الآراء الفرط صوتية!
مهدى مصطفى
فى كل حرب يظهر سلاح جديد، وتظهر معه جماعة لا تحمل البنادق ولا تضغط على الزناد، لكنها تعرف متى تضغط على المعنى.
جماعة تبدو صغيرة ظاهريا، كبيرة تأثيرا، تنتظر اللحظة الكارثية، كما تنتظر نشرات الطقس، تمتلك وحدها حق امتياز الرواية السياسية، فتدخل المشهد فى اللحظة التى يسقط فيها الضحايا، لتشرح: لماذا كان السقوط ضروريا!
يمكن تسمية هذه الجماعة بأصحاب الآراء الفرط صوتية، فكما توجد صواريخ فرط صوتية تسبق الصوت، وتخترق الزمن، توجد آراء تسبق الوعي، وتخترق الضمير، تسبق الحدث، حتى لو كان كارثيا، ترافقه، وتعيد تفسيره، وهو لا يزال ساخنا على الأرض.
الآراء الفرط صوتية، تمتلك قدرة هائلة على التبرير، وتمرير لغة المعتدين إلى اللاوعى العام، وبذلك تتحول إلى سلاح مواز للصواريخ، أسرع انتشارا، وأشد أثرا، تبرر وتغطى وتعيد صياغة الواقع فى لحظات الحرب.
إسرائيل تشن حربا وراء الأخرى، دون حساب لرد الفعل، لا تخشى المحاسبة، ولا تقيم وزنا لشعوب المنطقة والعالم، ولا تتردد فى الإبادة، بينما تلاحق من تختارهم أعداء للسامية، ذلك الاتهام الذى يتحول إلى سيف ذهبى للقسوة.
تبيد البشر باسم السماء، تسيطر على الأرض باسم تحالف حضارى يواجه البرابرة، تستدعى نصوصا دينية فى تأويلات سياسية، بعضها ينسب إلى «عزرا الكاتب» فى سياق ما بعد السبى البابلى، لتتحول فى النهاية إلى خطاب يبرر العنف.
تختلط الخلفيات التاريخية والسياسية لتشكل مأساة مركبة، فتتحول جماعة عابرة، بين الأعراق والأجناس واللغات، إلى مسألة مستعصية فى الساحة الأوروبية، ثم ينتهى الأمر إلى خلق كيان لها على أرض فلسطين، بوصفه حاجزا فولاذيا بين شرق الإقليم وغربه، يؤدى دورا وظيفيا فى الاستنزاف المستمر، كمجتمع عسكرى متخم بالأسلحة الفتاكة.
ألم يقل بنيامين نتنياهو إن إسرائيل بمثابة إسبرطة اليونانية، دولة تقوم على الحرب الدائمة، وألم يقل إنها تسير على طريق جنكيز خان، وأن إسرائيل الكبرى صارت واقعا، وأنه لا يغير الشرق الأوسط وحده، بل يغير العالم، بما أثار مخاوف أوروبا التى صنعته ذات يوم، ألم يحشد وراءه الولايات المتحدة؟
حرب تستدعى الذاكرة الدينية من خلال التسمية الإسرائيلية «زئير الأسد»، وتستدعى غزوات الإسكندر الأكبر من خلال التسمية الأمريكية «الغضب الملحمى».
ومنذ 28 فبراير 2026، ينزلق العالم إلى الهاوية، وتتحول المنطقة إلى رهينة لحرب مجنونة، تمتد آثارها إلى أصغر طفل فى أصغر قرية على هامش القارات، ويتحول ما كان نظريا فى الأدبيات السياسية إلى واقع قاس، قد يدفع العالم نحو كرة لهب كارثية.
ومع اتساع هذا التصعيد لا يمكن تجاهل البعد الأمريكى فى المعادلة، فصحيح أن أمريكا تسعى للسيطرة على الممرات البحرية والبرية والفضاء والطاقة والتجارة تحت شعار «سلام القوة»، وصحيح أن وثيقة الأمن القومى الأمريكية فى نوفمبر 2025 تشير إلى ذلك، لكن هذا التصور يصطدم بطبقات صلبة من الواقع، قد تهدد الأصول الإستراتيجية التى أقامتها أمريكا عبر قرون.
تبقى هذه الأسئلة مفتوحة، غير أن الواقع يكشف عن مرض عضال: جماعات تظهر فى لحظات الأزمة، تكسر الروح المعنوية، تلوم الضحية: «نحن»، وتمتدح الجلاد: «هم»، وتكرر اللغة نفسها والمصطلحات ذاتها، كأنها صدى لغرفة واحدة، تفرض حضورها عبر وسائل الإعلام والمنصات والشاشات الملونة.
وعلى الرغم من وجودها فى الجانب المظلم من التاريخ، تتحدث بثقة مطلقة، وتصبح «ترند» كل حرب، وكما يوجد لكل حرب سلاح، فإن هذه الحرب لها سلاحها أيضا: الصواريخ الفرط صوتية، ويقابلها فى المجال الرمزى الآراء الفرط صوتية، التى تبرر المجازر، وتلوم الضحايا، وتمنح العنف غطاءه اللغوى المناسب.
فهل هذه الآراء هى الغطاء الذى يفسر غياب الخشية الإسرائيلية من المحاسبة، أم أنها أصبحت جزءا من بنية القوة المعتدية ذاتها؟
2026-04-03