية المستمرة أو منعها تماماً. كما رفضت بولندا إعادة نشر بطارياتها الدفاعية من طراز باتريوت في الشرق الأوسط. وحتى المملكة المتحدة، التي طالما اعتُبرت أقرب حلفاء واشنطن، تقيد وصول الأميركيين إلى اجتماعات استخباراتية حساسة وتستغرق وقتاً أطول في معالجة طلبات استخدام القواعد الجوية.
وقد أدى هذا التراكم في الممانعة الأوروبية إلى رد فعل غاضب من ترامب وكبار مسؤوليه. وشن الرئيس الأميركي هجمات عبر منصاته على الحلفاء واصفاً إياهم بـ “عديمي النفع” و”الجبناء”، بينما تساءل وزير الخارجية ماركو روبيو علناً عما إذا كان حلف الناتو لا يزال يخدم المصالح الأميركية.
وقال روبيو لقناة فوكس نيوز (الثلاثاء): “إذا كان الناتو مجرد تحالف ندافع فيه عن أوروبا عندما تتعرض لهجوم، بينما يرفضون منحنا حقوق استخدام القواعد العسكرية عندما نحتاج إليها، فهذا ترتيب غير جيد. من الصعب الاستمرار في الالتزام بمثل هذا الترتيب والادعاء بأنه مفيد للولايات المتحدة.”
وتمثل هذه المواجهة ذروة جديدة في التوترات التي ظلت تتصاعد منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض. لكن حرب إيران حولت الخلافات المتراكمة إلى انقسام مفتوح، وهو ما يحذر محللون من أنه قد يؤدي إلى نهاية التحالف العسكري عبر الأطلسي الذي شكل ركيزة الأمن الأوروبي منذ عام 1949.
وكانت وتيرة الرفض الأوروبي للتورط في العدوان الأمريكي / الإسرائيلي قد تسارعت خلال الأيام الماضية. وأثار قرار إيطاليا هذا الأسبوع منع طائرات عسكرية أميركية من التزود بالوقود في قاعدة “سيغونيلا” الجوية في صقلية موجة صدمة في الأوساط الدبلوماسية، خاصة وأن رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني تُعتبر واحدة من أقرب حلفاء ترامب في أوروبا.
وأوضح مسؤولون إيطاليون أن الطلب الأميركي جاء بعد أن كانت الطائرات قد أقلعت بالفعل، وأن العملية لم تندرج تحت الرحلات اللوجستية العادية التي يغطيها الاتفاق الثنائي بين البلدين. لكن التفسير التقني لم يخفِ الحسابات السياسية وراء القرار. تسير ميلوني على حبل رفيع بين رغبتها في الحفاظ على علاقتها مع واشنطن واستجابتها لرأي عام إيطالي يعارض الحرب.
قال مكتب ميلوني في بيان: “إيطاليا تتصرف بما يتوافق تماماً مع الاتفاقات الدولية القائمة”. وكافي إشارة إلى أن روما تعتبر العمليات الهجومية المتعلقة بالحرب في إيران تقع خارج نطاق تلك الاتفاقات.
واتخذت إسبانيا موقفًا أكثر حزماً أكد نائب رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن مدريد لن تشارك في “حرب بدأت بشكل أحادي وتتعارض مع القانون الدولي”. ورفضت الحكومة الإسبانية السماح للطائرات العسكرية الأميركية المشاركة في الحرب باستخدام المجال الجوي الإسباني أو الوصول إلى القواعد العسكرية الإسبانية.
موقف فرنسا أثار اهتماماً خاصاً بعد الهجمات اللاذعة التي شنها ترامب عليها عبر منصته تروث سوشال. وكانت الحكومة الفرنسية قررت إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات التي تنقل إمدادات عسكرية أمريكية إلى إسرائيل.
وانتقد الرئيس الأمريكي باريس إنها “لم تسمح للطائرات المتجهة إلى إسرائيل والمحملة بالإمدادات العسكرية بالتحليق فوق الأراضي الفرنسية”.
وكتب ترامب: “كانت فرنسا غير مفيدة للبتة فيما يتعلق بـ(جزار إيران) الذي تم القضاء عليه بنجاح! الولايات المتحدة لن تنسى”. في إشارة إلى عملية اغتيال الإمام الخامنئي، المرشد العام السابق للأمة الإيرانية.
وأعرب مسؤول في الإليزيه عن دهشته من رد فعل ترامب، مشيراً إلى أن “فرنسا لم تغير موقفها منذ اليوم الأول”.
وفي تداعيات الموقف الفرنسي، أعلنت إسرائيل رسمياً وقف جميع مشترياتها الدفاعية من فرنسا. وجاء القرار على لسان مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلية اللواء أمير بارام الذي أوضح أن تل أبيب ستخفض مشترياتها من الأسلحة الفرنسية إلى الصفر، معتمدة بدلًا من ذلك على الصناعة الدفاعية المحلية وموردين من دول “صديقة”. وأكدت وزارة الدفاع الإسرائيلية في بيان أنها أبلغت نظيرتها الفرنسية بأنه “لا نية لعقد اجتماع معها، ولن يكون هناك أي انخراط مهني جديد مع الجيش الفرنسي”.
وكانت العلاقات بين البلدين قد شهدت سلسلة من التوترات شملت اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية، وانتقاداتها المتكررة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، إضافة إلى منع الشركات الإسرائيلية من المشاركة في معرض أسلحة فرنسي خلال العام الماضي.
أما بولندا فقال وزير دفاعها فلاديسلاف كوسينياك-كاميش الثلاثاء إن وارسو “لا تخطط” لنقل بطاريات باتريوت الدفاعية إلى الشرق الأوسط، وذلك بعد تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة طلبت من حلفاء الناتو التفكير في إرسال أنظمة مماثلة إلى المنطقة. كتب الوزير على منصة إكس: “أمن بولندا هو الأولوية المطلقة”.
ترامب لم يوفر المملكة المتحدة من انتقاده مشيراً إلى أن التردد البريطاني في الانخراط بشكل أعمق في الصراع ستكون له عواقبه. وكتب على تروث سوشال: “كل تلك الدول التي لا تستطيع الحصول على وقود الطائرات بسبب مضيق هرمز، مثل المملكة المتحدة التي رفضت المشاركة في قطع رأس إيران، لدي اقتراح لها: أولاً، اشتروا من الولايات المتحدة، لدينا الكثير، وثانياً، تحلوا ببعض الشجاعة المتأخرة، واذهبوا إلى المضيق وخذوه بالقوة.”
وذهب الرئيس الأميركي إلى أبعد من ذلك في مقابلة مع صحيفة ذي تلغراف حيث ألمح إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من الناتو أصبح “أمراً لا يمكن التراجع عنه”. ووصف الحلف بأنه “نمر من ورق” مضيفًا أن “بوتين يعرف ذلك أيضًا”.
وعزز وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، موقف رئيسه من خلال التلميح إلى عواقب الرفض الأوروبي لدعم المجهود الحربي، وقال للصحفيين: “أما بالنسبة للناتو، فذلك قرار سيترك للرئيس، لكن الكثير من الأمور انكشفت. ليس لديك تحالف قوي إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف معك عندما تحتاج إليها”.
وفي أجواء هذا الشقاق بين واشنطن وأوروبا، يجد رئيس الوزراء كير ستارمر نفسه في موقف صعب. ويسعى الزعيم البريطاني للحفاظ على علاقات مستقرة مع الجانبين، لكن إجراءات حكومته تشير إلى تقارب متزايد مع المواقف الأوروبية.
في مؤتمر صحفي في داوننغ ستريت أمس الأربعاء، أعلن ستارمر أن المملكة المتحدة ستستضيف قمة دولية بشأن مضيق هرمز، كما أشار إلى تحول كبير نحو علاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي. قال رئيس الوزراء إنه “بات من الواضح بشكل متزايد” أن “المصلحة الوطنية طويلة الأمد لبريطانيا تتطلب شراكة أوثق مع حلفائنا في أوروبا ومع الاتحاد الأوروبي”. وأعلن عن عقد قمة بريطانية-أوروبية جديدة في الأسابيع المقبلة، بطموحات تتجاوز التعاون المتفق عليه سابقاً. وقال: “نريد أن نكون أكثر طموحاً، ونبني تعاوناً اقتصادياً أوثق، وتعاونًاً أمنياً أوثق، شراكة تعترف بقيمنا المشتركة ومصالحنا المشتركة ومستقبلنا المشترك”.
وأصر رئيس الوزراء على أنه لا يختار بين واشنطن وبروكسيل مؤكداً على “أنه من مصلحتنا أن تكون لدينا علاقة قوية مع الولايات المتحدة ومع أوروبا”. لكن تركيزه على الشراكة الأوروبية، في ظل الإهانات المتكررة من ترامب، أرسل إشارة واضحة حول الاتجاه الاستراتيجي لبريطانيا.
تناول ستارمر أيضاً تهديدات ترامب مباشرة، قائلًا إنه لن يتزحزح تحت الضغط: “مهما كانت الضغوط، مهما كانت الضجة، أنا رئيس وزراء بريطانيا وعليّ أن أتصرف وفقاً لمصالحنا الوطنية”، مؤكدًا أن بريطانيا لن تُجر إلى الحرب.
ويكمن جوهر الانقسام عبر الأطلسي في خلاف جوهري حول صيغة شن الحرب لا الحرب ذاتها. وأشار القادة الأوروبيون مراراً إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا حملتهما دون استشارة حلفاء الناتو. ويبدو أن غياب قرار من مجلس الأمن الدولي وعدم وجود دلائل على هجوم إيراني وشيك على الأراضي الأميركية أو الإسرائيلية دفع العديد من الحكومات الأوروبية إلى استنتاج أن الحرب تفتقر إلى المبرر القانوني، في وقت لا تزال فيه روسيا الشاغل الأمني الرئيسي لأوروبا.
وأعرب مسؤولون أوروبيون أيضاً عن ارتباكهم إزاء الجدول الزمني للأهداف الأميركية. إذ قدم ترامب جداول زمنية مختلفة لانتهاء الحرب، من “أربعة إلى ستة أسابيع” إلى “أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع” إلى “قد يكون أي عدد من الأسابيع”. واعترف هيغسيث بهذا الغموض قائلًا للصحفيين إن “المغزى هو أن نكون غير متوقعين”.
بالنسبة للحكومات الأوروبية، فإن غياب استراتيجية خروج واضحة يزيد من ترددها في التورط في نزاع قد يتصاعد بشكل غير متوقع. وهناك أيضاً مخاوف من أن تؤدي الحرب المطولة إلى موجات لجوء جديدة، وزيادة زعزعة استقرار المجتمعات الأوروبية، وتهيئة ظروف مواتية للتطرف العنيف.
وتفرض الحرب بالفعل تكاليف كبيرة على الاقتصادات الأوروبية. وأدى إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس النفط العالمي، إلى ارتفاع أسعار الطاقة لمستويات قياسية. تجاوز سعر خام برنت 119 دولارًا للبرميل مع نهاية مارس، مسجلاً أكبر زيادة شهرية في الأسعار منذ إنشاء العقود الآجلة عام 1988.
وقفز التضخم في منطقة اليورو في مارس بأعلى وتيرة منذ عام 2022 مع ارتفاع تكاليف الطاقة. وتخفض الحكومات والبنوك المركزية في جميع أنحاء المنطقة توقعات النمو بينما تواجه ضغوطاً متزايدة لرفع أسعار الفائدة فيما حذر بنك إنجلترا من أن 1.3 مليون أسرة إضافية قد تواجه أقساط رهن عقاري أعلى بحلول نهاية عام 2028 نتيجة الصراع.
وعززت هذه الضغوط الاقتصادية المعارضة الداخلية للحرب في العديد من الدول الأوروبية على نحو زاد من التكلفة السياسية على القادة الذين يساندون واشنطن.
وأعادن العدوان الأمريكي / الإسرائيلي على إيران طرح أسئلة جوهرية حول هدف الناتو ومستقبله ظلت كامنة منذ ولاية ترامب الأولى. وبالنسبة للعديد من المسؤولين الأوروبيين، فإن المطلب الأميركي بدعم حرب يرونها اختيارية ومشكوك فيها قانونياً يمثل سوء فهم جذرياً لهدف التحالف. ف”الناتو منظمة دفاع جماعي، وليس منظمة يمكن استخدامها كصندوق أدوات للتدخلات الخارجية التي لم يتم حتى التشاور بشأنها” كما يقول أحد الخبراء.
ويعتمد المسار التالي للعلاقة بين جانبي الأطلسي إلى حد كبير على كيفية تطور مجريات الحرب. إذ أشار ترامب إلى أن النزاع قد ينتهي خلال أسابيع، لكن إدارته نقلت قوات إضافية إلى المنطقة ورفضت استبعاد الغزو البري. قال مسؤولون دفاعيون إن الولايات المتحدة نشرت قوات مدربة على الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها. وإذا انتهت الحرب بسرعة، فقد يتمكن القادة الأوروبيون من إدارة خلافاتهم مع واشنطن دون إلحاق ضرر دائم بالتحالف. ولكن إذا طال أمد الصراع أو تصاعد، فإن الضغوط على الحكومات الأوروبية إما للاستجابة للمطالب الأميركية أو الانفصال علناً عن واشنطن ستزداد. وستملي النتيجة مستقبل التحالف الذي شكل مظلة الأمن الغربي لنحو ثمانية عقود.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-04-03